الرئيسية / احدث التدوينات / الإسلام وسؤال الحُكم ونموذج «الخلافة»

الإسلام وسؤال الحُكم ونموذج «الخلافة»

533

كيف أن الأحداث التي حدثتْ في القرن السابع الميلادي لا تزال تُشكل علاقة الدين بكل شيء، بالمجتمع والاقتصاد، والأهم: السياسة، وما الذي يعنيه ذلك الآن؟

لتحليلِ الإشكاليّة التي تبدو عصيّة في الشرق الأوسط تحديداً، أحتاجُ للرجوع لتاريِخٍ مفصليّ هنا، 1924 وهو العام الذي أُلغيت فيه رسمياً «الخلافة».

إن الخلافة ـ الكيانُ السياسي التاريخي الذي تحكمهُ الشريعة والتقاليد الإسلامية ـ كان بمثابة الفكرة القائلة إن الوحدة الروحية للمسلمين تتطلب تمثلاً سياسياً.

بالتأكيد كان هناك معارضيّن للخلافة، كالشيخ علي عبد الرازق في كتابه “الإسلام وأصول الحكم” الصادر عام 1925، وفيه يُنكر الخلافة كمفهوم ديني ويقول فيه إن “الواقع المحسوس الذي يؤيدهُ العقل ويشهد به التاريخ أن شعائر الله تعالى ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك النوع من الحكومة الذي يسميه الفقهاء خلافة” بل قال:“كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين وينبوع شر وفساد”.

لكن ليس للفِكرة، دائماً، ظل الشارعُ متحركاً مع فكرة تطبيق الشريعة كسفينةٍ للنجاة، فهناك من نادى بالعودة لـ“خلافة عربية“ كعبد الرحمن الكواكبي في كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد“ ونمتْ جماعات متفرقة في العالم تسعى لإحياء الخلافة، كحركة الموحدين السلفيّة، لمحمد بن عبد الوهاب، ثم جماعة الإخوان المسلمين كحزب وتنظيمٍ مسلح، حدثت الثورة الإسلاميّة في إيران وأعلنت نظاماً إسلامياً في 1979 لتبدأ تيارات الإسلام الصحويّ. نستطيع أن نرى أيضاً القاعدة وداعش، وجبهة النُصرة، وحزب الله وحماس، كما تنتشر جماعات وأحزاب في عِدّة دول تدعو لإعادة الخِلافة، يجري توصيفها: بالجماعات الإسلامويّة «الإسلام السياسي».

منذ حّلت الخلافة العثمانية، احتدمْ الصراعُ لإقامة نظام سياسي إسلامي، تحت شعاراتٍ متباينة وبمستويات متفاوتة من الشدّة.

في مركزها تُطرح «مشكلة الدين» ودوره في السياسة.

وبهذا المعنى، فإن اضطراباتِ الربيع العربي، ونشوء الدولة الإسلامية (داعش) ليس إلا تكرار آخر لعدم القدرة على حل أكثر الأسئلة الملِحّة والأساسية حول ما تعنيهِ الدولة الحديثة ومفهوم المواطنة.

”الإسلام دين ودولة“ هكذا يُعبر المفكرون في شرح في كيفية ارتباط الدين بالسياسة – ويمكن إرجاع هذا إلى لحظة ظهوره في القرن السابع.

القول بأن الإسلام – كالعقيدة، واللاهوت، والممارسة الطقوسية – يُسقط شيئاً لا تعرفهُ الأديان الأخرى هو اعتراف مثير للجدل، بل مزعج في الدول الحديثة، خاصةً في سياق التعصب المتزايد ضد المسلمين في العالم (الإسلاموفوبيا).

بالنسبة لي، فإنهُ من غير المرجح إعادة كتابة تاريخ التنوير والإصلاح والثورة، الأوروبي في الشرق الأوسط، بل إنه من الصعب جداً نموذجّة ما حدث في أوروبا؛ لمعوقاتٍ في البنية العربية والمسلمة أولاً، ولخصوصياتٍ تاريخية في إبعاد السُلطة الكنسيّة بالتطور الفكري الإصلاحي والثوريّ، كما أن للنهضة العربية شرائطها التي لم تتحقق، رغم محاولاتِ الأفراد التي تُحتسب، كما أن الافتراض القائل بأن يأخذ الإسلام مساراً مشابهاً للمسيحية، هو افتراضٌ يجافي المنطق، لأنهما في الواقع، ليسا متشابهيّن، سُنّت القوانين، لفضح ومعاقبة الخطيئة، لكن، عندما صُلِب المسيح، حَرر بذلك الإنسان من أعباء الخطيئة، وبالتالي من أعباء الشريعة (الناموس الديني الاجتماعي).

إذن قصةُ الخلاص في المسيحية هي قصة تقدميّة، مع مرور الإنسانية عبر مراحل مختلفة من التطور الروحي.

كانت الشريعة اليهودية الموسوية قانوناً مؤقتاً، وكان يقصدُ بها مكان وزمان محدديّن، ولشعبٍ مختار، بينما كانت المسيحية عالمية ودائمة في الشكل والمعنى، إذا كان الخلاصُ هو المسيح،والمسيحُ وحده، فليس هناك حاجة إلى قيام الدولة بتنظيم السلوك الخاص والعام إلى أبعد من توفيرِ بيئةٍ مواتية للأفراد لكي يزرعوا الفضيلة، ويُصبحوا أكثر إخلاصاً للمسيح، لم تعد معاقبة الذنوب أولوية، لأن يسوع صُلبَ من أجل أتباعه.

في تناقضٍ صارخ، كان اللاهوتيون مثل مارتن لوثر يشكّلون جدلية بين الإيمان والصلاح، فإن هذيّن الأمرين مرتبطان ارتباطاً وثيقاً في الإسلام.

يتمُ التعبير عن الإيمان في أحيانٍ كثيرة من خلال احترام القانون، فينبعث مفهوم (الخيريّة) بقول النبي مثلاً : لا يُؤْمِنُ أحدكم حتى يفعل كذا.. وبالتالي فإن الفشل في إتباع الشريعة الإسلامية هو انعكاس لعدم إيمان المؤمن وعدم رغبته في الخضوع لله.

فالخلاصُ مستحيل هنا، دون قانون، هذا له آثارٌ على طبيعة ومفهوم الدولة في الإسلام.

إذا كان إتباعُ الشريعةِ – على سبيل المثال، الامتناعُ عن الكحول ولحم الخنزير والزنا، والصوم، والصلاة خمس مرات في اليوم – هو شرطٌ مُسبق للخلاص، فإن القادة السياسيين ورجال الدين والقانون على حدٍ سواء، بهذا المعنى، لهم دور في تشجيع الخير والشر، وقد لعبوُه، بدرجاتٍ متفاوتة، طوال فترة ما قبل الحداثة.

لكن هل يمكنُ للأحداث التي وقعت قبل كل هذه القرون أن تُثير كل هذا القدر من الأزمات في العالم الحديث؟

في كُل محفل أو جمعية، وفي نشراتِ الأخبار، في العمل وبين الأصدقاء، نجدُ أنفسنا نتحدث عن آفة الإرهاب ومسؤولية المسلمين عن قول وفعل شيء حيال ذلك، لكن في الحقيقة دومًا ألاحظ أن نقاشاً من هذا النوع سرعانَ ما يتحولُ لحديثٍ عن الصحابة والخلفاء، وعن الفتنة الكُبرى، في موقعة عين الجمل، وصعود خلافة معاوية واغتيال عثمان وخروج علي وأبناءه اليالكوفة، يزيد، الخليفة الثاني في الدولة الأُموية،قتل سِبْط النبي محمد (ص) في معركة الطف -كربلاء في القرن السابع.

كان مثل جرحٍ نازف، وهنا كنا مرةً أخرى، في محاولةٍ لفهم كيف ولماذا حدث شيء لا يوصف كهذا؟

كانت هذه هي عائلةُ النبي! وبعد ذبح الحسين وجميع رجاله، غادرت جثثهم للتعفن، لم يكن الأمر مختلفاً عن الأسئلة الأخرى التي كنا نسألها لأنفسنا عن صعود الدولة الإسلامية (داعش)والحرب الأهلية، بين الشيعة والسُنة، وسفك الدماء الذي لا نهاية له: كيف يمكن للمسلمين أن يفعلوا ذلك في المسلمين الآخرين؟ معركةُ كربلاء هي مثال واحد فقط.

من يقرأ التاريخ الإسلامي، خطب صلاة الجمعة والكتب والمواد المدرسيّة، سيعرفُ الصحابة، بالتأكيد، وآثرهم في انتشار الإسلام وسرد السيّر والأحاديث عن النبي، بالأحرى هم جزء منحياتنا.

كان الأكثر غرابة – أن النبي، وأصحابه، وأتباعهم الأوائل – قاموا بالتمدد الذي لا يمكن تصوره، وسيطروا على كامل شمال أفريقيا، ثم انتشروا عبر إسبانيا وإلى فرنسا في غضون مائة عام من وفاةِ النبي.

هذا يَجِبُ أن يكون دليلاً، على الرغم من ذلك، يمكن أن يعني أيضاً أن الانكماش الإقليمي للإمبراطوريات ذات يوم كان يَجِبُ أن يكون دليلاً على الخطيئة والانحطاط.

لم يدمْ عصرُ ما يُسمى بـ“الخلفاء الراشدين“ ببراعة طويلاً، ولكن حّل محله العصور الذهبية الإسلامية الأخرى، التي تم تأريخها لفترة أطول بكثير.

كانت الخلافةُ العباسية، مع بغداد، مركزها الصاخب، واحدة من أنجح الإمبراطوريات التي شهدها العالم على الإطلاق.

من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر، ازدهرت الإمبراطورية، مع تقدم غير مسبوق في العلوم والطب والفلسفة.

يدخلُ المسلمون اليوم، ولا سيما في العالم العربي، في مناظراتٍ بسبب شرعية تداول النزاع على السُلطة، الذي حدث، مع اعتبار هذا التاريخ نصًا فرعيًا، أطلقت الإمبراطورية العثمانية،على أمل درء الانحدار في القرن التاسع عشر، سلسلةً من الإصلاحات الداخلية، المعروفة باسم التنظيمات.

غالباً ما تكونتْ وجهاتُ النظر حول التراجع مع نوع من الحتمية الدينيّة ! هل كان هناك نوعاً الغضبِ الإلهي؟

بعد قرون من الهيمنة، كانت الإمبراطورياتُ الإسلامية المختلفة تتفوقُ تدريجياً على أوروبا الناشئة.

إلى أن جاءت صدمةُ الاستعمار، عندما وقع العالم الإسلامي تحت سيطرةٍ أوروبية مباشرة، وغالباً ما كانت سيطرة قاسية.

لقد أعطى الاستقلالُ الذي تم تحقيقه بصعوبة، بصيصَ أملٍ في القرن العشرين، لكن الوعد بـ«القومية العلمانية» ضاعتْ آماله في نهاية المطاف، مع وصول الدول الشابة إلى الديكتاتوريات.

في غضون ذلك، اعتقد العلمانيون أن الدولة الإسلامية لا يمكنُ إصلاحها وأن التمسك بالمؤسسات الدينية سيقفُ فقط في طريق التقدم، وقالوا إن احتضان «القومية العلمانية» أدى إلى صعود أوروبا، فلماذا لا يفعل الشيء عينه بالنسبة للشرق الأوسط؟

بين النخب، اكتسبت الأيديولوجياتُ العلمانية المتنوعة – الماركسية والاشتراكية والفاشية والليبرالية – شعبيةً وقوة.

فسرَ الحداثيون الإسلاميون، الذين كانوا مؤهلين معاصرين، الأحداثَ بشكلٍ مُختلف تماماً، نظراً لتدهور حالة المنطقة كدليلٍ على غضب الله وسخطه.

إن استعادةَ الدين تكمنُ في استعادةِ الدولة، والتي تتطلب العودة إلى نقاء مؤسسِ الإسلام الذي لا تشوبه شائبة، إن فكرة العودة السلفية هذه، في أواخر القرن التاسع عشر، ستصبحُ في مجرد عقود، في كل مكان إلى حد الكليشيهات «الصحوة الإسلامية/ تيار الإحياء/ التجديد..الخ»

كان النبي محمد (ص) عالمًا لاهوتاً، وسياسياً، ومحارباً، وواعظاً، وتاجراً، كلهم في آن واحد. وأيضاً باني دولة جديدة، من الصعب معرفة متى كان يتصرف في دور بدلاً من الآخر (مما أدى إلى مناقشاتٍ لا تنتهي حول ما إذا كانت بعض أعمال النبي في بعض المجالات، نبوية).

حاول بعض المفكرين الدينيين – بمن فيهم السوداني محمود محمد طه ولاحقاً تلميذهُ عبد الله النعيم – فصل هذه الموروثات النبويّة المُختلفة، بحجةِ أن القُرآن يحتوي على رسالتين.

الرسالةُ الأولى، المستندة إلى الآيات التي تم الكشف عنها (نزولها) أثناء قيام النبي بإنشاء مجتمع سياسيّ جديد في المدينة المنورة، تتضمن تفاصيل “الشريعة الإسلامية“ التي قد تكون مناسبة للجزيرة العربية في القرن السابع، لكنها لا تنطبق خارج هذا السياق.

تتضمنُ الرسالة الثانية للإسلام، التي تم الكشف عنها (نزولها) في مكة قبل هجرة النبي إلى المدينة، المبادئ الأبدية للإسلام، والتي ليس من الممكن أن يتم تحديثها وفقًا لمتطلباتِ الزمان والمكان.

أُعدم طه، من قِبل نظام جعفر نميري، في عام 1985 ونسيتْ نظرياته إلى حد كبير.

لكن الفكرة الأساسية لاستخراج المبادئ العامة مع التأكيد على تاريخ تطبيقها، وبدعم أقل وضوحاً، دافع عنها عدد متزايد من علماء المسلمين التقدميين الذين يعيش الكثير منهم في الغرب.

هناك أسباب، على الرغم من ذلك، أن هذه النظريات قد كافحتْ لاكتساب معتنقيها في العالم الإسلامي.

أولاً، لا يمكن شرحها بسهولة لمن لا يملكونَ خلفيةً في الشريعة الإسلامية.

بالنسبة للعديد من المسلمين، فإن ميّزة الإسلام أنه يمكن الوصول إليه ومباشر، على الأقل في خطوطه العريضة.

إن الفكرة القائلة بأن القُرآن يحتوي على رسالتين متميزتين، ومتناقضتيّن أحياناً، ليست مباشرة، وأنها تجعل الدين البسيط، معقداً نوعاً ما.

لماذا يأخذُ المسلم المؤمن فرصةً في تفسير مُثيرٍ للجدل وغير متجانس، للكتاب المقدس عندما يستطيع أن يتراجع إلى مقارباتٍ أكثر أماناً، والتي تتمتعُ بدعم الأغلبية الساحقة من العلماء؟

يمكنُ للمرءِ أن يذهبَ إلى أبعدِ من ذلك، ويدافع ليس فقط عن التفسير التقدميّ للشريعة الإسلامية، ولكن أيضاً بسبب عدم أهميتها الأساسية للحياة العامة – أن فصل الدين عن السياسة يشكلُ أساساً لأي مجتمعٍ ليبراليّ تعدديّ ما بعد التنوير.

ومع ذلك، فإن الوزن الثقيل للتاريخ الإسلامي يجعل هذا الطريق متعرجاً وشائِكاً وغير محتمل.

ولد الكاتبُ الإسلامي محمد كشك عام 1929، وشهدَ انتصارَ الدينِ، لكن في عام 1967، هزمتْ إسرائيلُ -بسهولة- الدول العربية (النكسة) بعد نكبة 1948 ليس فقط بسبب قوتها العسكرية،كما قال، ولكن لأن لديها شيء لم يكُن للعرب: اليقين والوضوح والتفاني الديني.

وكما كتب فؤاد عجمي في أول كتابٍ له بعنوان «المأزق العربي- 1981» أن حقيقةً ما في رواية كشك للوضوح الذي شهده الإسرائيليون في الحرب، لأن صغار الجنود الإسرائيليين كانوا يُصّلون خلف حاخاماتهم في حائطِ المبكى بعد أن استولوا على القدس، ربما لم تكن قراءةُ كشك القراءةَ الأكثر دقة للانتصار الإسرائيلي، لكنها كانت واحدة من أكثر القراءات أهمية، ولأنها ستصنعُ تاريخاً من الأحداث بعد ذلك.

إذا كان هذا النقاء الديني قد ضاع، فمن أين نستعيده؟ من البداية.

هذا ما تأملُ الحركاتُ الإحيائية المُختلفة، عملهُ.

كان الحداثيونَ الإسلاميون يأملون في استعادةِ روحِ ونوايا الجيل الأول من المسلمين، بينما يعتقدُ أن السلفيّين أرادوا تقليد حتى العادات الخاصة والتفصيلية، للمسلمين الأوائل، سواء كان ذلك يعني ارتداء الملابس مثل النبي (من خلال بنطالهم المرفوع عن الكاحل) أو تنظيف أسنانهم مثل النبي (غصن تنظيف الأسنان “مسواك”).

ومن الغريب، أنه بالنسبة لهذهِ الجماعاتِ الإسلامية المختلفة، أصبح التاريخُ الإسلامي الحديث أكثر بُعدا عن تركيا، مركز الخلافة، بل أنه سيجدُ معظم المسلمين صعوبةً في الاستشهاد حتى بباحث من العهد العثماني، فيما يتم تذكّر الخلافة العباسية باعتزاز.

المسلمون، بطبيعة الحال، غير مرتبطين بلحظة تأسيسِ الإسلام ، لكنهم لا يستطيعون أن يُفلتوا من ذلك تماماً

مع التحدي المزدوج للاستعمار والعلمانية وظهور «الحداثة» أصبحت الدولةُ قومية – مركزية ، متقنة، ومتسلطة.

كانت هناك البيروقراطيات الهائلة، والجيوش المسلّحة الكبيرة، والتكنولوجيا والفضاء الرقمي، (والرغبة) في مراقبة المواطنين، كل الأشياء التي لا يمكنُ أبداً أن تطالبَ بها إمبراطوريات الماضي البعيدة.

كيف يمكنُ أن يظّل الحُكّم الإسلامي، المصمم لعصر ما قبل العصر الحديث، ذا صلة في وقت أصبح فيه المواطنون في دولٍ ترعاهُم مؤسسات، في مدنٍ مليونيّة.

متى ما تتبدّل الولاءات الديّنية بأُخرى وطنيّة، وتتحول خطابات الأمة إلى فضاءات العولمة والمواطنة والمصالح المشتركة، وقتئذ سيكون ممكناً إنهاء التطرّف العنفي والإرهاب الأيديولوجي المنظم، الذي يعسّكر نفسه، ويتمدد رقمياً، على حساب الدولة والمجتمع، في الحقيقة، التطرّف الديني يظّل خطراً ما دامت له وجهة، وأيقونة تروج لها الدولة تحت عباءة التاريخ، وهي الخِلافة، التي نجح العالم العربي، في التحرر منها، ونجح مؤرخون واقعيّون يعرفون أن الأزمنة القادمة تستمد شرعيتها من أستسِها التاريخي، وصفت الخلافة احتلالا له سياسات التتريك التي تجرعت الشعوب مراراتهِا، وخرجت ثورات شعبيّة ومسلحة، ودينية أيضاً، للتحرر منها، هذه الخلافة، خلافةُ داعِش، عنّت الرجوع لمشاهِدة أسواق النخاسّة واستعباد البشر وإحراقهم، والسبايا وبيع الرّق، والفتوحات على حساب الْكُفَّار، هذا الخطاب لم يعد ممكنا، أو على الأقل لن يُمكن له أن يكون ممكناً، استغلال شبابٍ يحلم أن يعيش في عالمٍ أفضل بهذه الطريقة هو الوقوع في فخ لن يخرج منه العالم العربي المسلم، بعواقب أقل من ملايين المشرديّن ومدن مهدمة، وذاكِرة تعود بالإنسانية لألف سنة، إنها حقاً سنوات من الركض نحو الوراء.

عن محمد سالم

mm
كاتب من العراق