الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: كوكب أم بلاستيك

ترجمات خاصة: كوكب أم بلاستيك

plastic-single-use-mumbai

مترجم عن مقال ناشيونال جيوجرافيك – يونيو2018*             

بقلم: لورا باركر  

تصوير: راندي أولسن

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

“نحن صنعنا البلاستيك، نحن اعتمدنا عليه، والآن نحن نغرق فيه”

المادة المعجزة جعلت الحياة العصرية أسهل، لكن أربعون بالمائة منها يُستخدم لمرة واحدة وتبقى النفايات لتسد مجاري المياه حولنا

لو كان البلاستيك موجودًا عندما أبحر المهاجرون من بلايموث – إنجلترا إلى شمال أمريكا -وخُزِّنت مايفلاور1بزجاجات ممتلئة بالماء وأخذوا معهم وجبات خفيفة ملفوفة في بلاستيك – لظلّت نفايات البلاستيك موجودة حتى الآن بعد أربعة قرون، فلو كانوا مثل أناس كثيرين اليوم، رموا ببساطة الزجاجات الفارغة والأغلفة، كانت الأمواج الأطلنطية وأشعة الشمس ستفتت البلاستيك إلى قطع صغيرة وستظل هذه القطع عائمة على سطح محيطات العالم إلى اليوم مفرزة للسموم التي ستزيد السموم الموجودة أصلا، قابعة في انتظار أن تأكلها سمكة بائسة أو محار، أو في النهاية أحدنا.

علينا أن نشكر الرب أن المهاجرين لم يكن معهم أي بلاستيك، فكرت في هذا مؤخرًا وأنا في القطار إلى بلايموث على ساحل إنجلترا الجنوبي. كنت ذاهبة لمقابلة رجل سيساعدني أن أفهم كل هذه الفوضى التي أحدثها البلاستيك، وخصوصا في المحيط.

ولأن البلاستيك لم يخترع إلا في أواخر القرن التاسع عشر، وانتشر إنتاجه فعليًا حوالي عام 1950، أصبح لدينا 6.9 بليون طن من المخلفات البلاستيكية. من هذه المخلفات 6.3 بليون طن لم تصل أبدًا إلى صناديق إعادة التدوير. رقم صادم للعلماء الذين أحصوه عام 2017.

لا يعلم أحد كم من هذه النفايات التي لم يتم إعادة تدويرها ينتهي به المطاف في المحيط. بالوعة الأرض الأخيرة. في عام 2015جذبت Jenna Jambeck بروفيسور الهندسة بجامعة جورجيا انتباه الجميع بتقديرات صادمة حيث يأتي ما بين 5.3 إلى 14 مليون طنكل عام يأتون من المناطق الساحلية فقط. معظمها لا ترميه السفن“تقول Jenna وزملاؤها، بل يتم رميه بإهمال على الأرض أو في الأنهار، غالبًا في آسيا. وبعدها تنتفخ أو تنجرف إلى البحر. تخيل خمس أكياس بقالة ممتلئة بالنفايات البلاستيكية، تقول Jambeck قابعين في كل قدم من كل السواحل والشواطئ– سيساوي هذا حوالي 8.8 مليون طن؛ هذا هو الرقم المتوسط التقديري الخاص بها مما يحصل عليه المحيط منا وغير واضح كم من الوقت سيحتاج هذا البلاستيك ليتحلل إلى جزيئاته الأساسية. المقياس المحتمل هو 450 عامًا إلى أبدًا.

في نفس الوقت فإن البلاستيك الموجود بالمحيطات يقتل ملايين الحيوانات كل عام. حوالي 700 فصيل، منهم المعرضين للانقراض يتأثرون به.

منهم من يـتأثر به بشكل واضح مرئي حيث يختنقون بشبكات الصيد، ومنهم من يتأذى به بشكل غير واضح، الفصائل البحرية من كل الأحجام بداية من الحيوانات البلاتكونية إلى الحيتان، يأكلون البلاستيك بجزيئات صغيرة جدًا أصغر من واحد على خمسة من البوصة طولاً.

على جزيرة هاواي الكبيرة، وعلى شاطئ من المفترض أن يكون نظيفًا -فلا توجد طرق أسفلتيه تؤدي إليه- سرت على قطع صغيرة جدًا من البلاستيك بعمق يصل إلى الكاحل تفتتوا تحت قدمي مثل الأرز المقرمش. بعد هذا فهمت لماذا يرى بعض الناس بلاستيك المحيطات كمصيبة كبيرة تلوح في الأفق، جديرة بالذكر مثل التغيير المناخي. في مؤتمرقمة عالمي بنيروبي ديسمبر الفائت، تحدث رئيس برنامج الأمم المتحدة للبيئة عن هرمجدون المحيط.

ومع هذا هناك فارق أساسي: بلاستيك المحيطات ليس مشكلة معقدة كالتغير المناخي. فلا يوجد ناكرون لموضوع نفايات المحيط، إلى الآن على الأقل. ولكي نفعل شيئًا بخصوص هذا، لا يجب علينا أن نعيد تصنيع نظام الطاقة للعالم كله.

هذه ليست مشكلة لا نعرف فيها ما هو الحل يقول Ted Siegler اقتصادي موارد بفيرمونت أمضى أكثر من 25 عامًا يعمل مع أمم قطعت أشواطًا متطورة في موضوع النفايات.

نحن نعرف كيف نزيل النفايات. أي شخص يمكنه فعل هذا، ونعرف كيف نتخلص منها. نحن نعرف كيف نعيد تدويرها. يقول إنها مسألة بناء المؤسسات الضرورية والأنظمة -ومن سيكون المثالي لفعل هذا- قبل أن يتحول المحيط بلا عودة ولقرون قادمة لحساء خفيف من البلاستيك.

في بلايموث، وتحت الكآبة الرمادية للخريف الإنجليزي انتظر Richard Thompson في معطف أصفر خارج محطة كوكسايد البحرية بجامعة بلايموثعلى حافة الميناء.

رجل هزيل في الرابعة والخمسون من العمر، برأس أملس محدد بشعر رمادي، كان Thompson متجهًا إلى مسيرته المهنية كعالم البيئة البحرية في 1993- كان يعمل على دكتوراه في الطحالب المجهرية الدقيقة التي تنمو على الصخور الساحلية-عندما ساهم في أول عملية تنظيف لشاطئ على جزيرة مان. وبينما كان المتطوعون الآخرين يركزون على الزجاجات البلاستيكية والحقائب والشباك، ركز هو على الأشياء الصغيرة التي تقبع تحت أقدامنا متجاهلة دورة مدّ البحر، في البداية لم يكن حتى متأكدًا من كونها بلاستيك، كان عليه استشارة كيمائيين متخصصين في الطب الشرعي للتأكد من هذا.

كان هذا لغزًا حقًا وقتها، على الأقل على مستويات أكاديمية: تعجب العلماء لماذا لا يجدون بلاستيك أكثر في البحر، ولقد زاد الإنتاج العالمي تصاعديًا – من 2.3 مليون طن في عام 1950 إلى 162 مليون طن في عام 1993 ثم 448 مليون في 2015- ولكن كمية البلاستيك التي تنجرف على الشواطئ، على قدر ما كانت تحذيرية لكنها لم تبدو في ارتفاع شديد “وهذا يطرح السؤال: أين يذهبون؟”. يقول Thompsonلا يمكننا تجنب الضرر إذا لم نكتشف من أين يأتي؟“.

في السنوات التالية بعد أول عملية تنظيف، ساعد Thompson في توفير إجابة أولية: البلاستيك المفقود يتم تكسّره إلى قطع صغيرة جدًا، فيصبح من الصعب رؤيته. في ورقة بحثية نُشرت في عام 2004، اخترع Thompson مصطلح “البلاستيك الجزئي” لهذه القطع الصغيرة، متنبئًا -بدقة، كما سنكتشف فيما بعد- أن تلك القطع تملك القدرة على الترسب على مستويات كبيرة في المحيط.

عندما تقابلنا في بلايموث في الخريف الماضي، كان Thompson واثنين من طلابه قد أنهوا لتوهم دراسة مفادها أنه ليس ضوء الشمس والأمواج فقط هي التي تحلل البلاستيك. في اختبارات بالمعملشاهدوا برمائياتمن أنواع دورستيا جامريلوس Orchestia gammarellus -قشريات صغيرة شبيهة بالجمبريمعروفة في الساحل الأوروبي- كانت تلتهم الحقائب البلاستيكية؛ وجدوا أنه يمكنهم قطع حقيبة واحدة إلى 1.75 مليون جزء. هذه المخلوقات الصغيرة كانت تمضغ البلاستيك بسرعة خاصة، اكتشف فريق Thompson، أنه عندما تكون مغطاة بالمادة اللعابية الجزئية التي هي غذائه الطبيعي، يبصقوا أو يفرزوا قطع البلاستيك في النهاية مجددًا.

البلاستيك الجزئي وُجِد في كل مكان تم البحث فيه من الرواسب بأعمق أعماق البحر إلى الثلج العائم في القطب الشمالي – الذي بينما يذوب على مدار العقد القادم على حسب تقدير معين، سيُخرج أكثر من حوالي ترليون قطعة من البلاستيك إلى المياه. على بعض الشواطئفي الجزيرة الكبيرة بهاواي، حوالي15% من الرمال عبارة عن جزيئات البلاستيك.

شاطئ كاميللوبوينت الذي مشيت عليه، يحصل على البلاستيك من غلاف شمال المحيط الهادي، حيث أكثر التيارات الملتفة قذارة من الخمسة تيارات اللاتي تنقل القاذورات حول أحواض المحيطات ويركزوهم في بقاع محددة.

فشاطئ كاميللو بوينت مليء بصناديق الملابس البلاستيكية، الزجاجات، والحاويات بعلامات تجارية من الصين واليابان وكوريا، كما باللغة الإنجليزية والروسية أحيانًا.

وعلى جزيرة هندرسون وهي جزيرة مرجانية غير مأهولة بالسكان وجد الباحثون كميات مذهلة من البلاستيك من جنوب أمريكا، آسيا، نيوزيلاندا، روسيا وإلى الآن اسكتلندا أيضًا.

بينما تحدثنا أنا و Thompsonعن هذا، بخلفية الصوت الخفيف الصادر عن دولفين القارب النهاري الذي كان يحملنا، خارج بلايموث ألقى Thompson شبكة صيد من شباك الجرّ تسمى مانتا تستخدم لصيد العوالق. كنا بالقرب من البقعة التي من سنوات فائتة جمع منها باحثون آخرون 405 سمكة من ستون فصيلة وأعطوها لـ Thompson، الذي بدوره قام بتشريح هذا السمك وتفاجأ لوجود البلاستيك في أمعاء أكثر من ثل عددهم. هذا الاكتشاف تصدّر العناوين الدولية الرئيسية.

بعدما أبحرنا لبعض الوقت، أخرج Thompson شبكة صيد المانتا وكان يوجد بالقاع قصاصات بلاستيكية سطحية، لم يكن Thompsonنفسه يقلق من وجود البلاستيك الجزيئي في السمك والرقائق التي يأكلها – هناك قليل من الدلائل أن هذه الأشياء تمر من معدة السمك إلى اللحم الذي نأكله.

نحن نعلم أن البلاستيك ضار بالحياة البحرية؛ وماذا بشأننا نحن البشر؟“.

إنه يقلق أكثر من الأشياء التي لا يمكن لأي منا أن يراها- الكيميائيات التي توضع في البلاستيك لتمنحه صفات مرغوب فيها مثل القابلية للتطويع.

وفي النانو بلاستيك الذي يتحول إليه البلاستيك الجزيئي. فهذه الأشياء تمر خلال لحم السمك إلى النسيج الإنساني.

إننا نعلم أن تركيز الكيماويات في مرحلة الصناعة في بعض الأحيان عادة ما يكون كثيرًا؛يقولThompsonولا نعلم كم من هذه الصفات يبقى عندما تصبح السمكة في حجم الأكل.

لم يجد أحد حتى الآن جزيئات النانو في البيئة، لأنهم تحت مستوى التحليل بالنسبة لأي أدوات. يظن الناس أنهم موجودين ولهم القابلية أن يعزلوا داخل النسيج، وهذا إذا أثبِت سيغير اللعبة تمامًا.

plastic-waste-single-use-worldwide-consumption-9.adapt.1900.1

حذّر Thompsonمن ألا يسبق العلم لاكتشاف بخصوص هذا الموضوع، رغم أنه ليس منبهًا لخطر دون داع، ولكنه أيضًا مقتنع أن نفايات البلاستيك في المحيط مشكلة أبعد ما تكون عن الجمالية. أنا لا أظن أننا يجب أن ننتظر لاكتشاف رئيسي بخصوص خطورة أكل السمك من عدمها وتابع إننا نملك ما يكفي من الأدلة لنتصرف“.

كيف وصلنا إلى هنا؟ متى أظهرت معجزة البلاستيك جانبها المظلم؟ هذا سؤال يمكن طرحه عن العديد من عجائب التكنولوجيا في عالمنا. منذ أن ساعدنا الحلفاء لينتصروا الحرب العالمية الثانية- فكروا في الباراشوت المصنوع من النايلون أو أجزاء الطيران خفيفة الوزن- لقد غيّر البلاستيك حياتنا كلها. مثلما فعلت بعض الاختراعات الأخرى، تغير للأفضل على الأغلب. فلقد سهل السفر للفضاء وأحدث ثورة في الأدوية والعقاقير الطبية.إنه خفف كل سيارة ضخمة وطائرة، وبالتالي ساهم في تقليل الوقود والتلوث، وحتى أوراق البلاستيك الرقيقة والخفيفة كالهواء التي تحفظ الأغذية طازجة. في الوسادات الهوائية، الحاضنات، الخوذات، أو ببساطة عن طريق توفير مياه الشرب إلى الناس الفقراء في هذه الزجاجات التي لا يمكن إعادة استعمالها، ينقذ البلاستيك حيوات يوميًا. وفي إحدى استخداماته الأولية أنقذ الحياة البريّة؛ ففي منتصف 1800، مفاتيح البيانو، كرات البلياردو، الأمشاط وكل أنواع الحُليّ الرخيصة كانت تُصنع من مواد حيوانية نادرة كعاج الأفيال، ومع الخطورة على عدد الأفيال وندرة وارتفاع سعر العاج؛ عرضت شركة بلياردو في نيويورك 10.000 دولار كجائزة لمن يأتي بالبديل. وكما تحكيSusan Freinkel القصة في كتابها: البلاستيك: قصة حب مسممة، أن مخترع هاوي اسمه JohnWesley Hyatt قبِل التحدي ومادته الجديدة السيليوليد، كانت مصنوعة من السلولوز المركب الكيميائي الموجود بكل النباتات. تفاخرت شركة Hyatt بأنهم سيمحون الحاجة إلى نهب الأرض للسعي وراء مواد تزيد ندرتها باستمرار. وبجانب إعفاء بعض الأفيال، ساعد السيليوليد في تغيير البلياردو نفسها من وسيلة للأرستقراطيين لتمضية الوقت، إلى وسيلة يستخدمها العمال في البارات.

plastic-waste-single-use-worldwide-consumption-29.ngsversion.1525193353208.adapt.1190.1

هذا مجرد مثال عادي للثورة العميقة التي قادها البلاستيك-عصر وفرة المواد. تسارعت هذه الثورة في أوائل القرن العشرين، بمجرد ما بدأت صناعة البلاستيك من الطاقة الغزيرة الرخيصة: البترول. كانت شركات الزيوت تملك العديد من الغازات المهدورة التي تخرج من مصافيهم، اكتشف الكيميائيون أنهم يستطيعون استخدام هذه الغازات كـ مونمرز جزيئات تتحد لتشكل البوليمر، ليصنعوا كل أشكال البوليمر -بولي ايثلين تيرفثالات- على سبيل المثال أو PETبدلاً من استخدام البوليمرز الموجودة في الطبيعة فقط. ليتفتح عالم من الإمكانيات، أي شيء وكل شيء كان يمكن صناعته من البلاستيك وهذا هو ما حدث، لأن البلاستيك كان رخيصًا، لدرجة أننا بدأنا في تصنيع أشياء لا ننوي حتى أن نحتفظ بها. في 1955 بمجلة “لايف” الأمريكية احتفلوا بتحرير سيدات البيوت الأمريكيات من العمل الشاق، وتحت عنوان فلنرمي المعيشة بعيدًا، كانت صورة عائلة ترمي أطباق وأكواب وأدوات المائدة في الهواء. ستستغرق هذه الأشياء أرعون ساعة من التنظيف، ولكن الصورة كان بها تعليق –“ما عدا أن ربات البيوت لن يهتموا بهذا بعد الآن”. متى بدأ البلاستيك في إظهار جانبه المظلم؟ يمكنك أن تقول في اللحظة التي ارتطمت فيها تلك النفايات بالأرض. بعدها بستة عقود، حوالي 40% من أكثر من 448 مليون طن من البلاستيك الذي يصنع يوميًا، يمكن التخلص منه، أغلبه يستخدم في التعبئة وبعدما تتم عمليات الشراء يتم التخلص منه. زاد الإنتاج بسرعة تفوق الخيال لدرجة أنه عمليًا نصف البلاستيك الذي صُنِع كله تمت صناعته في ال 15 عام الفائتة. العام الماضي شركة كوكاكولا، ربما أكبر شركة تُصنِع الزجاجات البلاستيكية، اعترفت لأول مرة بالكم المذهل الذي تُصنعه: 128 بليون في السنة، نستله، بيبسي كولا، وآخرون يطلقون تيارًا جارفًا من المنتجات البلاستيكية.نمو إنتاج البلاستيك مؤخرًا قد نزع القدرة من إدارة المخلفات على المجاراة:

هذا هو السبب الذي جعل المحيط تحت الهجوم”. “إنه ليس من المفاجئ أننا دمرنا النظام تقول Jambeck هذا النوع من الزيادة سيدمر أي نظام ليس مستعدًا له.

في 2013 أطلق مجموعة من العلماء تقييم جديد لفكرة التخلص من المعيشة، وكتبوا في مجلة Nature أن البلاستيك الذي يستعمل لمرة واحدة فقط، لا يجب أن يُصنف كصديق لربات البيوت، بل كمادة خطيرة.

في السنوات الأخيرة، الاندفاع في الإنتاج أصبح مدفوعًا بشكل كبير باستخدام البلاستيك الذي يستعمل لمرة واحدة في التغليف بالاقتصاد المتزايد لآسيا– حيث نظام جمع المخلفات ربما يكون غير متطورًا أو غير موجود.

في 2010 طبقًا لتقديرات Jambeck، نصف مخلفات العالم من البلاستيك الغير مدارة جيدًا تأتي من خمس بلاد آسيوية فقط: الصين، إندونيسيا، الفلبين، فيتنام،وسيريلانكا.

فلنفترض أنك تعيد التدوير بنسبة 100% في كل شمال أوروبا وأمريكا، يقول Ramani Narayan بروفيسور في الهندسة الكيميائية بجامعة ولاية ميتشجانكما يعمل أيضًا بوطنه الأم الهند، ما زلت لن تتسبب حتى في انبعاج نسبة البلاستيك التي تطلق إلى المحيط. إذا كنت تريد أن تفعل شيئًا بخصوص هذا الأمر، يجب أن تذهب هناك إلى هذه البلاد، وتتعامل مع سوء إدارة المخلفات“.

نهر الـباسيج يتدفق بمهابة عبر مانيلا عاصمة الفلبين، ويصب في خليج مانيلا. كان ممرًا مائيًا أثريًا ونقطة فخر ميدانية، والآن هو ضمن قائمة أكثر عشرة أنهار تصب البلاستيك إلى البحر. حوالي 72.000 كنًا كل عام، أغلبه خلال الرياح الموسمية. في 1990 أعلِن رسميًا أن الباسيج قد مات بيولوجيًا.

وبعدها في 1999 تم تأسيس لجنة إعادة تأهيل نهر الباسيج، يعملون معًا لتنظيف النهر مع بعض علامات النجاح. يقول Jose Antonio Goitia الرئيس التنفيذي للجنة أنه متفائل بخصوص إمكانية إعادة الباسيج للحياة يومًا ما، مع أنه يعترف أنه لا يملك أية طريقة سهلة لتحقيق هذا. يقول: “ربما أفضل شيء نفعله هو منع الحقائب البلاستيكية“.

باقي التحديات واضحة يوميًا، يتم تغذية النهر بواحد وخمسون رافد مائي، بعدهم يفيض بالنفايات البلاستيكية التي تأتي من ساكني المستوطنات التي تنتأ بشكل مؤقت على فروع الروافد2وهناك رافد قريب من تشياناتاون حيث الأكواخ المتداعية تحشر بين المباني العصرية وتختنق بأطلال من البلاستيك لدرجة أنك تستطيع أن تسير عليهم متخليًا عن الممشى الرئيسي.

أما شواطئ خلجان مانيلا التي كانت يومًا مناطق استجمام مؤجلة لسكان العاصمة الثلاثة عشر مليونًا، فهي اليوم غارقة في النفايات والتي أغلبها من البلاستيك.

في الخريف الماضي قامت Break Free From Plastic وهي عبارة عن تحالف مكون من مجموعة السلام الأخضر وآخرين نظفوا شاطئ على جزيرة فريدم والتي يعلن عنها كمنطقة اقتصادية؛ جمع المتطوعون 54.260 قطعة من البلاستيك، بداية من الأحذية وحتى حافظات الطعام. في الوقت الذي ذهبت فيه بعدها مجددًا للشاطئ كان قد امتلأ بالزجاجات والأغلفة وحقائب التسوق.

المشهد في مانيلا عادة ما يكون مراكز ميدانية مكتظة، الفلبين عدد سكانها حوالي 105 مليون شخص والذين ما زالوا يعانون مع أكثر المشاكل الصحية المعروفة، ومنها الأمراض بسبب تلوث الماء مثل التيفويد والإسهال البكتيري. إنها ليست مفاجأة أنهم لا يستطيعون التحكم في انفجار نفايات البلاستيك. فمانيلا تملك نظامًا لجمع النفايات يمتد عبر 17 حكومة محلية منفصلة- مصدرًا للفوضى وعدم الكفاءة-.

في 2004 كانت المنطقة فرغت من الأراضي لرمي النفايات بأمان، العجز في الأرض وهذه الكارثة لا زالتا قائمتين حتى اليوم.

جزء صغير من هذا التراخي بسبب صناعة إعادة التدوير الغير رسمية بمانيلا، والمكونة الآن من جامعي النفايات. Armando Siena في الرابعة والثلاثين أحدهم وزوجته Angie في الواحد والثلاثون، عاشوا أغلب حياتهم محاطين بالقمامة، حيث ولدوا على جبل سموكي، وهو مكبّ دولي للنفايات سيء السمعة تم غلقه رسميًا عام 1990. ويعيشون الآن مع أولادهم الثلاثة بالقرب من واجهة مانيلا المائية في شقة من غرفة واحدة، تُنار بمصباح واحد ومؤثثة ببعض الكراسي البلاستيكية، وليس بها سمكرة أو أفرشة أو تبريد. الشقة في حي بائس وفقير مليء بالنفايات يسمى أروما بجانب مكان آخر اسمه هابيلاند، كل يوم يقود Sienaدراجته بعد حدود أروما متجولاً في الشوارع باحثًا عن أي قمامة يعاد تصنيعها ليضعها في سيارته المسحوبة.

حاملات الحساء البلاستيكية من الاكتشافات القيّمة جدا التي يبحث عنها، ثمنها 20 بيزوس أي حوالي 38 سنت للكيلو. يرتبها Siena ويبيعها في محل عمه للخردة والذي يحمل النفايات إلى مصانع إعادة تدوير في ضواحي مانيلا.

جامعي القمامة مثل Siena هم جزء من الحل: يجادل بعض الناشطين بأنهم بحاجة لراتب معيشة فقط. في الحي الفقير لواجهة باسكو المائية بمانيلا، يوجد محل إعادة تدوير صغير، يدار بواسطة Plastic Bankof Vancouver, British Columbia يدفع هذا المحل مكافأة لجامعي القمامة الذين يأتون بزجاجات البلاستيك القوي، وبعدها يبيعون هذا البلاستيك بسعر أعلى للشركات متعددة الجنسيات، التي تسوق لمنتجاتها المعاد تصنيعها على أنها مسئولة مجتمعيا.

Siegler الاقتصادي بفيرمونت عمل في بلاد كافية وأجرى حسابات كافية تجعله متشككًا بما يكفي من هذه المخططات: “لا توجد قيمة كافية للبلاستيك لتجعل هذه الخطة تعمل، يقول: إنه لمن الأرخص أن تموّل منظومة ثابتة لإدارة المخلفات بدلاً من تقديم العون المادي لجامعي القمامة والتي تسد مناطق مانيلا وشواطئها، بما يدعم وجهة نظر Siegler، حيث أن أغلبها مكون من الأكياس التي نقطعها من حول الرزم التي تحتوي على الشامبو، القهوة، معجون الأسنان، التوابل، أو أي منتجات أخرى. إنهم يباعوا بالملايين لفقراء مثل Siena وعائلته، الذين لا يستطيعون تحمل أكثر من خدمة واحدة. تطير هذه الأكياس حول مانيلا كالورقة حول الشجرة، ويعاد تصنيعها لذا لن يجمعهم أي أحد.

Crispian Lao عضو في لجنة المخلفات الصلبة الدولية يقول: “هذه القطع الصغيرة للتغليف تزيد، وقد أصبحت حقًا تحديًا كبيرًا لإدارة المخلفات“.

عندما نظفت منظمة السلام الأخضر شاطئ فريدم عرضت سجل بأسماء الشركات التي جمع المتطوعون أكياسهم، نستله جاءت في البداية وبعدها يونيليفر. ومن يلقون بالقاذورات في الأماكن العامة ليسوا الوحيدين المذنبين تقول Abigail Aguilar عضو منظمة السلام الأخضر: إننا نظن أن من يصنعون ويروجون للبلاستيك ذي الاستخدام الواحد لهم دور كبير وهم أساس المشكلة كلها“.

وقالت لي متحدثة رسمية من يونيليفر، أنهم يطورون أكياس يعاد تدويرها.

بعدما اختفت طائرة ماليزيا 370 من على شاشات الرادار في مارس 2014، وهي في طريقها من كوالالمبور إلى بكين، امتد البحث عنها من إندونيسيا إلى المحيط الهندي الشمالي، وقد جذبت المشاهدين من حول العالم.

لم تظهر أي علامة للحطام، وفي العديد من المرات عندما صور الستالايت مجموعة أشياء عائمة على سطح الماء، ارتفعت الآمال ظنًا بأنهم قد يكونوا أجزاء الطائرة. لكنها لم تكن، لقد كانت كلها قمامة-أجزاء من حاويات سفن محطمة، أدوات صيد مهملة، وبالتأكيد أكياس التسوق البلاستيكية-.

plastic-waste-single-use-worldwide-consumption-22.adapt.676.1

Kathleen Dohan عالمة ورئيسة أبحاث الأرض والفضاء في سياتل، رأت فرصة في هذا الرعب: الصور القادمة من الفضاء كانت تدفع بمشكلة إلى السطح، مشكلة كنا قد تجاهلناها كثيرًا. هذه أول مرة شاهد العالم كلهقالت لي وقتها: إنه وقت مناسب ليبدأ الناس في فهم أن محيطاتنا مكب نفايات“.

استشعرت Dohan نقطة لصالحهم في التوعية العامة- والأحداث التي توالت منذ حينها تؤيد كونها على حق- فأكثر شيء مشجع بخصوص مشكلة مخلفات البلاستيك هو انفجار الاهتمام بها مؤخرًا، أو حتى المجهودات الجدية ولكن المتفرقة لحلها.  وتتضمن اللائحة الغير كاملة للأخبار الجيدة منذ عام 2014 بلا ترتيب معين:

انضمت كينيا إلى عدد من الأمم الذين جربوا الحقائب البلاستيكية، فارضين غرامات باهظة لمنتهكي القوانين الجديدة. وقالت فرنسا أنها ستجرم الأكواب والأطباق البلاستيكية بحلول 2020. وتجريم الخرز البلاستيكي في صناعة أدوات التجميل بدأ في الحدوث هذا العام في الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، المملكة المتحدة، وأربعة بلاد أخرى. الصناعة نفسها بدأت في تجريمها. الشركات بدأت في التفاعل مع الرأي العام. فكوكاكولا التي تنتج مياه دساني، أعلنت عن هدف “تجميع وإعادة تدوير المساوي” 100% من صناعتها بحلول 2030. هم وشركات دولية أخرى مثل بيبسي، يونيليفر، أمكور قد وعدوا أن يحولوا 100% من تعبئتهم إلى مواد يعاد تدويرها أو يعاد استخدامها بحلول 2025 وجونسون أند جونسون سيحولون إنتاجهم من عصى تنظيف الأذن البلاستيكية إلى سيقان ورقية.

الأفراد يحدثون تغيير أيضًا، Ellen Mac Arthur، مالكة يخت بريطانية، قد أسست جمعية لترويج فكرة “الاقتصاد الدائري”، والذي يكون فيه كل المواد ومنهم البلاستيك مواد قابلة للتدوير وإعادة التصنيع وليست مواد للرمي.

والممثل Adrian Grenier قد أهدى اسمه إلى حملة ضد ماصة الشرب البلاستيكية. أما Boyan Slat الهولندي الذي يبلغ 23 عامًا، ما زال مستمرًا في تنفيذ وعده منذ أن كان مراهقًا بتنظيف أكبر بقعة قمامة في الهادي الشمالي، وقد جمعت مؤسسته أكثر من 30 مليون دولار لتصميم آلة تنظف المحيط، ولا تزال تحت التطوير.

كل هذه الإجراءات تساعد في مرحلة معينة- حتى منظفي الشواطئ- على قدر ما يبدو هذا في بعض الأحيان عقيمًا وبلا طائل.

فأحد منظفي الشواطئ Richard Thompson قد تعلّق بهذه المشكلة منذ ربع قرن. لكن الحل الحقيقي، كما يفكر الآن، هو إيقاف البلاستيك كمن دخول المحيط في المقام الأول- وبعدها نبدأ في إعادة تفكيرنا كله تجاه هذه الأشياء المدهشة. لقد عملنا كثيرًا لنتأكد من أن البلاستيك يقوم بمهامه، ولكن قليل من هذا العمل ركز على ما يحدث لهذا المنتج عندما تنتهي دورة حياته يقول أنا لا أقول أن البلاستيك هو العدو، ولكن هناك الكثير الذي بوسع الصناعة فعله للمساعدة في حل المشكلة“.

هناك طريقتان أساسيتان يمكن للصناعة المساعدة بهما، سواء بمحض اختيارها أو إجبارًا.

أولا، مع وجود علماء مثل Jenna Jambeck يمكنهم أن يصنعوا الآن بلاستيك قابل للتحلل أو التدوير بشكل أفضل. مواد جديدة أو إعادة تدوير أكثر، بالإضافة إلى عدم استخدام هذه الأشياء إلا عند الحاجة الضرورية، هذه هي الحلول طويلة الأمد لمشكلة مخلفات البلاستيك. ولكن أقصر طريقة لإحداث تغيير كبير، يقول هي باستخدام أقل التكنولوجيات. شاحنات أكثر لنقل القمامة، ومواقع لدفن النفايات.الكل يريد حل مثير يقول الواقع هو أننا بحاجة إلى جمع القمامة فقط“.أغلب البلاد التي أعمل بها لا يمكنك حتى جمع القمامة من شوارعها. إننا بحاجة إلى عربات جمع القمامة لتأسيس حقيقة أن هذه المخلفات يجب جمعها على فترات منتظمة ودفنها، إعادة تدويرها، أو حتى حرقها. حتى لا ينتهي بها المطاف منتشرة في كل مكان“.

أما الطريقة الثانية التي تستطيع الصناعة المساعدة بها هي: اقترح Siegler ضرائب عالمية قيمتها قرش على كل رطل من البلاستيك يتم تجميعه. هذه الضريبة ستجمع حوالي 6 بليون دولار سنويًا والتي يمكن استخدامها لتمويل نظام جمع القمامة في الأمم المتطورة.

الفكرة لم تنتشر أبدًا. ومع ذلك في خريف 2017 مجموعة من العلماء أحيوا فكرة التمويل العالمي وطالبت المجموعة باتفاق دولي بعد اتفاق باريس للمناخ.

في الاجتماع بنيروبي، ديسمبر، 193 دولة منهم الولايات المتحدة الأمريكية خطوة خطوة، فاتفاق الأمم المتحدة لتنظيف البحار لا يفرض ضرائب على البلاستيك. إنه غير ملزم وغير فاعل، في الحقيقة هو مجرد إعلان عن حسن النوايا-نية إنهاء تلوث المحيطات. وهو بهذه الطريقة لا يشبه اتفاق باريس ويشبه أكثر معاهدة ريوديجانيرو التي وعد فيها العالم بمحاربة التغيرات المناخية الخطيرة- في 1992.

وزير البيئة بالنرويج Vidar Helgesen وصف هذا الاتفاق الجديد بأنه خطوة أولى قوية.

___________

* عدد يونيو من مجلة ناشيونال جيوجرافيك العلمية تم تخصيصه لدعم الحملة العالمية لتقليص استعمال البلاستيك في العالم.

1 اسم السفينة التي حملت رحلة المهاجرين الأوائل من إنجلترا إلى أمريكا الشمالية.

2 أطلقت عليهم الكاتبة اسم مُستحلّي المستوطنات، ووصفها لهم وكأن مستوطنتاهم ناتئة على روافد النهر تشبه العشوائيات.

عن سوزان عواد

mm
مترجمة من مصر