الرئيسية / احدث التدوينات / طونيو كروجر وبورجوازية الحب

طونيو كروجر وبورجوازية الحب

مريم

     القارئ لقصة طونيو كروجر لتوماس مان لا ينفك يراوده شك بأن هذا النص ما هو إلا سيرة ذاتية للكاتب. وذلك لعدة متشابهات، وضحت بمقدمة النص (مولد الإثنين)، الكاتب والبطل: “مدينة تقع في شمال ألمانيا، على بحر البلطيق، وأب الإثنين ينتمي إلى الطبقة البورجوازية، وأم الإثنين مولدها في أقصى الجنوب، تحب الموسيقى واللذة الحسية، متقدة العواطف.”

    صراع الفنان المرير بين ذاته والآخرين، تلك الهوة التي تفصله عنهم، هي عذابه المؤبد المستعر. جاء النص معبقاً بآراء الفنان حول الفن، لاذعة وصادقة، على سبيل الذكر رأيه حول حيادية المقهى، وحول لعنة الفن. أو ليس من الإنصاف للفن أن نعطي الربيع حقه، وألا نظلم الفكرة، فقد تأثر طونيو برأي صديقه القصصي (أدالبرت)، حينما لعن فصل الربيع، وقصد المقهى، فحسب رأيه هو مكان حيادي، لا يتأثر بالفصول، ولا يؤثر على نظم فكره.

    “أعترف لك أنني مثله، وأجد أن الربيع يصيب أعصابي بالتوتر، وبأجناس من الأحاسيس الوضيعة اللذيذة في آن واحد، أنا أيضاً لا أسلم من الإهتزاز لها، غير أني لا أستطيع أن أنحي باللآئمة على الربيع، أو أن أحتقره، لهذا السبب إذاً أشعر في قرارة نفسي بالخجل إزاء سذاجة تحايله على إلقاء الشباك في طريقنا، فأصبحت لا أدري هل ينبغي أن أحسد (أدالبرت)، أو أحتقره، لأنه غير مبتل بمثل هذه الأحاسيس في قلبه مثلي. حقاً لا أحد يجيد العمل في فصل الربيع، لماذا؟ لأن الإحساس به يتغلغل في أعصابنا، والكتاب الأغرار هم الذين يعتقدون أن الفنان أسر أحاسيسه، وأنها هي التي تقوده.”

    “لا تحدثيني عن الرسالات ياليزافيتا إيفانوفا، ليس الأدب رسالة، إنما الأدب لعنة، أتعرفين متى يبدأ شعور المرء بهذه الحقيقة؟ في وقت مبكر، مبكر إلى درجة مفجعة، في وقت كان يكون من حقه أن يكون في وئام وسلام مع خالقه والكون، يبدأ إدراكه لهذه الحقيقة، حين يبدأ إحساسه بأنه منفصل في تعارض عجيب غير مفهوم مع أسوياء الناس، بينه وبين الناس هوة تحفرها حساسيته المتهكمة، وقدرة بصيرته على النفاذ والكشف والإدراك، وميله إلى التشكك والمعارضة. وتزداد هذه الهوة مع الأيام عمقاً وإتساعاً، فإذا به يشعر أنه وحيد، لا وئام له من بعد بينه وبين الناس، ياله من قدر، هذه هي الكلمة التي سيهتف بها لسانه لو إفترضنا أن قلبه بقي حياً، قادراً، ولو قليلاً على النضارة والرقة والعطف، حين يدرك فجيعته، إن إدراكه بفجيعته يتوهج؛ لأنه يشعر كأن يداً خفية دفعت جبهته بخاتم يميزه عن الناس، ويدرك أن هذا التمييز ستلحظه كل العيون.”

    إن لوثة الفن تنطق بحرية في كل جوانب النص، هو قدر الأديب يبدو على سجيته مع من هم على شاكلته، بينما يحاول أن يكون طبيعياً مع عامة الناس: “سأسافر إلى الدانمرك يا ليزافيتا، إنني أشتاق إلى رؤية بحر البلطيق، وأن يتكرر اسمه على مسمعي. أهل اسكندنافيا أريد أن أقرا أدبهم في الجو الذي نبت فيه، وأريد أيضاً أن أطأ بقدمي شرفة قصر كرونبرج، حيث ظهر الشبح لهاملت، فأسكن الحزن وطعم الموت في قلب، هذا الشاب النبيل البائس.”

    تأمل: تكرار اسم البلطيق، قراءة أدب في جوه، قصر شبح هاملت! ثم تلك الوحدة والإنسجام والإصغاء إلى الطبيعة بغابات الدانمرك: “تلقفته الغابات، وكان يجلس على الأعشاب، ويسند ظهره إلى شجرة، بحيث يتراءى له من بين الشجر جاذب من البحر، يحمل إليه الريح أحياناً صوت إصطحاب الأمواج التي تتكسر على الصخور، كأنه صدى سقوط ألواح من الخشب بعضها فوق بعض، يوافيه من قمم الأشجار نقيق الغربان، أجش موحش، يسند طونيو كتاباً إلى ركبتيه، ولكنه لا يقرأ، حتى ولو سطراً واحداً، يمتعه ويسعده. إن نغمة النسيان الكامل قد أخذته الآن بين أحضانها، يخيل إليه أحياناً أنه تحرر من قيود الزمان والمكان، وحلق في الجو طليقاً.”

    كانت لوثة الشمال أقوى في تأثيرها عليه من الجنوب، ووصف صديقته له ـ بعد إسرافه في التعبير عن آرائه ـ بأنه: “ما هو إلا برجوازي طاش سهمه.” لم يكن في محله، فقد ورث البرجوازية عن والده، والطيش عن أمه، وغذى الأدب هذا الخليط! ففي الجنوب حيث قادته دماء أمه، وإنغمس في آهات اللذة، كان يتذكر والده الشمالي ـ المتفكر الأنيق ـ فتهفو روحه إلى الطهر.

    وإن كان هذا التجاذب بين الطيش والفكر نتاج دماء موروثة، فروح الأديب كذلك في حالة تجاذب بين هذين بعيداً عن روح الدماء. وقد وضح طونيو نفسه أن إختفاء هذا التجاذب يستحيل أن يصنع كاتباً” فيجتمع في رجل واحد أن يكون صاحب مصرف، ويكون قصصياً، قد يحدث هذا، لكن حدوثه نادر، ولكن هل رأيت مؤلف قصص هو في الوقت ذاته صاحب مصرف منزه عن الإجرام، متمتع بإحترام الناس، ناج من كل شبه وريبة؟ هذا مستحيل، لا وجود لمثل الرجل.”

    إن معضلة طونيو كروجر، ما كانت لتسمى معضلة، لو أنه كان رجلاً من عامة الناس، أما وأنه كان فناناً وأي فنان! أسر معجبيه بأولى قصائده عن شجرة الجوز، فقد تركت هوة عميقة في نفسه. ففي شمال ألمانيا ـ مسقط والده ـ حكم عليه بأنه  دخيل، بينما بجنوب إيطاليا ـ حيث أمه ـ وصف بأنه برجوازي طائش السهم، وتمزق بين هذين!

    حتى في الكتابة، كان أسيراً للشمال، ميله إلى البرجوازية أقوى، وإن كانت صوراً مأساوية وهزلية ـ إيطاليا ـ تدعوه للكتابة عنها “لكن أخفى وأعمق حب لي هو حبي للجنس الأشقر، الشعر الأزرق العين، الذي يجد السعادة كلها في معيشة بسيطة حلوة مألوفة.” يرمز إلى الشمال حيث البساطة، وتأنق الفكر، والطهر، حيث إتجاه سمو روح الفنان.

    لا شيء أشق على الفنان من نفي هويته، وحكم أنه دخيل على بلدته، رغم أن ألمانيا ملهمة تظل إيطاليا ـ حيث الدماء المجهولة ـ معبد الفن، رغم عذاب الكاتبن فقد آثر العودة إلى إيطاليا، وقد كتب إليها، وهو ببلاد الشمال: “البورجوازيون أغبياء، نعم، ولكن أنتم الذين تعبدون الجمال، وتحسبونني بليد الإحساس، مجرداً من الطموح، ينبغي لكم أن تدركوا أن إنساناً يصدق إتصافه بأنه فنان، يفضل طبع تغلغل في أعماقه فرضته أرومته، وأقداره يكون له مع ذلك ميل إلى الإيمان بأن لا شوق من حيث المتعة والقيمة يفوق شوقه إلى الحياة البسيطة التي يألفها عامة الناس، إنني شديد الإعجاب بهذا الصنف من الناس، المتكبر البارد الأعصاب، الذي يحتقر البشر، ثم هو مع ذلك لا يهاب المغامرة في الطريق المؤدي إلى قمة يعانق فيها الجمال الفذ الجهنمي، فعندي أن الشرط الذي يتوقف عليه إرتقاء الأديب إلى قمة الشعر، هو إبتلاؤه مثلي بحب بورجوازي للبشر، للأشياء المعتادة البسيطة، هذا الحب هو مصدر الدفء والطبيعة والفكاهة، أعتقد أن هذا هو عين الحب الذي قالوا عنه إن فاقده وإن تكلم بكل لغات البشر والملائكة لن يزيد صوته عن نفخ بوق أو رنين صاجات…”

    هنا برسالته إلى صديقته الفنانة ليزافيتا وضح رأيه (مغلفا) عن الأدب الإيطالي، فالإرتقاء إلى قمة الفن يتوقف على مبلغ عذاب الفنان الداخلي، وإبتلاء الفنان بالبورجوازية عذاب مهول، فلا هو يملك فعلياً الإنتماء إليها، ولا هو يملك أن يزدريها، فقط حباً عن بعد، وإزدراء الأدب الايطالي وخلوه من هذه النكهة ما هو إلا أدب فقير. وهذا يوضح معنى قراءة أدب في الجو الذي نبت فيه. “وإن كان مجرد شذوذ فنان بلا معنى.” ومعنى نظرات التهكم والاستبواخ تجاه الفن البورجوازي الذي يجد الفنان البورجوازي نفسه رغما عنه يتحمل جريرته.” لك أن تتخيلي حالي حين يضمني أحياناً جمع من أناس كرام مهذبين، نأكل ونشرب ونثرثر، يسود بيننا التفاهم على أكمل وجه، ويسعدني أن أجدني لفترة مندمجاً بأناس لهم إنبساط وإنكشاف، نفس كأنني واحد منهم، وفجأة وأنا أروي لك عن خبرة، أؤكد لك فينهض من بينهم شاب وسيم، نعرف أنه ضابط في الجيش، لا يخطر ببالي أن يصدر منه فعل لا يناسب زي السهرة الذي يرتديه من يغشى الحفلات طلباً للمتعة واللهو، وإذا به يستأذننا في عبارة مقتضبة أن يقرأ علينا شعراً من نظمه، فنأذن له، ونحن نضحك ضحك المحرجين، فإذا به يخرج ورقة كان يخفيها طول الوقت في جيبه، ويتلو علينا كلاما نظمه عن الموسيقى والشعر، فيه تعبير مباشر عن إحساسه، فهو من ثم تعبير لا قيمة له، تأملي هذا إذن، ضابط وشاعر ورجل صالونات! ما حاجته إلى الإبتلاء بفن الشعر؟ وكانت النتيجة ـ كما هو المتوقع ـ أن استمع له الجميع بوجوه تنطق بالعناء في صمت. ويسود الجميع جو كثيف من الحرج، أذل ظاهرة من معاني هذا المشهد التي ينتبه لها إدراكي، هو شعوري بأنني أتحمل قسطاً من جريرة هذا الصدع الذي أحدثه الضابط في زمرتنا، بل صدقيني إذا قلت لك إنني أرى نظرات بعضهم تتجه نحوي، ينطق بالتهكم والإستبواخ، أفلست ملتاثاً بين هذا الفن الذي يخبط فيه هذا الضابط.”

عن مريم خميس

mm
كاتبة من السودان