الرئيسية / احدث التدوينات / الأعمال الكاملة للموتى

الأعمال الكاملة للموتى

 

kundera

بقلم: محمد سالم مهدي

أحاول منذ فترة ليست بالقصيرة، أن أتتبع الأعمال الكاملة لعدد من الكتاب..هذه الأعمال التي أستطيع من خلالها أن أنظر للتجربة الكلية لحياة كاتب ما.

و الحقيقة أن تجميع هذه الأعمال في مجلد واحد يعد أمراً فلسفياً بامتياز، إذ يستطيع الباحث أن يتعرف على الروح الإبداعية و كيفية التعامل مع الخبرة النظرية و اليومية/الحياتية، بالنسبة لذلك المبدع المبحوث عنه.

فإنني حينما أقرأ تلك الأعمال، أقوم بعملية هدم لبناء ذلك الكاتب مما يمكنني من رؤية نفسي ككاتب مبتدئ في حضرة هؤلاء الكتاب الذين اكتملت أعمالهم و لا يمكن الإضافة لها أو الحذف منها، فهي ثمرة مكتملة على أية حال، إذا أعجبت الناس أم لا.

و هذه الثمرة الإبداعية/المُلخَّص، تعني بالنسبة للكتاب الجدد الكثير، حيث يمكن ببساطة أن تنظر في أي حدائق نبتت هذه الثمرة، ومن أي سماء و شمس و هواء غذَّت نفسها، و هنا يلوح لنا تعدد المصادر، ما يمكن تسميته بالسطو المُسلح المسالم..ذلك السطو الإبداعي الذي يمارسه الكاتب في مجمل أعماله، فهو يغذي إبداعه من القراءات و تنوعها، و من محاولة الحصول على خطة/مشروع يقترب من روحه أو يشبهها.

ففي مرات كثيرة عندما أقرأ جملة أو نص فلسفي لكاتب روائي، أقصد بالنص الفلسفي تلك العبارات النبوئية المُتسائلة، والتي تعرف أي دور يمكن أن تؤديه داخل النص السردي بوصفها وحدة كاملة داخل نص كامل.

حينما أقرأ تلك العبارات أقول لنفسي هذه رؤيتي..هذا ما كان عليَّ قوله حتى إذا لم أقرأه هاهنا.

و هكذا، فإن قراءة الأعمال الكاملة تُمثل أمرًا بشعًا بالنسبة للقارئ و ذلك في ذات وقت تمثيلها لروح الكمال..تلك الروح التي تولِّد الأسئلة و طرائق الأسئلة و كيفية الإيصال والاتصال بالعالم.

و هذا يظهر أكثر على المستوى الروائي و القصصي، أكثر من ظهوره في الأعمال الشعرية الكاملة أو الفلسفية أو أي كتابة أخرى، فما يميز الرواية أنها (علماً مرحاً)*.

منذ ستة أشهر، كنت أقرأ الأعمال الكاملة ل(أنطون تشيخوف) و (فرانز كافكا) و (نيكوس كازنتزاكيس) و (ميلان كونديرا). ويمكن ببساطة أو بصعوبة مربكة ـ لا أدري ـ ملاحظة الفروقات و الظروف و المسائل التي ناقشها و تفاعل معها كل واحد منهم.

لدى كافكا يجد القارئ أجواءً غريبة، فيها انعدام ثقة في النفس و فيها ثقة مفرطة و أحكام مطلقة..كما فيها تقلبات، و ذلك حينما نتتبع الترتيب المتسلسل لتاريخ كتابة القصص.

فلا نعرف في أي وقت صار كافكا يكتب بإجادة و حرفية، حتى أن قصصه الأولى تلوح أعلى قيمة من أخرى أتت بعدها، فإبداعه لا يسير في خط مستقيم متصاعد..و يجب أن نتذكر أن عمره كان عند وفاته 41 عاماً فقط..حياة قلقة وغير مفهومة، أو بالأحرى تحاول أن تفهم نفسها.

فليس لدى كافكا علم بالنظرية الروائية..أو أن معرفته بها هي معرفة ضبابية عن قصد، فلو أنه أدرك ما الهدف من كل هذه الروايات التي سبقته بشكل كامل، لما أضاف إليها شيئاً.

و لأخويه(تشيخوف) و (كازنتزاكيس) ظروف و تقنيات مختلفة خلال مسيرتهما الإبداعية.

و لكن أود القفز مباشرة إلى كونديرا، هذا العالِّم الروائي المجنون بالتجريب، و في الإمكان أن نصفه بكونه خبير نجارة لا يستعين بأحد في ما يصنعه، فهو يُربِّي الشجرة لوحده و يقطعها بدقة..ينظفها..يتخيل شكلها النهائي بوصفها لا تزال عالقة وسط الغابة/السائد.

و مع ذلك كله لدى (المعلم كونديرا) خطة مفتوحة على التعديل، كما يُخبرنا بذلك في متن ثلاثيته عن(فن الرواية و حياتها).

و أصل من كل هذا إلى أن الوظيفة الإبداعية للكاتب معقدة وغير مفهومة له هو نفسه، حتى أن الكاتب لا يستطيع الحديث عن التقنية بشكل قاطع، لا تقنيته و لا تقنيات زملائه.

و إلى آخر الأمر، فإن البدايات و النهايات الإبداعية للكتاب غير متصلة بالكامل و لا يمكن معرفتها إلا بمعرفة الجو الكامل لحياة الكاتب و ظروفه و تاريخه الشخصي و العام، و حينما نفعل ذلك علينا أن ننسى أن هنالك (رولان بارت) أو نظرية (موت المؤلف)..و أن نُدخِّل التفاسير الشخصية و عقائدنا الخاصة بشأن هؤلاء الكتاب أصحاب الأعمال الكاملة، وذلك لأن المسألة في هذه الحالة تكون قد خرجت من كونها إبداعاً إلى  تاريخ إبداعي..مسيرة.

و الكاتب في نهاية الأمر يتطور بشكل طبيعي و يتعثر و يسقط و يصاب بالخيبة و باللاجدوى، فلا أحد ينتظر مكافأة في هذا المجال.و في ظني أن الكتابة هي ضد المكافآت..الكاتب لا يكتب بانتظار شيء محدد.

*و الحكاية تطول بكل تأكيد، إذ أن هذا الأمر يحتاج إلى بحث كامل أو مجموعة مقالات محكمة و مدفوعة القيمة/احترافية، و في بالي أن أتفرغ لهذا الأمر في وقت لاحق، فأسئلتي حوله كثيرة و متشعبة و لكن  لم تتحدد بالصورة المطلوبة بعد، إذ أن ظرفي لا يسمح بذلك في الوقت الراهن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*لدى فريدرش نيتشه كتاب بهذا العنوان (العلم المرح).

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة