ذبح هانئ

دهب

“أتيناكم بالذبح”

داعش


اليوم هو العشرون من أبريل الساخن، الخرطوم لمّ تتحرر من زوابع الصيف وصناديق الإقتراع بعد، غرفتي التي تقبع في طابق علوي في مجمع سكني متهالك بضاحية (الفتيحاب) بها أثار حريق هو ما تركته لنا أخر زيارات (الملتوف)، تحركت بثقل قدمي رجل يمشي على دروب التعلم الترابية، ويجر تفاصيل حلم عادي، إلى أن وصلت حيث أبغي بالطريقة التي وصلت بها أول مرة قبيل سبعة أعوام.

    عند مدخل الصرح المتهالك لافتة لا تغري أحد بالمطالعة، طبع عليها بخط باهت (كلية الهندسة) بعد رحلة من الإمتنان شملت إسم الجهة المتبرعة بها، وسنة التبرع ،وإسم شهيد تلك السنة، فلكل سنة شهداء بعدد الغم الذي فيها، ولكن المحظوظين منهم فقط ينالون ثواب التعليق على لافتات الكليات، وقفتُ هنيهة ،تحسست فيها بطاقة هويتي، ومن ثم عبرت الباب بثبات أسد تنتظره لبوته الجميلة، إستقبلتني بشقف قبلة أجلتها أعراف المجتمع إلى حين خيبات كثيرة، بادلتها الخذلان ببسمة عجز، ومن ثم تحركنا، إلى حيث ينصب الشيطان عرشه، مموها العامة بلوحة مقصوصة الجانب، طبع عليها بخط أبيض متعجل عبارة ناقصة، مثل لوحتها (النشاط الط…) لتبدأ التنهد رفيقتي الثائرة مثل الشمس بتشنج زائد، فقد إنفجرت قائلة: “سوف لن يذكُرنا أحد يا صديقي، سوف لن يذكُرنا أحد، فإن النواة الصغيرة للثمرة هي أصل البقاء، والعنصر الأهم في الحلقة، ولكنها تُرمى في الأرض لتشق طريق إبذارها بنفسها، أو تموت، فذلك شأنها. لا أحد يهتم بمثل هذه الرحلات المضنية، ولكنهم جميعا يهتمون بالبحث عن شتلات نجيبة ليزرعوها بدورهم الجديدة والمزارع!، لذلك فلنعش في سلام. لا ناقة لنا ولا جمل في هذا الصراع، ليس منوط بنا تبيين وجهة نظرنا في الشيعة، أو في السنة، فذلك شأن أصحاب الحل والعقد.” صوتها الهادئ ينسرب عبر خطوط الحر اللامرئية، وأبخرة كوب الشاي تحت مظلة الزنك.

     – ما الذي حدث.

     تساءلتُ في براءة صادقة لتضيف:

     – هل أنت قادم من عطارد لتوك؟! ولكن ليس في الأمر عجب، فهذا ما أثار حنقي يا صاحب، كيف استطاع الإعلام الفارغ إسكات ضجيج صفيحة؟

    تبسمت بحزن لأقول:

     – لأن الضحايا هذه المرة خارج حدود الخريطة.

     – إنهم يصمون آذانهم عن مصائبهم التي يصيبون بها الأم السمراء من كل جانب، إنهم يستغشون ثيابهم إذاً.

     إنفجرت باكية لتستطرد بعد طول تنهد:

     – يولون ظهورهم عما تفعله بنا بنات أفكارهم، لذلك يجب علينا إلتزام الحياد، هل تفهمني! يجب ألا نموت في حرب لا مغنم لنا فيها فما (داعش) إلا صراع لتهدئة فوران سعر برميل النفط، وتسويق ما ركد من سلاح فقد جدواه.

    – لا يا صديقتي، ليست بهذه التبريرات الفطيرة تُرمى الرايات، ويودع الأبطال الصفوف – قلت مقاطعاً – نعم لابد للمحارب أن يقاتل للرمق الأخير، ولو فقد أحد أطرافه.

     – أصمت يا صديقي، فأنت لا تعلم عن الحرب شيء، ولم ترى من الرايات إلا رايات النفاق، دعني أسبح بك في بحر الخيال قليل، إذا ما تمكنا من إحضار الآلاف الذين ماتوا (ببانقي) تلك الدرة المحروقة مثل حبة بن، والمرمية في قلب غابات الإستواء، ثم نزعنا عن طرفي الصراع غشاوة أديان لا يفقهون في لغاتها سوى النصوص، وبعضهم لا يفقه سوى شذرات شعاراتها، فهل ترى إنهم سيتقاتلون بنفس ذلك العنف؟ هل ستهون عليهم حرمة دماءهم مثلما هانت عليهم في حضرة باطل مقدساتهم؟ لا – ورب الشيتات – إن ذلك لن يحصل أبداً طالما تعلّم الجميع منذ صغرهم وفي أدغالهم المتشابكة (أن لكل داء دواء) و(أنه لطالما التل يجلس على الأرض فهو منها)، سوف تحل كل المعضلات بحكمة السلم الساكن بأرضهم دون الحاجة إلى إرسال الناجين من التوتر إلى الجحيم.

    كانت ناضجة مثل خُبزة مقمّرة، متأنقة بحجابها الذي ينضح على وجهها حبيبات عرق، لابد من أن تكون باردة تبلل جنائن الورد التي على وجنتيها، يشع جبينها إيمان وغضب حقيقي  منعني من التحديق بوجهها كما درجت على صقل إيماني بتجلي جمال الإله في الوجوه، سألت صديقي (صالح) كوباً آخر من الشاي بوصفتي الأبدية: “شاي تقيل وسكره تقيل عليك الله.” ثم أسلمت رسن أذني لتقوده إلى بساتين معرفتها الغنية، فقد كانت تنزل كلماتها مزدانة بالحكمة ومتعطرة بالمنطق، الآن أسمعها بجاذبية أكثر مع أبخرة الشاي.

    – يا صديقي ليس الأمر كما تتخيل، أنت تعلم صحراء المفارقة التي سوف نتوه فيها إذا ما ركبنا جواد المقارنة بين ما تتركه الكوارث الفكرية من غبار بحسب الأمكنة، ولكن ليس ذلك مهم، وإنما الأهم هو إن الذين يدسون رؤوسهم في الرمال لمذبحة الإثيوبيين بلبيا يزرعون ألغام أخرى سيكون إنفجارها أفظع إذا ما لم يُنتبه لها، وأنت تعلم  أن جميل فعل النجاشي لم يلاقى إلا بمزيد من الدم منذ معارك (رماة الحدق) التي تلتها إتفاقية (البقط)، التاريخ يعيد نفسه يا صاحب، فجميل الإيواء يقابل على الدوام بحد السيف ونار التجاهل، هذا ما حز في نفسي للدرجة التي هممت فيها بارتكاب حماقات (إسفيرية) ستكون وبال على مشروع الفكر الذي لا يهتم سوى بإثارة المذابح، ولكني وجدت ذلك إنتحار في ظل سيطرته الخرافية على عقول مؤمنيه، لذا قررت الحياد أنا محايدة فهل أنت معي؟”

    – أنا مقاطع.

     إبتسمت وهي تضيف:

     – ولكنك سوف لن تستطيع التجاسر على إطلاق حملة (أرحل[1]).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ارحل حملة شعبية أطلقها ناشطون سياسيون ضد انتخابات 2015

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان