الرئيسية / احدث التدوينات / الأبلس: حارس الحمام

الأبلس: حارس الحمام

Cm2hXik-dr-manhattan-wallpaper

إلى معاوية محمد نور .. لأن تيار الوعي يروع.

لقد مضت كل توقعاتي خائبة.

جرِّب أن ترجع إلى البيت متأخرًا بعد يوم أغبر، مرهق، أفرَزَت خلاله كل مسامة على جلدك نصف لتر من العرق. وأنت تشعر أنه يمكنك مقايضة وظيفتك مقابل حمام طويل بالليفة، وتقضي فيه صابونة حمام غالية نحبها. جرِّب أن تأتي البيت في تلك الحال ليقول لك حارس الحمام:

“عليك المجيء في وقت آخر، ربما في مقبل الأيام !”

ولأنه الحارس الذي جلبته بنفسك فستظن أن استعطافه ممكناً أو ربما هناك سبيل ما لإغرائه. لكن توسلاتك تتكسر على بلاط يديه المعقودتين على صدره ونظرته الجامدة.. لا سبيل لإثنائه. ستفكر طبعًا بفعل شيء بديل لاستخدام حمامك العزيز .. ربما تجلب وعاء ماء وصابونة غسيل الأواني المنزلية وتستخدم غرفتك .. لكن .. أحقًا تود ذلك؟ أعني .. يمكنك الانتظار أياماً قليلة إلى أن يسمح لك الحارس بالاستحمام، لتتمتع بالتجربة الكاملة للحمام، رائحة صابونه الزكية، ليفته الناعمة والفعالة، الماء البارد إن أردته بارداً، والدافئ إن شعرت بالبرد .. والمقعد المريح، والحوض الذي يمكنك إنفاق الليلة غارقًا فيه .. وأنت تعرف أن كل ذلك لا وجود له دون الحارس، فهل سترتكب حماقة الفعلة البديلة بعد كل هذا!!

أعرف في ماذا تفكر: صدقني لا عيب أن تخطر لك مثل هذه الفكرة رغم غبائها الفائح، لكنك تعلم أن الجيران لن يسمحوا لك باستخدام حماماتهم، ولو سمحوا فإن الحراس أنفسهم ما سمعنا بسابقة سمحوا فيها لغير أصحاب الحمامات باستخدامها.. فكرتك مزدوجة الاستحالة وأنت تعرف ذلك مسبقاً، لكني أقول هذا لأني أيضًا أعرف أن المرء في حالات اليأس يحتاج لمن يذكره باسمه أو أحياناً مكان بيته وطبعاً يحتاج المرء للتذكير بقصر عمره وأن مهمته الأكثر حساسية وإلحاحاً لهي صيد المتع.. الروحية والجسدية.. المادية والخيالية.. يحتاج المرء إلى التذكير؛ لذلك أخبرك بهذا.. الذكرى تنفع الناس. إذن أعرض عن الفكرة وألقِ بها في أبعد عمق محيط تطوله أو أسرع شهاب مبتعد عن الكوكب. لا فائدة فيها.

اذهب إلى سريرك الآن ودع القلق. سيكون كل شيء على ما يرام. لا ندري ما سيجلبه ضوء الصباح. إذن فتمدد لكن حافظ على أطرافك على مسافة كافية بين بعضها حتى لا تلتصق، أو تسبب لك الحكة.. وعلى ذكر ذلك، حاول ألا تستجيب لهذه الرغبة في الإنكراش.. أعرف أنها ملحة وعنيدة.. لكن تجاهلها .. يجب أن تثق في نصيحتي، فكلما استجبت وحككت عضواً غار آخر وتضاعفت رغبتك في الحك.. هنا.. هناك .. وتحت ذلك .. وبين ذينك.. وأسفل هذه وفوق تلك.. ليس لك سوى يدين وعشرة أصابع .. تظن أنها كافية، لكن ما تظن ليس صحيحًا .. ستحتاج إلى كل أيادي الحي، عليهم أن يفزعوك، هذا إن كانوا أنفسهم مستحمين.. ولا رغبة لهم في الحك (وبيني وبينك سمعت رجالاً خارجين من الصلاة يثرثرون ويتذمرون من حراس حماماتهم ويبدو أنهم فقدوا بعض رفاقهم الذين لم يحضروا الصلاة لأيام.. ربما لست وحدك!) ستحتاج إلى أياديهم جميعاً ولن يصمد جلدك بعدها، إنه أرقُّ من ذلك، وأنا أخاف عليك.. فأعرض عن هذا النداء يا مامدوت، لا تلق بنفسك إلى التهلكة إني لك من الناصحين.

لا يحتاج اليقظ للمنبه؛ أسكته.. لكن بروية ولا تعنِّفه .. أفهم ما تشعر به .. تمالك نفسك وضع المنبه برفق على مكانه فوق الدرج .. قم الآن إلى خزانة ملابسك واستخرج غياراً نظيفاً .. ضعه على كتفك و أمشِ كالعادة نحو الـ…ممممم .. نعم إمشِ نحو الحمام .. إنه الصباح بضوئه الذهبي المشرق الباعث على حب الحياة ونسماته الجديدة المنعشة.. كل شيء جديد الآن.. كل شيء مختلف من الأمس.. ألم أنبئك؟!.. فأسرع الخطى.. اسمع معي صوت خرير الماء وما يصدره من صدى عذب وطروب داخل تجويف الحمام الصغير .. هل فكرت من قبل في مساحة الحمام؟ ذينك المترين المربعين أوسع من كوكب المشتري .. تعرف ذلك الكوكب الذي يساوي مساحة الأرض إحدى عشرة مرة.. إن الحمام واسع بمتريه، أو ترى الآن.. ليست العبرة في المساحة والسعة .. إن العبرة فيما تظن أنه قادر عليه .. وماذا تظن أن تلك المساحة الصغيرة المغلقة قادرة عليه؟ نعم .. هذا صحيح تمامًا: إنها حرمانك الأبدي.. لا تقع في الخطأ مرة أخرى وتظن انك لم تستحم فقط من الأمس!! لا تخيب ظني في ذكائك، أنت لم تستحم منذ الأزل.. الأزل الأزيل الممتد والمغرق في قَبْليته.. تذكَّر هذا وقف بلطفٍ أمام الحارس.. بلطفٍ أكبر .. وارسم بعض وداعة الصغر على ذلك الوجه .. حسناً، فلنحاول الآن، مع ابتسامة تنير عتمة شمس الصباح.. هيا..

إنك تذكر جيدًا مطالع بعض الأغاني الجيدة. مثلا الأسترالية سيا تقول : “وهاهو ذا حبٌ آخر يهوي على وجهه” وهذه ليان لاهافس تناجيه: “لا توقظني. فأنا ابحث عنك، بينما أتجول، وأنت تختبئ بين أركان ذهني” يالها من مطالع جميلة لأغان  رائعة .. لكن أتدري ما الأروع؟ تلك الغرفة خلف هذا الرجل المتحجر القلب.. الذي لا تخدش قلبه تحسرات سيا ولا مناجات ليان لاهافس الخلابة.. إنه صنيعك المتمرد والعاق الذي تعجز عن إثنائه أو تقويمه.. الأعمى عن ابتسامتك .. يقف أمامك ولا يمل الوقوف كالصنم، ولا ينفع معه منطق ولا تنجع معه حيلة.. تسميه حارس الحمام لكنه الآن حاجب المتعة، والقابض على منبع الحياة المتحكم في صمامه .. فلترتدي ملابسك إذن، أنت رجل عملي ولا وقت لديك للبكاء على الماء المحجوب، ضع عليك الملابس واقصد عملك.. قد تشعر أن جلدك زاد سمكه عندما تضع الملابس الداخلية، لكن القميص والبنطال لن يلتصقا، فالقماش لا يلتصق عادة بالقماش .. فاخرج الآن واسعى لرزقك ..

**

كانت طبقات من الملفات قد تراكمت على درج مامدوت من الأمس، وعليه معالجتها كلها خلال اليوم. هذا ما لم يكن يتوقعه عند دخوله، وفور ما رأى درجه وقد تطاول إلى السقف حتى صرخ في زميلة كانت تمر بأمام مكتبه “منو الخت الحاجات دي هنا؟” ولم ينتبه إلا بعد أن فرغ من صرخته أن المرأة المندهشة أمامه هي رئيسة شعبة الموارد البشرية. ولحسن حظه أن السيدة كانت لا تزال تتأمل في منظره الرَّث وشعره المجعَّد وحزام الوسط المنفلت من مجراه بحلقتين، بالإضافة إلى أن الممر بأكمله تعطَّن برائحة عرق مامدوت التي وجدت طريقها إلى الهواء أثناء ثورة غضبه من رؤية الملفات، لدرجة أن موظفة الاستقبال أرادت عبور الممر إلا أنها قفلت راجعة بعد أن سدَّت أنفها بطرف طرحتها. لذلك ما زادت السيدة على أن هزَّت رأسها في تعبير عن الشفقة وفقدان الأمل في حالة مامدوت. أما هو فاستدار نحو طريق الخروج دون تحديد وجهة معينة. وخرج يضرب في طرقات السوق منشغلاً عن الموقف بزعيق مايكروفونات الباعة وضجيج المارة، كانت عيناه تستجيبان لنداءات لافتات المحال فيقرأها واحدة تلو الأخرى، إلى أن قرأ (حمامات عامة) وشعر فوراً برعشةٍ نشَّطت كل خلية عصبية في جسده. لم يلتفت بعدها لأي شيء وانحشر في مجمع الحمامات. عندما خرج وضرب الهواء مساماته وقف لدقائق مغمضاً عينيه.

***

لنعُد الآن إلى المكتب. لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد حتى لا يصبح عمل الأمس واليوم ثم بقية حياتك. ها نحن ذا .. في قمة إنتاجيتنا ..

إبدأ بالملفات المحتاجة للمراجعة .. مبالغ الرواتب صحيحة .. تواقيع الاعتماد صحيحة .. وتم إيداع المرتبات في البنك .. تم مراجعة خمسة وعشرين ملفاً ..

الآن لنخرج، ولنتأمل حال الناس مع الأجواء الساخنة، صفوف الوقود والرغيف، وما إلى ذلك .. يا لهم من تعساء!

أدخل المفتاح في مجراه على الباب .. اسمع هذا الصوت اللذيذ لدخول المفتاح.  اقفله ببطء .. والآن مباشرة نحو السرير الوثير .. لا تتلفَّت .. أنت موعود بنومة طويلة وعميقة .. لحظة .. من الذي ينادي؟

  • لا أحد. إنه أنا يا سيدي.

  • قل ما لديك بسرعة يا حارس الحمام، فأنا لا أكاد أطيق شوقي للسرير..

فهم حارس الحمام كل شيء من النبرة التي تحدث بها مامدوت. لكن كبرياؤه منعه حتى من مجرد التلميح بجاهزية الحمام، وأنه أيضاً لا يطيق شوقه حتى يستخدمه مامدوت. وسكت. سكت حتى اندلق الماء من السخَّان وغاصت الصابونة الغالية ذكية الرائحة في المصرف ..

  • أوكي .. لا يبدو أن لديك ما تقوله.

وانصرف مامدوت.

عن يس المك

mm
قاص ومترجم من السودان