ماذا أكتب ؟

37663817_1768241579923690_3846185656434819072_n

إن كنت الآن أمام جهاز كمبيوترك ،في غرفة مكتبك الأنيقة المرتبة ،أو أياً يكن المكان الذي خصصته لممارسة مهنتك ،بقربك كوب من القهوة ،وقد ظهر على شاشتك عنوان مقالي بعد أن سألت محرك البحث المساعدة في إيجاد موضوع لكتابته ،هل تبتسم الآن ،ظاناً بأنني سأكشف في هذا المقال عن مستودع سري مملوءة رفوفه بالقصص ؟! ،يؤسفني إخبارك بأن هذا المقال لا يعنيك ؛ أولاً لأنك لن تكتب شيئاً وأنت متصلٌ بالإنترنت ،والأهم من ذلك بأن القصص -الجيد منها على الأقل- لم تنتج في المكاتب الأنيقة ،والأماكن المهيأة .القصص الجيدة لا تملك سلوكاً جيداً ؛تُداهم كُتّابها في أكثر الأماكن والأوقات تطرفاً ،ومادمت قد سألت محرك البحث عما تكتبه ،سأستعير لسان بوكوفسكي لأقول لك : (تريد أن تفعلها ..لا تحاول ) .

إنه السؤال القديم نفسه، الذي يطرحه الكتاب والقراء على حد سواء، وربما ستكون إجابتي هي القديمة ذاتها، لكنني اخترته عنواناً لأنني أحاول إيجاد تفسير لدهشتي حين فرغت ليلة أمس من كتابة قصة وأعدت المؤشر لبداية الورقة وقرأت ما كُتب عليها –كما أنني ببساطة لا أجيد اختيار العناوين. إذاً فالسؤال هنا ليس سابقاً لعملية الكتابة ،بل تالياً لها ؛ أي تفسيراً لتهافت القراء على السيرة الذاتية لكاتبهم المفضل لمعرفة أن كان قد قَتَل من قبل ،أو أُودع مصحة للأمراض النفسية كما فعل بطل قصته ،برهنة لافتراضهم بأنه لن تُكتب قصة بكل هذا الوضوح إن كانت متخيّلة بالكامل .

هل الكتابة إعادة تدوير ؟!

ذات يوم حدثني أحد الكُتّاب عن علاقة قراءته للأدب بما يكتب من قصص ،فشبّه نفسه بجهاز المعالجة التابع للكمبيوتر :يقرأ قصصاً ،يعيد معالجتها ،ثم إخراجها بثوب جديد .حين كنت أستمع له لم أستطع طرد رائحة الأكياس البلاستيكية عن أنفي . أنا أتوقف عن الكتابة حين أقرأ الأدب ،تصاب مخيلتي بالخدر ،أستغرق في عوالم من صنع الآخرين فأتكاسل عن صنع عالمي الخاص ،فلماذا أُرهق نفسي بصنع الكعك لو كان موجوداً في الخزانة؟! .

القراءة تجيب على سؤال كيف أكتب ؛ تهذب قراءة الأدب لغتي ،تمكنني مثل غيرها من أنماط الفن اللغوي من اكتشاف قوالب لغوية وأنماط للتعبير غير التي أعرفها . لكن قراءة الكتب التعليمية وكتب النقد الأدبي أفادتني أكثر : لقد عرفت للمرة الأولى بأن المقعد الغريب الشكل الذي أشترته أمي قطعة فنية رائعة لكن صناعته تطلبت ساعات من العمل الشاق ،عدد من النماذج الأولية ،والكثير من المحاولات الفاشلة .لقد عرفت للمرة الأولى بأن ما أقوم بشرائه من متجر الكتب هو النسخة الأخيرة لجهود مضنيه من التشكيل والتهذيب ،وأن أكثر الأفكار ذكاء لن تعجبنا إن طبعت كما هي لحظة إلتماعها في عقل الكاتب .أليس غريباً أنه في اللغة اللاتينية ورد للأدب المصطلح  ficito- Onisومصدره الفعل fingere بمعنى يتصور ويكذب ويخدع، وهو أيضاً بمعنى يضع نمطاً ويشكّل !! .

ربما قراءة كتاب في الفلسفة أو مقالاً في علم النفس تشجعني/تدفعني للكتابة ،لكن ليس بأكثر من مقطوعة موسيقية ،أو صورة لجراء حديثة الولادة ،أو مراقبة أمي وهي تضع الحناء ،أو ممارسة هوايتي المفضلة :تأمل سقف غرفتي .

كل ما تود كتابته قد كُتب !!

كثيراً ما يردد أصدقاء من حولي رأي بورخيس بأن كل ما ستكتبه قد كتبه أحد ما من قبلك ،وأنه كما قال في قصيدته شارع مجهول :” كل خطوة من تفكيرنا تشق الطريق على جماجم آخرين” . حسناً أنا باحثة في علم الحيوان ،إن كانت أحد مراجعي تقول بأن كل الأجناس التي تنتمي لمملكة الحيوان قد تم اكتشافها وتسميتها ،فهل ذلك سيقلل من إعجابي بالفأر الصغير المولود حديثاً في مخزن بيتنا ،امتثالا إلى أن الفئران تم اكتشافها منذ آلاف السنين !! ،قول خورخي بورخيس كما فهمته : أن أتوقف عن البحث عن فكرة عظيمة ،أو غير مسبوقة ،لكن ما يزال بإمكاني كتابة أفكار فكر فيها أحد من قبل بطريقة عظيمة . ما يهم حقاً ليس الموضوع بل الطريقة التي ستخبرني بها بهذا الموضوع :تحويل حدث إلى فن .

الجميع قصّاصون

قال المفكر الأسباني خوسيه أورتيجا إي جاسيت بأننا مهما بذلنا من جهد مضن في معرفة الواقع بشكل موضوعي فلم نفعل شيئاً إلا أننا تخيلناه .إذ يقول بأن الإنسان “يبتكر العالم أو جزء منه، الإنسان محكوم عليه أن يكون قصّاصاً”(1). نحن نستقبل العالم عن طريق حواسنا ،لكن مهما بلغنا من الدقة والموضوعية فهناك جزء ما قد افترضناه ،هناك غموض في كل خبره نمتلكها لا يمكن حله بواسطة العلم بصرف النظر عن النجاح والتقدم الذي وصل إليه،وهو الافتراض الضمني الذي انبثق عنه أكبر جدل فلسفي منذ الميتافيزيقيا التي بدأها أرسطو وصولاً للإبستمولوجي أهم الأوجه الرئيسية في الفلسفة الحديثة .بالتأكيد أنا لا أقول بأن الأدب محاولة لإيجاد الحلول ،ولأرى في الخيال الإبداعي محاولة لتكملة عجز العلوم ،لكن معرفة أن الجميع يتخيل -ولو بدرجة قليلة -جزء من الأشياء التي يتحدثون عنها بيقين تام يطمئنني جداً .

من أين تأتي القصص ؟

الآن وقد بت ملزمة بالإجابة على السؤال الذي ابتدرت به حديثي ،فسأستعين بعبارة قرأتها لأحدى الكاتبات(2) ،استوقفتني قصة شَعرها في الصورة المرافقة لإجابتها على سؤال لماذا تكتبين . قالت : (حين أكتب فأنا أقَطعُ شرياناً منى لينزف خارجاً).أن “أقَطع “لا يبدو بالنسبة لي فعلاً قسرياً كالكتابه، لكن القصص كالدماء :جزء من وجبة تناولناها على الرصيف، مضاف لها جزء من نخاع عظامنا، يتم تصنيعها داخلياً دون أن نشعر، تطوف داخلنا دون جلبة،يبدأ تكوينها من قبل الولادة ،ولا يتوقف إنتاجها مدى الحياة ، ثم إن وخزتنا الإبرة ذات يوم ننظر للدماء بتعجب من دون أن نتعرف فيها -حتى بأكثر الأجهزة دقة – على نوع وجبة الرصيف . كل القصص ،حتى أكثرها خيالية ،ترتبط بكاتبها بطريقة سرية حتى بالنسبة له نفسه .تختار موادها الأولية من حياته دون علمه .وبالمقابل أكثر القصص واقعية -حتى السير الذاتية-لا تخلو من خيال .

 من المثير حقاً مراقبة الطريقة التي يعمل بها العقل ، وكيف يستطيع تحويل الفتاة الخجولة في المقعد المقابل لك في صالة الانتظار بعيادة الأسنان ،والتي لم ترها إلا لثوان معدودة ،إلى شخصية رئيسية في قصتك ،كيف بإمكانه توريطها في حدث من طفولتك لم تكن تتوقع بأنه لا يزال مختزناً لديك . لكنها – وسأعود للمقارنة بالدماء ثانية- لن تكون حدثاً مفرداً ،لان وخزة الإبرة ستخرج عدداً ضخماً من كريات الدم -وإن بدت قطرة ضئيلة – حتى يستحيل معه حصحصة خلية واحدة لتأملها . يذكرني ذلك قول ميغ واليترز(3) حينما وصفت قصصها قائلة :قصصي مثل مكعبات المرق ،مركزة ،جامدة ،جافة ويتوجب على القارئ إضافة الماء .لذلك لن يفيدني تأمل قصة البارحة ومحاولة التعرف على أحد مكوناتها الأولية .

*************

** صورة الغلاف هي الصورة الفائزة بالمركز الأول في مسابقة تكوين :صوّر لحظة الكتابة

(1):  أفكار ومعتقدات –الأعمال الكاملة الجزء الخامس -مدريد  1942

(2): الكاتبة السودانية ريتا صابر -ونصوصها ليست أقل جمالاً عن قصة شعرها-،وقد كان رداً على سؤال (لماذا تكتب )،طرحته جريدة بين النهرين على عدد من الكُتّاب الشباب .

(3) : ميغ واليترز : كاتبة أمريكية ،ضُم اسمها لقائمة أفضل كتاب القصة القصيرة في أمريكا ،،أصدرت أكثر من أحد عشر كتاباً ،وفازت بعدد من الأوسمة والجوائز ،كانت أمها كاتبة قصص قصيرة ،وابنتها هي الروائية هيلما واليترز

 

عن رهام حبيب

mm
كاتبة من السودان