الرئيسية / احدث التدوينات / ابن عربي الأرضي

ابن عربي الأرضي

** FOR IMMEDIATE RELEASE ** The view of the sun setting over Mafia, the main island in the Tanzania's Mafia archipelalgo, seen from a sand bank that was exposed at low tide, allowing tourists to go there for picnic, a swim and strolling at sunset on Oct. 28, 2005. East African islands of Mafia and Lamu offer lucky visitors a chance to swim with dolphins, stay in a tree house on the coast and spectacular snorkeling and diving sites for those keen to see the colorful tropical fish up close. The islands were at the heart of the Swahili culture which spawned Africa's most widely spoken single local language, Kiswahili. (AP Photo/Rodrique Ngowi)

ذاتية:

متى كانت آخر مرة أسكتَ فيها صوت طمعك أو خوفك وأطلقت صوت عقلك فارتدت عنك الأنا والرغبة فاكتملت إنساناً؟! هل تعُد نفسك موجودًا فقط لأنك تترك ذاتك توجه عقلك؟! دُلني إذن على أثر وجودك؟! هل حقا أطلقت عقلك أم نصبت من فوقه رغبتك طمعًا و خوفًا؟! ظُلمَ العقل في حروب الذات والبقاء فاعتقدنا أننا نحيا حقبة العقل، حيث كل شيء محسوب! نعم كل شيء محسوب، ولكن لحساب رغباتنا!

ما أبعد البشر عن البساطة! كائناتٌ منذ بدء الخليقةِ قررت ألا تكونَ بسيطة. لَفَظَ البشرُ البساطةَ “مُتصدينَ” للأمانةِ راغبينَ في الخلافة ظالمي أنفسهُم جهلًا بأنفسِهِم وبالكونِ اندفاعًا وراء تصويراتِ مُخيلةِ مرآةٍ انطفأتْ وانصياعًا لهمسِ رغبات استَعلَنتْ. فما الأمانة إلا الصوت الذي يخالفُ هواك فتمتثل، ويقضُ مضجعك فتنهض مطيعًا، ويُزلزلُ كيانك مُحطمًا لأصنام أفكارك فتمْحُها من ذهنكَ نجيبًا؛ فيُغادرك الهوى وتُزايلك الخُيلاء فتُستعَمَل دونما شعورٍ منك بالاستعمالِ يستوجبُ الاستعلان بل رغبةً نقيةً في العطاء خلوا من المن حُنُوَّا وإشفاقًا والتماسًا للأعذار حين الإعراضِ دون احتقار. إن هكذا أتتكَ فلبِها، وإن تصديت لها مدفوعًا بأمر الرغبات والغرائز طمعًا في صورة زهد فليُعنك اللهُ على فتن التصدي. فما أن تخشى العالم كمستقيمٍ خائف يشتهي الدنيا ولا تسعفه القدرة أو الطبقة حتى تبدأ في تأسيس بنيان من التصوراتِ مرسومُ النهاياتِ عظيمُ الجائزةِ مضمونُ الختامِ خلافة وتربعٍ على عرش القلوب نشرًا “لقيم” تجربتك المُتصدية ومحوًا لما يشابهها من أخطاءٍ شابتها، أو بالأحرى آلامٍ عانَتها ومخاوفٍ اكتنفتها ما هي إلا عراقيل اشرئبابكَ خارج محيط ظروفك وسباحتكَ عكس تيار الأحداث وصولا إلى نقطة مرسومة سلفا! لو علمته لم يكن هو.

مثاليٌ أو مادي؛ كيف عززت المادة أو الخيال خلافتكما؟! هل وصلتما فقنعتما فانتهيتما عن الإبحار في الخيال أو الإيغال في التيه؟! لماذا لم تنتبها إلى حكمة اختلاف تكوينكما النفسي فتتكاملا فتثريا؟! أنتشيتما بوسواس الأنا الذي صوركما في عينيكما مركزًا فحجب كل منكما الآخر تقليلًا وتحقيرًا؟! أو جعل منه كائنًا أدنى مرتبة وأقل فهما لا يجوز إلا أن يوجد بشكل ثانوي فتوجستما فنبذتما بعضكما ولم ترتضيا اقترانًا إلا بمن هو على شاكلتيكما الذي يُلبي آلاف التصورات المكذوبة المخزونة المُتوقعة الحدوث مُغذية الوهم ورافضة الآخر المختلف عنك!

 

يقين مُستدعَى:

لماذا تستغفرني بعد كل ذنب؟ وفيم هيمانك بي؟! تترقى فأتجلى؟! وماذا أنت فاعل بمعرفتي؟! ألم تجتهد لتعلم ما الشجرة؟! ورغم أني حجبت العلم بها لم تبد اهتماما بأسباب الأمر بالانتهاء عنها؟! لا تروم حكمتي إذن بقدر ما تطلب الاستئثار بعلم عني! لِمَ لم تحارب وتنتهِ عن كل ما يُبدِ سوءة أخيك لك؟! ألم تطلب العلم تعاليا لا إصلاحا وتصالحا؟! وحين تُرديك المعصية أو الشهوة ألا تطلب المغفرة استعادة لأفضليةً لنفسك تتوهمها؟! أاستغفارك إقراراً بعبوديتك، أم ندمًا على تهاويك من علياءك؟! أتعبدني إقرارًا بألوهيتي وعبوديتك أم تعبدني طمعًا في خلافتي؟! أتعبدني أم تعبد هوى لك تود لو رأيتني أتمثله؟! وحين يخذل تدبيري تفكيرك لم لا تقر بقصورك ولا تعترف بانحرافك؟! يسوؤك عدم العلم ولا يسؤك نكوصك عن حمل الأمانة التي أردت! هل أحققت الحق؟! أنزلت العدل؟! قاومت الجور والظلم؟! أزهقت الأباطيل المقننة؟! كيف يمكن أن تكون علمتني ولم يزدك الوقت إلا جهلا بي، وتثاقلا إلى الأرض، وتزكية لنفسك؟! كيف يمكن أن تكون على الطريق والشرور في ازدياد، والإنسان في امتهان، والبشر في عداء وابتعاد، والأخلاق لم تعد ثوابت، وبت من كل شئ في شك وتساؤل؟! لو علمتني حقا لما يئست من رحمتي، ولما اغتررت بطاعتي، ولأذعنت لأمري وآمنت بغيبي وقدري خيره وشره، ولما تأسيت على ما فات ولا فرحت بما أوتيت وبه عني احتجبت.

                                                        ***

أحسنت إلىَّ فطمحت وطمعت أن أعلمك، فخُذلت. لم أعد ولا أظنني سوف أعود إلى التساؤل عن ماهيتك. أحسنت إلىَّ فأردت أن أبصر بما لم يبصروا به وأقبض على اليقين فلا أعود للحيرة أخرى؛ فتنتهي آلامي وتتوكد إجاباتي وأنطلق في الدنيا عالما بمهمتي وسبب وجودي فيكتمل وجودي وتتأكد خلافتي. استشعرت اليقين لحظة وتسلل إلى قلبي السلام وعمني سكون نادر سلمت على إثره أمري وانتظرت الأمر بالبدء/العلامة/الإشارة التي لها وبها يكون انطلاقي. ولكن لا شيء حدث أو يحدث رغم تكرار الشعور وانصباب السكون وعموم السلام.

كدتُ أغمر نفسي بالمزيد من أفيون الشعور أستجلب به مزيدًا من الغيبة السالمة والتكليف الواضح الذي أعزي به نفسي حين أتهم نفسي ويتهمني الجميع بالتخاذل والتقهقر. ورغم وصولي لإدراكات مهمة عن مسارات المادية والمثالية إلا أني ما إن أصل لحقيقة تتطلب لتحقيقها جهدي وتضعني على قدم المساواة مع من هم مثلي ومن هم مختلفون عني أملها وأعاود البحث كأن لم أصل عن يقين يقيني عناء البحث والحيرة والشقاء؛ فأنا ككل المثاليين تتخلل أرضيتي وتعلقي بالأشياء سماء هي أنت أريد أن أكلل بها ملكوتي.

لكني لا أصل، وفي كل مرة تفارقني النشوة بعد أن تؤكدني! أيتلاعبُ عقلي بي ويستدعي يقينا أفتقده، ورغم علمي أنه سيغادرني ما إن يغادرني أستدعيه أخرى؟! لماذا لم يخطر لي قبلا أن ذلك السلام والإنعام هو نور هاد إلى طريق حركة أنضوي بها مع عباده تحته وأحقق بها مقاصده في الخلق؟!

ثم يهدني أخرى:  (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدً) الكهف 110

ها هو ذا يؤكد أرضيتي ويستوصني بالأرض خيرًا، وهاأنذا أنسلخ عن بنيان أوهامي، وها هي ذي تتجلى الحقيقة المتعبة ذات السعي اللانهائي ولحظات النشوى الروحية القليلة؛ الحقيقة التي ربما كان يتجنبها عقلي لا إراديًا ويصوغ بدلاً منها أخرى مريحة ومزخرفة؛ فالإفاقة فقرٌ وفاقة والغيبة كانت أحلى!

 

دين الحب:

قبل أن أحبك وددتُ لو حُزتك لما أثرت في وبه أسرتني. ولما علمت ما بي من رغبة تعلمها ولا أعلمها لم تُجب طلبي وأبقيتني في طور المناجاة راسخًا في حال الطلب بلا جواب مناجاة صادقة تنهمر لها دموعي علَّ كلماتها تستلفتني إلى سبب معاناتي؛ قبل أن أُحبُكَ وددتُ لو حُزتُك. قبل أن أشتعل بك اشتغلت بك، وعلمت في النهاية أني لو علمتك لم تكن أنت.

أنا لا شيء. يهصرني الألم فأتحفز؛ مدافعًا وأتشبث. أتجلى من جديد رافضًا الهصر وعابدًا القوة فأذوب في تيار عبادة ما أوقر. ما الإرادة؟! أهي الاستكانة إلى الوهم أم رفض التحليق فيه؟! وكيف تتسربل أفكاري/أوهامي/ دفاعاتي ضد الواقع الذي يستفززني إلى لا شيء يستنفرني؟! أحقيقة أنا؟ أم أنا إحدى تجلياتها؟ أم أنا لا شيء يطارد لا شيء؟ وكيف لا أكون نسيًا منسيًا؟ أيشغَلني الخلود؟ أم يُفزعني انهيار البديهيات تحت وطأة الرغبة؟ ما التساؤل إلا هروب من مسئولية الحركة، ولا تخلو حركة هروبية من فشل.

لم أتوقف يومًا عن البحث عن أجوبة للتساؤلات التالية: لم أنا هنا؟ ما هي مهمتي؟ ماذا أفعل كي أحققها؟ إلام/من انتمائي؟ حتام هروبي مما يستفززني؟ ماذا يعني الظهور المتقطع للتجلي ثم العودة إلى الواقع الصلد كألا صلة للتجلي به؟ ما العلاقة بين الأرض والسماء؟ إن كنا أرضيون فما معنى الروح الكامن فينا؟ وإن كنا سماويون فما معنى وجودنا هنا، ما معنى نزول الوحي توراة وإنجيلا وقرآنا؟ ولم اصطفى الله من عباده الصالحين للنبوة والرسالة؟ حاشاه أن يشقيهم برسالاته،  بالطبع أطلق رغبتهم في الإصلاح وسكب سماويتهم في الأرض التي امتلأت جورًا وفسادًا. هل كان شعورهم بالإنسان تفضلٌ سماوي على كائن أرضي أم استيعاب أرضي لنور سماوي؟ وإن كان الإنسان أرض وسماء فلم لم تكن حكمة المتصوفة بسيطة؟ هل كان الخطاب السماوي خطاب فردي وبالتالي كانت حكمة ابن عربي فردية خصوصا في تأكيده على سيره على النهج المحمدي؟! هل دخول ابن عربي من باب الحب يتسع لاستيعاب إمكانية دخول غيره من أبواب أخرى؟! هل يمكن إدراك الله بغير الحب بما يمثل من إنكار للذات وتحطيم للأنا وتعلق بالمعنى الذي يدركه القلب دون القوة التي يُوهم بها علم لا لدني أو قوة مُتجبرة؟! هل غالبت إحدى النزعتين-السماوية والأرضية- الأخرى فغلبتها؟ لماذا رغم تأكيدها على بشرية الإنسان لم تكن حكمة ابن عربي بسيطة؟

دلنا ابن عربي على الطريق بمقولات ليست مرموزة وإن كانت عسيرة الفهم على غير المُريد في الحب؛ أظن أنها كانت أقصي ما جادت به اللغة اختصارا لإدراك روحي. سار ابن عربي على النهج المحمدي فتجرد. أسلمته فطرة سليمة وعقل مركب إلى إدراك الله المجرد المُتعالِ عن الوصف فتأسس بنيان قلبٍ أسلم نفسه لتطواف لانهائي بمعانٍ غير معدودة بحثًا عن معنى مركب. أظن أننا نُخطئ حين نؤوِّل ابن عربي على أساس كونه صاحب فلسفة واحدة منذ البدء لم تمر بأطوار تطور. فصاحب الخلوة الطويلة واللقاء الأثير مع قاضي قضاة قرطبة أبو الوليد بن رشد لم تُعرَف عنه في زمن ذلك اللقاء الأيقوني فلسفة الحب خاصته وإن كان معروفًا حينها بما اشتُهر به من كشف وتجرد؛ ما قد يُحيلنا إلى كيفيته. ما أظن إلا أن براءة القلب وسلامة الطوية أسلمتاه إلى بحث لا غائي عن الحقيقة أسلمه إلى استسلام للإرث المحمدي بالغ التجرد والتسامح استيقنه فصعد به إلى آفاق إلهية لا يصل إليها إلا قليلون عبر تحطم القلب إثر انهيار التوقع “إن حال العبودية في عيني الشيخ الأكبر يسمو على جميع الأحوال الأخرى، إنه الحال التي يتوجب على كل مُريد أن يصبو إليه، إنه نهاية التحقق الروحاني نفسها، إذ إن العبودية تُشكل العودة إلى الأصل، إلى العدم أو الفناء الأنطولوجي للمخلوق. إن حالة الشخص الذي تحقق في العبودية، وتجرد من صفات الربوبية –التي لا تصح حقيقة إلا لله وحده، والتي يُطالب بها لنفسه الإنسان العادي بغطرسته وعجرفته– تُشبه بحسب ابن عربي حالة الحجارة التي تسقُط في المكان الذي تقذفها نحوه، إنه بحق “عبد الله[1]..

فما كان من الأرضي موقوت الوجود إلا أن بحث بغير وعي عمن يجسد ما وصل إليه من معانٍ نقية لانهائية. فكانت فلسفته في الحب انعكاسا لما جسده محبوب أرضي، وهو ما يفسر إجلاله للأنثى. وتُنبئنا قصة حب الشيخ المُعلنة لـ “”النظام بنت رستم الكيلاني” عن ما وجد من معنى قوي تجسد أخيرًا فرفرف به الشيخ طويلا. ويمكننا التدليل بباب “ما لا يُعوَّل عليه في الحب” في موسوعته الأشهر “الفتوحانت المكية” على ما وجد الشيخ من معانٍ نقية تبلور بها تجرده وتجسد بها بحثه وانطلق منها إلى الإنسان تقبلا وإلى الواقع إصلاحا سعيا لله. ويؤكد ذلك إقرار الشيخ بأرضيته عبر الاعتراف بمحدويته لو علمتَه لَمْ يَكُن هُو، وَلو جَهلَك لَمْ تكن أنت، فبعلمه أوجدَك، وبعجزك عبدتَه! فهو هو لِهُوَ: لا لَكَ. وأنت أنت: لأنت وَلَهُ! فأنت مرتبط به، ما هو مرتبط بك .الدائرةُ – مطلقةًمرتبطةٌ بالنقطة .النقطةُ – مطلقةً ليست مرتبطةً بالدائرة نقطةُ الدائرة مرتبطةٌ بالدائرة “.

إن كم المعلومات اللانهائي الذي يتكشف بعد كل انفلات عن جهل بفعل الكشف يُنبئنا بلانهائية الحُجُب التي تفصلنا عن العلم بمعناه اليقيني. وهو ما يقودنا إلى ندرة الكيف رغم غزارة الكم؛ وتلك حقيقة وجودنا الدائري حول الدائرة تدفعنا قوة الروح لأعلى ويشدنا لأسفل تجبر الغرائز وأنانية المشاعر وزمانية وجودنا على التأقيت. وهو ما يفسر دعاء ابن عربي ” اللهم ارزقني شهوة الحب، لا الحب.” فشهوة الحب هي المثير الروحي الذي أطلق عنان أفكاره عن الله والكون، وهي المثير الروحي الذي ربما لم يستسلم له وإن استلهم منه واندفع به إلى الله والحياة؛ إثارة دون استسلام، وسعي بلا قعود، وقريحة تجود، وخلود. كما يوجهني إلى ذات الاستنباط السابق وصف ابن عربي للفترة التي سبقت تحققه- الذي أميلُ إلى الاعتقاد أنه تحقق عبر تجسد معاني الخلوة في أنثى- ب ” في زمن جاهليتي”. وهو الزمن الذي عاصر وأعقب خلواته الطويلة التي خرج من إحداها للقاء أبو الوليد ابن رشد فوجهه إلى إدراك الحُجُب التي تقف حجر عثرة حاجبة العقل عن إدراك الروح. وهو اللقاء الذي هجر بعده ببضع سنين مفاتن إشبيلية وقرطبة تطوافًا ببعض الأقطار كالمغرب ومكة ومصر وغيرهم بذلا للأنا تحقيقا وقبضا على المعاني التي وجد في الخلوة. وهي الفترة التي شهدت لقاؤه وربما، وفقا لبعض المصادر، زواجه من “النظام بنت رستم الكيلاني”.

                                                   ***

            ولما استتب الأمرُ للحب علمت مخاطر القفز في البحر فاشتعلت بلا قيدٍ أو شرط.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] كلود عداس .ابن عربي، سيرته وفكره

عن إسلام علواني

mm
مترجم من مصر