شهوة الغياب

969645_516178905129970_746021517_n

 

البحرُ حُلمٌ

فيهِ تموتُ و تولدُ مِن جديد*

مارك ستراند

 

1

     في ذلك اليوم، الذي وعدني فيه باللقاء، عند ميناء المدينة، إنتابني قلق ما. قد تقولون أنه من طبيعة الإلتقاء بمن تحب لأول مرة. صحيح أنها لم تكن المرة الأولى بالمعنى العام، لكنها كذلك من بعد مدة طويلة لم ننقطع فيها عن بعضنا، بل إزداد تواصلنا، وإن كان عن بعد؛ فللرسائل سحر يعرفه من عرف حمّى الكلمات. الرسائل التي لا يأتي على ذكرها خجلاً وهو يحدثني على الهاتف. يكتفي بأول حرف حين يراسلني. كان مفتوناً به (ج) فهو يشبه كما يقول نصف مرساة تمتد لتشمل إطار جسدي من الإسفل، وكأنه الحرف الذي يتقعر ليحملني بعيداً عن ظلمات بحري، ويرسو بي على ميناء قلبه.

     لطالما كانت اللقيا الحقة عن بعد، فالتراسل من أسمى صور الفقد الوجودي، الذي يحيلنا إلى الفناء، وإن كان لحظياً، بينما الجسد بحضوره يستحوذ مكانة في لُجّة الوعي. فنحتاج أن يعمينا الغياب حتى ننتبه لذواتنا حين التلاقي. لا زلت أحسني كائنة هلامية، أسبح في بحر كلماته، غير عابئة لأي دوامة سيجرفني التيار إليها، ما دامت زعانفي تنشد الرحيل، وعلى قشور ظهري تطفو راية بيضاء. أين كنت؟ صحيح، عند ذلك الشعور الذي ما زلت أصر على أنه كان قلقاً من نوع آخر، كذلك الكليشيه .. ماذا يقول؟ .. نعم نعم، الهدوء الذي يسبق العاصـ… و إن يكن، وإن يكن. ولأنني كنت حينها كأي فتاة مندفعة في الحب ذهبت إلى موعدي تحملني سحابة الشوق الرمادية دون كثير عناء.

     رأيتُ مقعدنا الخشبي، الذي حددناه سوياً، بتلك المكالمة الهاتفية، بإنتظاري، رغم إزدحام المرفأ في ذلك الوقت من اليوم بالسفن القادمة أخر المساء، وبكل ما تحمله من بحارة وعمال وبضائع بالجملة، هذا إضافة لمن يفضلون ممارسة المشي بعد إنتهاء دوامهم مباشرة، قبل العودة إلى بيوتهم، وأولئك الوحيدين دوماً الذين لا يناسبهم وقت أكثر من السماء المارونية قبل الغروب. جلست إذن على طرفه الأيسر كقوقعة، أتطلع إلى العمال، وهم ينقلون الصناديق الضخمة من السفن إلى داخل غرف تابعة للشركات التي يعملون بها، مشمرين عن سواعدهم، ومكففين سراويلهم إلى أسفل الركبة بقليل، وبقع العرق ترتسم على قمصانهم في لامبالاة ذائبة. ورحت أتخيل صانعي هذه البضائع في الجهة المقابلة من العالم، كيف تكون أيامهم في نهاية الإسبوع، هل يقرؤون، وهل لديهم حبيبات ينتظرنهم كما حالي الآن.

     إقترب شاب مني أزكم رائحة أنفي بعطره القوي مبتسماً يستأذنني في الجلوس فهززت رأسي موافقة و أخرجت من فوري كتاب أحضرته لا بهدف القراءة، و إنما لتفادي أي فرصة حديث عابر مع ذوي الروائح القوية. ليس لكم أن تكرهوني مع ذلك؛ فبتم تعرفون الآن أني واقعة في الحب، وليس في طاقتي إذن أن أمنح أحدهم غيره فرصة التودد إلي. سيبدو الأمر كأنني أتهم الحب بالضعف لعدم قدرته على حمايتي من الآخرين، دون ضرورة إتخاذ إجراء قرائي غريب كهذا. ولكن لنفترض أنكم محقون، فهل كانت إستجابتي له، ومن ثم سماحي له بالتمادي أكثر، كما كان يوحي به اختياره أن يجلس بقربي في وسط المقعد الخشبي، بدل الجلوس على الطرف الآخر، ستجعلني أقل عدوانية. أشك في ذلك، فلو سمحت له سيظن أنه في مركز الدائرة، ويستطيع إحاطتي في مجاله دون مقاومة مني لجاذبيته النفاذة، ليفاجأ بعدها كما سأفاجأ بدوري بالنبرة العدوانية في ردودي عليه، مما يعجل بتبخر نرجسيته المفرطة سريعاً، وإنبعاث رائحة جسده الغريزية فاضحة له أمام الجميع. هذا عدى عن فكرة أن تمنح أحدهم أملاً كاذباً لهو الشر بعينه. ما أود قوله لكم هو أن فكرة الكتاب تلك ملائمة جدا لطبيعتي الرقيقة.

    جلست أنتظره هنا حاملة عقارب الزمن في يدي، فليس هذا بالشيء الغريب عني لطبيعة تكويني الأنثوية التي تحتفي بما وراء الحياة. فالمرأة بطبعها إلهة الكمون، ترث خبرة التريث من جسدها وحده، مع كل انقطاع لخيط الدم، تخلق الجنين، قيامته الصغرى، نموه، تشكل أحلامها المؤجلة فيه، تكرار التجربة، وإنتظار نضج المهام اليومية حتى تستحيل شيئاً آخر، طرف زائد في جسمها مثلاً. تتحجّر حتى لا تعد تلتفت لوجود الإنتظار، أو لوجودها في تلك المتاهة، فتسكن إليها الحياة بضجيجها.

     حسناً، في الواقع كانت الخطة أن يزورني بالمنزل، لكني إتصلتُ به، وعرضتُ أن ألتقيه عند الميناء، ومن هناك نذهب مشياً. “ولكن أمك!” قال مستفسراً. فأعلمته أني تدبرت الأمر، وأخبرتها من هاتف المكتبة أني سأتأخر لمهمة طارئة في الشغل، ثم خرجتُ إلى الميناء. لم يبد عليه الإرتياح مع تغير نبرته في الحديث، فقال منهياً للمكالمة أنه سيتخذ الطرق المختصرة قبل أن يخطفني قرصان متنكر في هيئة قبطان سفينة محترم.

     آخذُ نفساً عميقاً، وأفض جديلتي، فتخرج القواقع، وذرات ملح البحر من خصله، وأتركه يتنفس نسيم البحر. أردت التمشي معه، والتعرف عليه من قرب، قبل أن أضطر لمواجهة والدتي، ونظرتها المشفقة على حالي، والمعاتبة بذات الوقت، لرفضي خطوبة إبن خالي المغترب. ها أنا أعترف، أعلم تماماً أنها تحبني، لكني لم أعد صغيرتها المدللة. حان وقت إتخاذ قراراتي بنفسي. لم تعد غرفتي الصغيرة بزواياها تحويني. فبعض رفوف المكتبة تبدو كقارب منسي على ضفة البحر، يحمل أسمالا بالية، مبللة بذكريات قديمة، يحتاج لتيارات جديدة تدفعه لمياه الحياة مجدداً.

 

2

     كان قرص الشمس يستحم في البحر، ويمنح تموجاته لون القلق المتلألئ في أعماق جوزفين تقوساً وإنبساطاً. رغم ما تبدو عليه من هدوء خارجي، وأنا من هذا العلو أمتلك مدىً واسعاً للرؤية، فها هي السفن الواصلة قد أشرفت على إفراغ حمولتها في الميناء، وتستعد للنوم مبكراً لما ينتظرها غداً من سفر جديد. وها هم العتالين يتركون ظهورهم، وما كانت تحمله في غرف التخزين ذات الأبواب الخضراء التابعة للشركات المسؤولة، وهناك رجال خفر السواحل، وشرطة الأمن بملابسهم التي تحاكي لون البحر في سذاجة، ينزلقون من مقاعدهم آخذين معهم تكشيرة حواجبهم إلى زوجاتهم، وموظفي مراقبة الجودة يتنازلون عن تشددهم لبضائع مهربة بعد أن كانوا طيلة يومهم يتأكدون من تعميد مياه البحر للبضائع المنفية في رصيف الغربة هذا.

     أخذت ظلال الميناء تزحف إلى داخل المدينة. فها هي الأنوار في تلك الغرف تنطفئ تدريجياً، وخطى العودة إلى البيوت تحمل ما تبقى من التعب المقيم. أما أمثالي فيمكثون هنا تحسباً لأي طارئ، فمهنتي وسكني في البحر. لوني كلون الشمس، أتميز عن غيري من الرافعات الحمراء والزرقاء بالفراغات الهندسية على طول هيكلي، هذا عدا عن طولي، أما قاعدتي فبلون ملاءة البحر تتصل بها سلالم يصعد عليها من يديرون محركي، ثم هنالك رسم لمرساة على جذعي الصلب تعكس ما أحمله في قلبي من حب مساعدة الغير، وترتبط بي مكنة تنوء بحبال طويلة – تمر عبر البكرة – للشد إذا ما تعرضت سفينة ما للإحتجاز، فبعض السفن كالناس، لا تعي مدى تضخم وجوديتها حتى تصطدم بكاسر أمواج، أو تنحشر في لسان بحري، بينما سفن أخرى تتعرض لحجز حتى ينتهي التحقيق فآخذها بعيداً، وبعضها تعتزل بمكان ما فترة طويلة ظناً أن في ذلك تجنباً لحوادث الحياة، فتفاجئ بتكون مستعمرات مرجانية في جوانبها، وهناك التي تتعطل في وسط البحر، وتحتاج حرفياً لمن ينتشلها. وهكذا ترون أنني تعاملت مع سفن كثيرة وخبرت أحوالها بما لا يسمح بغير الرتابة في العمل، لكن ما كان ينتظرني صباح اليوم التالي لم يخطر يوماً على بال رافعة. وفتاتنا الآن يبدو عليها القلق بعد اتصالها الثاني على حبيبها دون أن تجد رداً. وعلى عينيها الأسى من فكرة أطلت برأسها عن احتمال إخلافه بالوعد، ورحيله عنها، كما تمعن الشمس في غروبها الآن.

      في صباح اليوم التالي، وبعد تلقي خبر احتجاز ود فكاكا1 من أمي، حيث أخبرتني بإتصاله معتذراً عن تخلفه بالموعد، وأنا لازلت مستلقية على الكنبة في الصالون بملابس البارحة خرجت مسرعة، وعند إقترابي من ساحة السوق، كان يخيم جو قاتم لم ينعكس على السماء أو سحبها، بل كان هادئاً، كأن شيئاً على وشك أن ينفجر فجأة، على نحو نفخة الصور الأولى. أبصر الوجود يتخذ من العدم معنى له. لم يكن صعباً العثور عليه، فتجمهر الناس أرشدني إليه.

     لمحت فتاتنا تشق طريقاً وسط الحشد، حتى وصلت إلى الحوت الأسود اللزج، متوقفة في هلع، وشت به كفيها المرتفعتين إلى فمها المفتوح على اتساعه. وقفلت راجعة تعدو بذات الخطوات المتعجلة التي أتت بها، بينما كنت أواصل عملي في الشد والرفع، بعد أن صعدتُ على ظهر شاحنة تحركت بي إلى حيث المأزق.

     عدت إلى البيت لا تحملني إلا دموعي، وبعد أن هدأت، دخلت المطبخ، ووجدتني أعد فطوراً خفيفاً، وأضع قنينة ماء داخل الحقيبة، وأعود إلى حوتي المتضخم في حزنه، الخارج من لوحات إل غريكو2. حين وصلتُ كان قد تبقت له سبع بوصات. كان يود من نظرته إلي لو يفرد شراعيه ليحتضن رياح شوقي إليه. وكصدف متكسر على طول ساحل، تنكسر روحي حين يعلو الموج رذاذاً ضاحكاً، أعاد ترتيبي في سلسلة أهداها لي، فارتديتها من فوري، وأبعدوني هنيهة لتنهي الرافعة مهمتها بعد أن أتوا له بسيجارة سقطت منه سهواً؟!\

 

3

     رأيتها مجدداً بعد مضي أسبوع، عادت فتاتنا في هذا الصباح الباكر، وجلست في نصف اتكاءة على ذات الكرسي الخشبي، الذي لم يكل عن إنتظاره لها. بدأت تحكي للبحر عن حبيبها، وتضغط بيدها على أوراق جلبتها معها، فهذه أول مرة تفتح قلبها لغريب وتحكي له. ولم يكن العمل قد بدأ بعد، فسمعت ما دار بينهما من غير إرادتي. بدأت تخبره وهي في بهاء صمتها أن الحب كالموج المتكسر على الساحل، لا يفنى، بل تتحول هيأته من شكل لآخر، جزء من الموجة يمتصه رمل الساحل في جوفه، وجزء يعود إلى البحر ليتحد مع موجة جديدة. لذلك لن ينتهي حبهما لمجرد وقوع حادثة صغيرة كالموت.

     كنتُ ساحله المهجور، والذي لا وجود له في خارطة العالم، يأتي إليّ في الليل يحدثني عبر الهاتف، أخبئ له الطُعم في ضحكاتي، فيقع صريعاً على الطرف الآخر من الخط. وكثيراً ما يحدثني عن هاجس الرحيل، ويحكي لي قصص أدبائه المفضلين، ممن لهم محاولات ناجحة في الإنتحار، فلا يمل من الحديث عن هيمنجواي ومغامراته البحرية التي يسردها في قصصه بعد إعمال الخيال. وكيف أنه تجلّي آخر لروحه. حكى يوماً عن رغبته في إنهاء حياته عند الميناء، فقلت له أن ذلك محال، لأنه بدلاً عن الغرق سيمشي على الماء كأنه مسيحي المنتظر، ومن يومها لا يأتي على ذكر رغبته تلك إلا لماماً، كمحاولة لإضحاكي بإغاظته لي. كنت بدوري أحكي له عن أحلامي المائية بزرقتها الداكنة، وهي في إنمساخها تحوّل ما هو مائع متحرك، ككلمات رسائله أو دموعي لصخر، وأنا أكره التوثيق كما يعلم. وكان يفسرها بدوره كمحاولة للسخرية من مدى طراوة الأشياء التي تناسبها صلابة المعدن ذو الأهداف القاسية، تكشف لي عن خبث طيبتها. أو ربما تحاول تفخيم مشاعر رقيقة تخيف بها عوامل ما جلفة قمعتها، وهو يشير إلى تحفظ عائلتي بصورة مواربة. أصحو فزعة، أحاول عبثاً تمييع حبنا في دموع منتصف الليل، وتمييع تلك بدورها في اللعنات. تحليل ما هو مركب إلى عناصر أولية. رغبة مني في تجريد كل شيء و فضح ما ارتكبه الزمن و الحرارة و الضغط من تعدين زائف.

     كان يمنح للبحر ملح عرقه، لفرط التحامه به وحكاياه وسفنه التي لا يكل عن عدها. وكان ملح دموعي لا يأتي إلا من بحر قصصه التي لا ينتهي الحزن فيها إلا ليزداد تمدداً. إصطاد قلبي من أول إتصال هاتفي، أوقعني في شباك الشوق ومضى. ومع هذا أعاود مهاتفته لأسمع جرس الإتصال قبل إنقطاع آخر نبض في القلب!

     كما ينشغل المرء بترتيب ما حوله من حاجيات، بينما يتشكل في ذهنه قرار مان بدأ يتضح له جلياً في اللحظة مثل لمعان نثار فضة القمر على سطح موجة تتجه نحوك، جمعت جوزفين شعر رأسها في كعكة بعيداً عن وجهها، وأخذت تجمع من الحُصِيّ الأنانية المهملة على طول الميناء، والتي لا تلقي بدورها أهمية لغير رغبات المحبوبة في تحويل جنة الحب إلى جحيمٍ دانتيٍ، ثم بدأت تكور كل رسالة بحصاة، وبعد أن إنتهت آخر ورقة، خلعت سلسال الصدف وربطت به ما إستطاعت من الرسائل، ووضعته في جيب فستانها، والبقية في الجيب الآخر، حتى ثقلت الجيوب بما يكفي. وإتجهت تخطو نحو المحبرة العظيمة، التي تحوي رسائل المتعبين، تغسلها ستراً لأسرارها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ديوان تقريبا غير مرئي، مارك ستراند، ترجمة د. أنس مصطفى، دار نور للنشر، قصيدة الباص الأخير، ص23

1 بطل قصة المأزق في كتاب صائد الوزين، د. ابراهيم مكرم، كتاب جيل جديد الخامس عشر

2 دومينيكوس ثيوتوكوبولوس، فنان، نحات و معماري اغريقي من عصر النهضة الإسبانية

 

عن دعاء خليفة

mm
كاتبة و مترجمة من السودان