الرئيسية / احدث التدوينات / في نقد التيار الماركسي السوداني

في نقد التيار الماركسي السوداني

حسان
     في ندوة اللقاء اليساري العربي في بيروت، قدّم العديد من المشاركين تصوراتهم لما يفترض أن يكون برنامجاً للتيار التقدمي، أو اليساري في الشرق الأوسط، ومن بينها ما تضمّنته الورقة، التي كنت قد تقدّم بها الاستاذ أحمد الديين* في الندوة، والتي تحتوي علي عنوان مهم وجاد، ويعتبر واحد من العنوان التي شغلت اليسار في المنطقة، وجاء العنوان (نحو بديل تقدمي عربي)، الذي شمل عدداً من العناوين العامة، من بينها مسألة الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وغيرها من العناوين، ولكن أُعتبر العنوان التالي هو أكثرها أهمية، وهو (التحديث) ويقول الديين:

     “إذ أنّ اليسار والقوى التقدمية هي التي يفترض أن تحمل قضية التحديث، ولا يصح أن نسلّم بأنّ التحديث هي مهمة الليبراليين وحدهم. فاليسار والتقدميون جزء أساسي، بل طليعي، من تيار التحديث، ويمكنهم أن يضعوا الأساس لبرامج تحديث متكاملة ومنسجمة، لا تقتصر على التحديث الثقافي، أو الإجتماعي، وإنما تشمل تحديث الدولة، أي بناء الدولة الوطنية الحديثة، وتحديث الإقتصاد، وتحديث المجتمع، وتحديث القوانين، وتحديث الإدارة، وتحديث الثقافة، وتحديث التعليم، وذلك من دون أن يعني هذا التحديث المستحق التنكر غير المبرر للهوية الحضارية لمجتمعاتنا وتبني توجهات تغريبية.”

     “لا أريد أن أطرح اليسار السوداني ضمن السياق العربي، أو الشرق أوسطي، حتى لا نقع في فخ السياقات التاريخية، ولكن ما يجب طرحه على اليسار العربي، لا أرى مانعاً من طرحه على اليسار لدينا هنا، بأعتباره رائد التحديث في السياق السياسي السوداني، ولنعد قليلاً لتقليب دفاتر التاريخ السوداني الحديث، وحركة مقاومة الإستعمار الإنجليزي – المصري حيث نجد تأسيس حركة مقاومة وطنية سودانية، ذات توجهات ماركسية، أُطلق عليها اسم (حستو). تزامن تأسيس (حستو) منتصف الأربعينات مع تأثيرات الحرب العالمية الثانية على حركة الوعي الفكري والسياسي على الشعب السوداني، فقد ساهم السودانيون في الحرب بالقتال خارج السودان، وإنفتحوا على التأثيرات الخارجية على مدى لم يسبق له مثيل، وإستمعوا إلى وعود حلف الأطلنطي، وبينها حق تقرير المصير بعد إنتهاء الحرب، وتعرفوا على آفاق جديدة. وقد إنتهت الحرب بهزيمة الدول الفاشية، وإنتصار الحلف الديمقراطي، وفي داخله الإتحاد السوفيتي، الذي إنكسر الحصار حوله، وبالتالي حول الأفكار الماركسية، والإشتراكية، وإنبعثت حركة التحرر الوطني العالمية في الشرق الأقصى، ثم جنوب آسيا، ثم في البلدان العربية، وإنعكس ذلك كله على حركة الجماهير في السودان، فنشأت الأحزاب، وتأسست الأندية العمالية في المدن الكبرى، وتحرك مزارعو مشروع الجزيرة، وقدموا مطالب في مطلع العام 1946. وفي نفس الوقت تقريباً بدأت مفاوضات بين مصر وبريطانيا، حفزت السودانيين لتكوين وفد موحد من الإتحاديين والإستقلاليين للمشاركة فيها، ونظم طلبة الكلية أول مظاهرة تسير في شوارع الخرطوم منذ عام 1924، كل ذلك أدى إلى أن يجيء تأسيس (حستو) في تزامن مع نشوء الأحزاب الأخرى، وفي جو من الإستقلال، الذي يعتمد على حركة جماهيرية واسعة، لم تكن مجيّرة لحزب.”

      “لنعود إلى هذا التيار الماركسي، الذي بدأ في بناء مناظيره السياسية، وفق للايدولوجيا الماركسية. وبتأسيس الحزب الشيوعي السوداني تحولت الماركسية في السودان إلى حركة ثورية منظمة، تسعى بالنضال الجماهيري، والعمل الفكرى الدوؤب والمثابر، لمعرفة خصائص الواقع السودانى، ولربط الماركسية به، وتحقيق أفكارها فيه من أجل تغييره لإرتياد آفاق التطور الإقتصادى والإجتماعى. ونحن نؤكد على أن الماركسية ليست جامدة، بل هى علم، ولا تقبل الإنغلاق، وبذلك فهى مفتوحة لإستيعاب أفضل ما ينتجه الفكر الإنسانى، وما يكتشف من معارف. ومن هذا المنطلق إننا لا ننكفئ على الماركسية كعقيدة جامدة، بل نسعى بعقل جماعى مفتوح لاستيعابها، والإسترشاد بها لدراسة وفهم الواقع السوداني، وتغييره، بإنجاز مهام مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، وتهيئة الشروط المطلوبة لولوج مرحلة بناء الإشتراكية، ونحن ننضال من أجل تحقيق هذه الغاية، نحرص على ألا ننمى أي حساسية مرضية مسبقة إزاء أية أداة منهجية، حتى لو لم تستند إلى الماركسية، بل لا نستنكف أن نعطي، حتى فى هذا السياق، الإعتبار البراغماتى الكافى لما قد يطرحه الواقع حولنا من معطيات لا يمكن أن يسقطها، أو يغفلها، سواء عقل مغلق.”

     من الأسطر أعلاه من برنامج الحزب الشيوعي، يتضح أنه لم يطرح الماركسية من واقع السودان، ولم يطورها كنظرية لها أسسها المعرفية والفلسفية، التي من خلالها يمكن الخروج ببرامج ورؤى تساعد على ترسيخ قيم العدالة الاجتماعية، وبالنظر إلى أن الحركة الشيوعية تحمل لواء التحديث، فإنها رغم ذلك لم تشتغل على قضية التحديث، وهو الفخ الذي جعل من الشيوعية والمجتمع السوداني خطان متى ما إلتقيا تعاركا، وهو بالتأكيد فعل السلطة والرؤية الإسلامية، وهو ضعف في البناء الفكري الماركسي السوداني.

البنى التقليدية:

     يهتم بهذه البنى التقليدية مما جعلها بناء قام على جرف هار، وقوى تستغل في كثير من الأحيان من قبل النخبة التقليدية (زعماء الطوائف السياسين)، وهذا ما تحدث به التاريخ السياسي السوداني، خصوصاً في فترة الديمقراطيات الثلاثة. إن تركيبة المجتمع السوداني ذات التكوين العشائري عرقلت بناء النقابات والوحدات التي عبرها يسري العمل العمالي، والذي هو العمود الفقري للتيار الشيوعي في السودان، وكل هذا عرقل الماركسية في نظرتها للدين ضمن السياق السوداني، وأقصد نظرتها للدين بمعنى الدين كمحرك للفضاء العمومي، فالطرق الصوفية التي إستغلها المستعمر، وفهم أنماط حركتها، وطبيعة حركات السلطة الاجتماعية، والتصورات الإجتماعية، وهذا مالم يدركه الماركسيين.

النظرية السياسية:

     هو تيار سياسي يقوم على أساس النظرية الماركسية اللينينية – الإتجاه السوداني –  ويستمد قواه الثورية ونزعاته منها، وهذه إحدى سقطاته، مما جعله يقع في تبعية الإتحاد السوفيتي، فمع إنهياره إنهارت كل الإتجاهات الإشتراكية الماركسية،  أي أنها كانت تابعاً سياسياً ليس إلا، وهو الأمر الذي نفته نائبة الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، حين إستضافتها في لقاء مع قناة الميادين، ولكن هل يتفق هذا النفي مع واقع الأحزاب الماركسية. لست متبحراً في الفكر الماركسي، ولكن رؤيتي تتوقف على نقد النظرية السياسة للإتجاه الماركسي في السودان، وهذا النقد يمتد ليصل لليسار السوداني أيضاً، ليصبح تساؤلاً منطقياً (أين الفكر السياسي الذي تستند عليه هذه الحركات السياسية، والأحزاب؟).

التنمية ومستقبل الدولة:

     وتبرز قضايا عديدة أيضاً، ما هو مستقبل اليسار في السودان؟ قوى تحمل قضايا حية ومهمة، وماهو واقع التنمية بناءاً على برامجها الحزبية وخطاباتها السياسية، بعد ثلاثون عاماً من تدهور الدولة السودانية، على اليسار أن يضع تصورات على أساسها تتبنى تصورات جديدة للوضع المعيشي في السودان، وهذه المهمة في جوهرها تقع على عاتق القوى اليسارية بالتحديد. كل هذا قليل من كثير علينا البحث حوله، وإعادة صياغته بما يتناسب مع راهن المجتمع، وطموحاته إتجاه الحرية والديمقراطية والتنمية.

عن حسان الناصر

mm
كاتب من السودان