الرئيسية / احدث التدوينات / الإبداع الفني بين الوعي واللاوعي

الإبداع الفني بين الوعي واللاوعي

مفهوم_الوعي_في_الفلسفة

(الفن هو الإحساس وقد ضاعفه الوعي)

  فرناندو بيسوا

يرى عبد الله بولا – تشكيلي ومفكر سوداني – بأن أي محاولة للفصل بين العقل والفن ما هي إلا محاولة للهروب من النقد الموضوعي للأعمال الفنية، ويؤمن أن الفنون هي إنتاج عقلي واعي، فمكمن الإبداع والمقدرة على التخليق هو العقل لا غيره، فالإبداع والإنتاج الفني ليسا نتاج وعي مفارق لوعي الفنان، هي ليست هبة من الله و لاهي إلهاماً ولا حدساً أو أي شيء لا علاقة له بالعلم الموضوعي والمنطقي. وهنا ينفي عبد الله بولا أي دور لشيطان الكتابة أو كديسة الشعر أو الجن المحفز للإلهام كما يؤمن الكثيرين، وتأتي آراؤه متوافقة مع أقوال الكثيرين من المنظرين والفلاسفة في مجالي الفن والإبداع  الذين عملوا على تثبيت كون أن الفعل الإبداعي هو فعل واعي، بل إن إحدى أهم مرتكزات  تعريف الفنون هي أنها تصدر عن ذوات واعية بالجمال على الأقل  – إن لم يكن بالفن كليًا، ولكن هل يعني هذا بالضرورة غياب أي دور للعقل اللاوعي عن عملية التخليق والإبداع ؟

تثبت تجارب الفنانين الذاتية وتنظيرات بعضهم على وجود محرك لا واعي للإبداع أو على الأقل وجود  وعي  مفارق  يشارك الفنان مراحل تخليقه لعمله الفني ف غاليانو – كاتب من الاورغواي- في إجابته على سؤال محاورته عن كيفية  اختياره للنصوص التي يكتبها يجيب  :

 “هي التي اختارتني ، كما تعلمين ، كلها لامست كتفي أو ظهري ، قائلة : “إحكني ، فأنا قصة رائعة وتستحق أن تنتشر بواسطتك ، أن تكتب من خلالك ، لذلك رجاءً ، أكتبني “. لكنني أجيبها : “حسنًا، أنا مشغول جدًا الآن، لن أقدر”. فتقول الحكاية : ” كلا، هذا مجرد عذر، يجب عليك أن تكتبني”. وهكذا ابدأ في كتابة القصص .

وليس غاليانو وحده من يضفي دورًا واعيًا لأعماله ف مايكل أنجلو أيضا هاجم تمثال موسى بعد أن انتهى من تخليقه وهو يصرخ :

 ” تكلم تكلم “، لإيمانه بأنه حي .

ما يميز غاليانو هو إضفاء دور تحفيزي كامل للنص في عملية تخليقه، فالنص المكتمل يلامس كتفه ويقول احكني بل يحاوره ويلح عليه . بل إن بعض الفنانين  يعتقدون  أن العمل الفني يساهم في تخليق نفسه بنفسه فالرسام العراقي الراحل نجيب موسى يجيب عن سؤال الكاتب العراقي حميد سعيد عن جرأته في استخدام الألوان الفاقعة بالقول :

“أنا لا ابحث عنها، وفي اللحظة التي اقرب فيها الفرشاة من لوحة الألوان، أحس بالألوان في حالة هيجان وتتسابق للوصول إلى الفرشاة، بل إلى اللوحة التي قد أكون قد بدأت برسمها أو التفكير برسمها، واللون الذي يسبق هو الذي يدخل اللوحة ويختار مكانها فيها، ويفرض عليَ المساحة التي يحتلها في اللوحة”

يقدم الفنان اللون هنا كمشيج ذكري حي ونشط يبحث عن موضع له في بويضة اللوحة وما التشكيل إلا عملية تخصيب  ينتج عنها شكل حي تمامًا كعملية تخليق الجنين، لم يكن غريبًا إذن أن يعتقد نجيب أن لوحاته حية بل تتحرك وتصدر أصواتًا يقول حميد سعيد في ذلك :

“قال لي مرة وهو يشير إلى لوحته التي رسم فيها قرويين يؤدون رقصة في مناسبة اجتماعية، ألا تسمع نقرات الطبل ؟ وقبل أن أجيب على سؤاله أكمل قائلا أنا اسمعها”.

قد تقرأ الآراء السابقة – رغم أنها تصدر من فاعلين في الإبداع – على أنها تعارض مفاهيم فنية أكثر ثباتًا ترى بان الإبداع هو فعل واع بالكامل، ويبدو أن الاختلاف هو اختلاف شكل لا مضمون.

يعرف آرثر كوستلر في كتابه  فعل الإبداع  Act of creation اللاوعي بأنه غرفة طهي الأفكار الواعية أو انه حيز المعالجة للعناصر التي تكون الفكرة الإبداعية، حيث يعمل اللاوعي من وراء الكواليس على إنضاج  الفعل الإبداعي وتحويله إلى الشكل النهائي الذي يخرج إلى الوعي مستخدمًا في ذلك المعارف والتجارب والخبرات السابقة والتي هي بالضرورة أفعال واعية، اللا وعي إذا ما هو إلا باحة خلفية للوعي تختمر فيه الأفكار ثم تخرج في لحظة ملائمة ، فيبدو الحدس الفني أو الإلهام أو كديسة الشعر كانبثاق لحظي مفاجئ للإبداع. يستند كوستلر في ذلك على أن كل الفنانين والمكتشفين والعلماء كانوا في الأصل ضليعين ومهمومين بما يفعلون أو أنهم درسوا تمامًا واستوعبوا ما يعملون عليه ومن ثم بعد ذلك تركوا الأمر للاواعي كانت حصيلة إنضاج العناصر المخزنة هي الفعل الإبداعي أو الاكتشاف الذي يبرز في لحظة معينة. إذا فالأفعال اللاواعية لا تنشأ من عدم ولا تثبت وجود أي دور خارق ميتافيزيقي أو جنوني وراء عمليات أي من عمليات الفعل الإبداعي. ففيثاغورت لم يكن شخصًا عاديًا حين أطلت فكرة اكتشافه وهو يستحم، بل كان عالمًا مهمومًا وباحثاً، وكذلك اسحق نيوتن. ويوافق هذا الرأي برتراند راسل – وهو عالم رياضيات وفيلسوف الوضعيّة المنطقيّة- بقوله :

“لقد لاحظت أني إذا كان عليّ أن أكتب في موضوعٍ شائك، فإن الطريقة الفُضلى هي في التفكير فيه بتركيز شديد قدر الإمكان، خلال ساعات أو حتى أيام، ثم أعهد بمتابعة المهمة إلى عمل اللاوعي..وبعد أشهر أعود إلى العمل الواعي على نفس الموضوع لأجد أني قادر على إنجازه بشكل جيّد.”

  الإلهام إذن ما هو إلا لحظة مناسبة تقل فيها قبضة العقل الواعي فيبرز نشاط اللاوعي، و يؤكد جمال عبد الملك “ابن خلدون” في كتابه مسائل في الإبداع والتصور أن النشاط شبه الآلي يخدر الوعي ويعجل من عمليات تخمير الأفكار الإبداعية المخزنة وبروزها في الوعي ما يفسر ارتباط حالات الإلهام بنشاطات رتيبة مثل ركوب القطار أو الجلوس على الشاطئ أو حضور محاضرة مملة.

تثبت الآراء السابقة أن العقل هو محرك أساسي للإبداع الفني وبشقيه الواعي واللاواعي مع التأكيد على أن دور اللاوعي في الإبداع لا تقف وراءه قوة خارقة تلقى بالفكرة الإبداعية على الفنان ثم يقوم بتجسيمها عملاً فنياً، يعتبر بولا الرأي الأخير مجرد حيلة تسعى إليها بعض القوى من اجل تكريس تمليك امتياز الفن لها غيرها دون الادعاء أن هبات إلهية تقف وراء إبداعهم وبالتالي تقسيم الناس إلى موهوبين وغير موهوبين غضًا للنظر عن الأسباب المعرفية والتراكمية التي تقف وراء العمليات الإبداعية، ويوافقه في ذلك حسن موسيى – تشكيلي ومفكر سوداني،  ففي إطار نقده للردة اليمينية الثقافية التي ميزت عهد مايو والتي انعكست بدورها على الفعل التشكيلي يأخذ حالة الفنان عبد الوهاب الصوفي مثالا والصوفي هو فنان رعته مايو وقدمته للجمهور كتجسيد للفنان المتصوّف الذي تكون أعماله نتيجة عفوية لـ ” حضرات ” صوفية يزوره فيها الأولياء الصالحون كالشيخ عبد القادر الجيلاني و يملون عليه مواضيع لوحاته ورسوماته، بل إن الفنان عبد الوهاب يحكي عن بداية علاقته بالفن بالقول – بحسب حسن موسى :

في ذات ليلة و أنا نائم شعرت بشيء ثقيل يجثم على رأسي، ثم يتحرك و يجثم على صدري فصحوت من النوم مرهقًا، و تكرر ذلك عدة مرات.و كلما أفقت من النوم وجدت نفسي مرهقًا و منساقًا إلى الكتابة و الرسم بهذا الشكل الذي تعرفونه، و إذا لم أكتب أصاب بمرض.”..” و كان رسمي كله عن الإسلام، و فيه وحدانية الله و القرآن الكريم و محمد رسول الله [ ص]، و تنوعت أساليب رسمي من تشكيل عادي إلى سيريالي معقد إلى تجريد.

 ويبدو أن الصوفي بذاته لم يكن مؤمنًا بما يقول فهو برر ذلك حين تمت مواجهته بالنقد بأن الأمر مجرد أكل عيش،

” يا أولادي مالكم و مالي كاشفين حالي في الجرايد؟ أنا داير أربي أولادي و أبني بيتي.خلونا ناكل عيشنا بسترتنا “! .

ويبدو جليًا أن حسن موسى كما معلمه بولا ينكر وجود أي دور ما ورائي وراء عملية الإبداع الفني بيد انه لا يعارض ضمنيا في أفكاره وكتاباته كما غيره وجود وعي مفارق  يساهم في عملية التخليق والإبداع، فهو وفي إطار وصفه للتشكيلية السودانية كمالا اسحق يقول عنها :

كمالا فنانة يدياء تفكر و تدبر و تقرر بيدها، و هذه الوضعية تغنيها أو تعصمها من الانسياق وراء غوايات التعبير الأدبي التي تتغول على مقام المعالجة التشكيلية و تنتهي بصرف نظر المشاهدين عن لب الأثر التشكيلي كخطاب إيدائي يتوسل للمعرفة بالأدوات والخامات التي تمتثل لإرادة الفنان حين يقول لها كوني فتكون و تقول خطاب البصر و البصيرة و تهيّئ للمشاهدين معرفة الوجود في المقام الذي لا تطاله الكلمات.

هنا يكسب حسن موسى يد الفنان وعيًا ذاتيًا فكمالا تفكر وتقرر بيدها كما أن الأدوات والخامات المستخدمة في العمل الفني تبان واعية وهي تستجيب لأمر الفنان “كن” فيكون العمل الفني، على الرغم من أن لدومينيكان – رسام ايطالي – يقول عن اليد في الرسم : ” لا ينبغي ليد الرسام أن تخط خطا ما لم يكن قد ارتسم من قبل في ذهنه” ولكن  من الواضح جدًا أن وصف حسن موسى لكمالا جاء في محل مدح لمهارتها العالية في الرسم تلك المهارة المصقولة بالمعرفة التعلم والتدريب المستمر لدرجة إكساب اليد وعياً يجعله يعمل دون الحوجة للرجوع إلى الذهن، فالإلهام وليد الموهبة والموهبة وليدة المعرفة والتدريب والخبرة المكتسبة.

إذاً مهما بدا أن محفزات لا واعية غريبة تقف وراء عملية الإبداع فإنها ليست وليدة صدفة لحظية بقدر ما هي نتاج لتراكم خبرات ومعارف واعية يختزنها العقل في اللاوعي فتبرز في اللحظة المناسبة، لحظة الإلهام.

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان