العسراء

40404074_1827213517359829_8105665480208941056_n

بقلم: علام بخيت كباشي

 

الساعة العاشرة مساءً

يدخل نزار إلى منزل صديقه مزهواً و يصفر بطربٍ يملؤه الفرح .

_ يبدو أن الأمور سارت على خير ما يرام ! يخاطبه صديقه طارق .

نزار لا يجيب و ربما أنه لم يسمع ما قاله ، يتوقف عن الصفير . هل يوجد ماء بالثلاجة ؟

_ نعم و لكن ربما يكون باردا بعد الشيء ، خذ قارورة و أضف إليها بعض من مياه الصنبور .

طارق ينهي آخر أعماله المكتبية و يغلق جهاز الحاسوب ، يمسك هاتفه و يبدأ بتصفح الانترنت يأتي نزار و يرمي بثقل جسده كله على الأريكة و يتمدد متأملاً ثقف الصالة و على وجه ابتسامة كبيرة جداً و مسحة من الطمأنينة و الراحة .

_ حسناً يبدو أن الأمر خطير ، صديقي نزار يدخل المنزل دون إلقاء السلام ، و يتصرف بغرابة ، كما أن حواسه كلها تعاني من العطب . يرميه بقلمٍ كان يحمله و يصيح : هي يا رجل ما بك ؟ انظر إلي ماذا حدث ؟ كيف كان موعدك مع الفتاة ؟

_ آه يا طارق ماذا أخبرك ! لا أدري ماذا حدث و لا أين كنت ، و لا من أنا ، و لا من أنت ، و لا اسم هذه الدولة التي نسكنها .

طارق يرمي هاتفه و ينهض بسرعة ليجلس بجانب نزار على الأريكة .

_ ماذا تقول ! يبدو و كأنك شربت كثيراً ، أنت تهلوس ، أخبرني هل هي جميلة ؟

_ هذا كل ما تكترث له ، اغرب عن وجهي و لا تفسد علي هذه اللحظة .

_ لا صديقي لن أذهب يبدو أنك في ورطة حقيقية ، هذا ليس نزار الذي أعرفه ، الطبيعي أن تحدثني عن كيف أنها كانت مثيرة ، و كيف بدت مؤخرتها على الثوب الذي كانت ترتديه ، و طعم أحمر الشفاه الذي تضعه ، هذا نزار في المواعيد الغرامية أما الذي يستلقي أمامي هذا فشخص مخبول و لا يشبه صديقي أبداً .

يقول هذا و ينهض لسريره و يمسك هاتفه الذي أوشكت بطاريته على النفاد .

_ لقد كانت عسراء . نزار يتحدث .

_ ماذا قلت ؟

_ لقد كانت عسراء يا طارق ، لم ألحظ هذا في الوهلة الأولى ، لأنها كانت جميلة جداً ، كانت ابتسامتها تأثر عيناي ، لم أستطع التركيز على شيء آخر غيرها ، أعتقد أنني تصرفت ببلاهة كبيرة اليوم ، لم أترك جزءاً من جسدها إلا و تغزلت فيه ، لقد مدحت تسريحة شعرها و شعرها ، أخبرتها أن حذاءها أنيق ، و لون طلاء أظافرها رائع ، كما قلت لها أن أنفها الصغير يشبه أنف الأطفال ، مدحت أيضاً أقراطها و أذنيها و العطر الذي يفوح منها ، كانت تشبه زهور الربيع بالضبط .

_ نزار من أنت ؟ لقد شربت كثيراً أليس كذلك ؟

ثم ما قصة أنها عسراء !

_ أتصدق أنه لم يجذبني فيها شيء أكثر من كونها عسراء ، كنت أظن أنني مسحور ، حتى رأيتها تمسك الشوكة بيدها اليسرى و هنا علمت أن ما يحدثُ لي أمرٌ فوق قدرات الجن ، لقد بدت لطيفة جداً و بل و حتى كطفلة بالسابعة و هي تحرك يدها اليسرى متنقلة بين الأشياء على المنضدة ، كما أنها تغطي بها ثغرها عندما تضحك و قد بدا لي ذلك في قمة اللطف ، و عندما كانت تمرر سبابتها اليسرى على قائمة الطعام بحثاً عن طبق معين كنت أتأملها و كأن هذه السبابة تداعب خدي ، سرحت لمدة حتى أعادتني بصوت فرقعة أحدثته بأصابعها : نزار ما بك النادل ينتظرك .

منذ فترة لاحظت أنني انجذب لأشياء غريبة في النساء ! أتذكر تلك الفتاة التي كنت أواعدها بداية هذا العام ؟ لم تكن جميلة على الإطلاق و لكن أعجبتني نبرة صوتها ، ليس لكونه أنثوياً فهذا شيء يجذب كل الرجال و لكن به حدة لذيذة و من نوع خاص ، نغمة موسيقية محددة تعزفها حبالها الصوتية تجعلني مدوخ أستمع إليها دون ملل . بالأمس مررت بمركز تجاري و أنا في طريقي لموقف المواصلات ، لمحت فتاة تخرج من المدخل و ليس بذاكرتي الآن سوى الطريقة التي كانت تمشي بها ، و كأنها تقبل الأرض يا صديقي ، كأن قدميها يرقصان على موسيقى كلاسيكية هادئة و يتبادلان العناق ، بهوادة و كل الرقة الممكنة . فلا تلمني إن كنت لا أذكر من هذا اللقاء سوى الطريقة التي كان تمسك بها الكوب بيدها اليسرى .

طارق ينظر لصديقه فاغراً فاه مندهشاً ، حل صمتٌ لثواني قطعه صوت بطارية هاتفه معلناً خبر موتها .

_ حسناً نزار هذا يكفي ، حتى الهاتف قرر أن ينام بدل سماعه لهذه الترهات التي تتفوه بها ، أنت ثمل سنتحدث غداً .

ينهض طارق متوجهاً لغرفته .

_ لقد اتفقنا أين سيكون اللقاء الثاني و أنا الذي اقترح المكان و الزمان ، و الغريب أنني لا أذكر أي شيء مما قلته ، حتى أنني لا أذكر ماذا تناولنا ، أو الأحاديث التي تبادلناها ، أخشى أن يتكرر نفس الأمر في اللقاءات القادمة و نظل نتواعد حتى يصيبها الملل ، و تقرر الابتعاد عن جنوني هذا .

_ نزار أنت ثمل أخلد للنوم

_ كل ما أذكره أنها مسحت بإصبع يدها اليسرى بعض بقايا الطعام من على طرف فمي ، ربما كان هذا السبب يا طارق ، سأخبرها أن لا تفعل ذلك في المرة القادمة .

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة