الرئيسية / احدث التدوينات / الموت ثلاثي الأضلاع

الموت ثلاثي الأضلاع

جمل-غاضب-1160x480

بقلم: سبع سنابل

أخذ المقدوم يلكز الجمل بكلتي قدميه ويلوّح له بالسوط الغليظ حاثاً له ليزيد سرعته ويجد في السير إلا إن الجمل العنيد يتمختر في مشيه وكأن الأمر لا يعنيه يمشي الهوينى كالفتاة المدللة، والمقدوم قد أرهقته حرارة الشمس اللافحة وتراقص السراب أثر على عينيه وارتجاجه وتأرجحه على ظهر الجمل وأصابه ما يشبه الإعياء، وزاده على ذلك تعنت هذا الجمل الغبي الذي يسير هذا اليوم على غير عادته من بطيء إلى أبطأ، فالمقدوم يريد أن يتمكن من قطع وادي الدان قبل حلول الظلام وزاد من هواجسه ما أشيع عن الآفات التي يعج بها هذا الوادي ليلاً وغذّى ذلك ما اختزنته مخيلة الأعراب من روايات شابها الكثير من الخرافات والمبالغات على شاكلة السعالي وأب فانوس والضهّابة، وليتفادى كل تلك المشاكل لابد له أن يقطع الوادي قبل المغيب لكن أنى له ذلك مع هذا الجمل العنيد، وزاد من اللكز والتلويح بالسوط وأحياناً يضرب القراف الذي يصدر فرطقة داوية إلا أن ذلك لم يغير في سلوك الجمل من شيء، أخذ وهج الشمس يخف وراحت تميل نحو الغروب والهواجس تملكت صاحبنا وسيطرت عليه حتى سرت فيه ارتعاشة خفيفة قال المقدوم محدثاً نفسه هو يمسك بمقبض السيف المعلّق على قائم السرج الخلفي: ماني خايف عِلاّ مداراة المؤمن على نفسو حسنة. وأخذ يغني للجمل معدداً محاسنه وسيرته علّه يستجيب ويدع عنه هذا الحران إلا أن الجمل وبعكس المتوقع وقف متسمراً كأنه الوتد، حاول المقدوم بكل ما يعرف من وسائل وحيل الأبّالة تحريك الجمل دون جدوى، أناخه المقدوم ونزل منه ولم يفلح في أن يجعله يقوم ويواصل السير، إشطاط المقدوم غضباً وكال كل ما يختزنه من سباب ولعن وشتائم للجمل وحسم أمره قائلا: الليلة حرنت تب وأبيت المشي داير تورينا كجارك، دا عوسك أنا بوريك عوسي.

أنزل المقدوم متاعه من الجمل وحل السرج ووضعه أرضاً وجرّد منه القراف وتركه عِرِي وأخذ العقال وعقل به أرجل الجمل الأمامية والجمل وكأن الأمر لا يعنيه قد حنى رأسه على شجيرة سلم صغيرة يداعب في غصونها بمشفريه وأسنانه الغليظة وعينيه نصف مغمضتين، غمس لمقدوم يديه في التراب تفل عليها وأخذ سوطه الغليظ وأمسكه بقبضتيه وانهال ضرباً مبرحاً على الجمل البارك المقيّد بالعقال، المقدوم يضرب بلا رحمة ويكيل السباب والشتائم وكأنه في حالة هيستريا وهيجان والجمل يرغي ويزبد ويتململ ويخور محاولاً قطع العقال لكن بلا جدوى والمقدوم يضرب ويضرب حتى كلّت يداه وغمره العرق وتلاحقت أنفاسه وأصابه سعال، توقف قليلاً أخذ قربة الماء وحسى منها جرعات ثم عاد ثانية يضرب في الجمل بلا هوادة، فجأة انقطع العقال وهبّ الجمل كالإعصار هائجاً وقد انتفخ إحدى ودجيه كالبالون والزبد يبلل مشفريه وأنفه واستدار نحو المقدوم الذي ألجمته المفاجأة فهو لم يكن يظن أن حبل المرن المتين الذي عقل به الجمل سينقطع ولم يضع لذلك إحتمالاً أو تحوطاً فأخذ يعدو بلا هدف وهو موقن أنه لن يسبق الجمل بحال من الأحوال وقد سمع الكثير من قصص انتقام الجمل ممن يؤذونه فمن تناوله جمل هائج يرميه أرضاً ثم يبرك عليه ويسحجه بمبركه الغليظ حتى يصيره فتاتاً، بل إن الأعراب من كثرة معرفتهم بعدم نسيان الجمل للمسيئين له صار مضربهم في المثل للذي يظل يتذكر زلات الناس ولا ينساها ويحمل الحقد بسببه فيقولون : إن فلا كالجمل لا ينسى الإيذاء أبداً لكن حلاوة الروح تدفعه لأن يجري ويجري لكن أين المهرب في هذا الوادي المنبسط لا أشجار ولا أحجار ولا شيء يصلح للاختباء، المقدوم يجري والجمل في أثره ويقترب منه حتى يحس المقدوم بحر أنفاسه المهتاجة يكاد يطبق علي المقدوم الذي سرعان ما يعكس اتجاهه في الجري فيأخذ الجمل المندفع وقتاً حتى يلف خلف المقدوم الذي يجد فسحة يجري فيها لكن سرعان ما تتقلص المسافة لصالح الجمل الهائج فيعود المقدوم للنكوص والالتفاف السريع يتمتم وهو يجري بالدعاء والتضرّع  لله أن ينجيه من هذا الكرب، وفجأة سمع المقدوم صوت إرتطام عنيف بالأرض أعقبه صوت رغاء وتأوه من الجمل وعلا الغبار، التفت المقدوم خلفه يبدو أن الجمل سقطت رجله في حفرة لعلها نفق أرانب أو إحدى الحيوانات البرية أو شق في الأرض، كانت هذه فرصة لا تعوّض بالنسبة للمقدوم فأسرع جارياً وإن كان يشعر بانقباض لما أصاب جمله الأثير لكن الآن الوضع لا يحتمل، أخذ يجري بلا هدى حتى أبصر تبةً مال نحوها ووجد بها جحراً كبيراً يسعه لم يتردد من أن يحشر نفسه بداخله بسرعة خاصةً وأن صوت الجمل قد بدأ يقترب يبدو أنه خلّص رجله من الشق وإستأنف المطاردة، حشر المقدوم جسمه داخل الجحر بصعوبة ووجد بداخله متسعاً وبالداخل التصق بجدار الجحر وضم إليه قدميه لاهثاً وقلبه تزداد نبضاته من الهول، كان الجحر مظلماً به رائحة منتنة لكن رويداً رويداً بدأ المقدوم تعتاد عينيه علي الظلام ميز المقدم بقايا روث وريش طيور وبقايا قفص صدري لحيوان نافق يبدو أن هذا الجحر وكر لضبع أو مرفعين، وسمع المقدوم دمدمة خارج الجحر فالجمل فطن لحيلة اختباء المقدوم في الجحر ويحوم حول الجحر محاولاً الوصول له ليفتك به، والمقدوم ما فتئ يلهج: يامنجي من المهالك ياسابل الستر يالطيف، في غمرة التوتر والهلع أحس المقدوم بشيء يمشي على معصمه فنفضه مسرعاً ولم يكن ذلك الشيء إلا عقرباً رشيقة رافعةً ذنبها إلى أعلى في تحدٍ وعناد ولم يفق المقدوم من صدمة العقرب إذا فاجأه آخر صوت يتوقع سماعه في حالك الظرف الماثل به، إنه فحيح ففي أقصى جانب الجحر الغربي ترقد أفعى ضخمة رفعت رأسها وأخرجت لسانها المشقوق وأخذت تسعى نحو المقدوم، هنا آثر المقدوم الخروج من الجحر ففي الخارج يمكن أن تكون فرص النجاة شبه مستحيلة لكن بداخل الجحر مع هذين السامين فالموت مؤكد، فلما همّ بالتوجه نحو مخرج الجحر وقعت ثالثة الأثافي فقد أدخل الجمل رأسه داخل الجحر يريد جذب المقدوم والنيل منه‘ تقهقر المقدوم وانزوى جانباً وتكوم حول نفسه، أيقن بالموت فالعقرب تسعى نحوه رافعة ذنبها والأفعى تقترب وفحيحها يعلو والجمل يقترب رأسه كلما حشر شيئاً من رقبته الطويلة داخل الجحر، أطبق عليه مثلث الموت متساوي الأضلاع فإما لدغة من العقرب أو عضة من الأفعى أو طحناً وتفتيتاً من الجمل الهائج، توقف الزمن مرّ شريط الحياة مسرعاً أمام المقدوم محطات الطفولة والصبا الباكر وفتوّة الشباب الزواج ومشاعر الأبوّة مرت صور الأهل والأحباب مثلت صور أبنه الصغير حسن الذي جاءه بعد ثلاث بنات وكم فرح به وعقد عليه الآمال وغنى له النمه والدوبيت تمنى لو أن صوته يصل إلى حيث حسن في مضارب أبودليق حتى يوصيه بأخواته خيرا ويطلب العفو والسماح من أمه وزوجته وكل من أخطأ بحقه، أيقن المقدم بالموت استسلم للقدر ردد بتراخي: يا ربي سامحني واقبلني وأعدل قدامتي. شخص بصره يرقب مثلث الموت وهو يطبق عليه، وهنا انفرط عقد الأحداث فهجم الثعبان على الجمل وعضّه بأنفه سرى السم سريعاً في الجمل سحب رأسه خارج الجحر أخذ يتلوى تقهقر تأرجح ثم خرّ أخذ يرفس بقدميه قليلاً ثم خمد جثة هامدة، وجرت العقرب إلى الثعبان ولدغته تلوى الثعبان وتقلّب ثم سكنت حركته ومات هنا خلع المقدوم المذهول مركوبه وسحق به العقرب وخرج من الجحر، استنشق نفساً طويلاً وهو يتحسس جسده غير مصدق أنه نجا من الموت بهذه الأعجوبة وهو يردد: أحمدك يارب وأشكر فضلك نضراً علي أضبح أب أربعه وأقسم لحمو لي المساكين؛ وحانت منه التفاته فأبصر جثة جمله الأثير مرمياً بلا حِراك حزّ ذلك في نفسه فالأبالة لهم رابط قوي مع إبلهم تقدم المقدوم ووقف على جثة الجمل إنسابت منه دمعة قال بأسى: هلّا هلّا يا العنافي الليله خلاس وصلت الميس، ربيتك من صغير سقيتك الدّر وصعّتك السمن درّبتك الدغشاوي وفي المحل علفتك من مونة جناي، إلا الليله فراق الطريفي لي جملو. زفر أنفاس حارة ثم جرّ النمّه:

زايله الدنيا يا أب خُف كلنا للموت

بعد ما كنت سبّاقن تسوى الفوت

الليله إنسلبت الروح بقيت شلتوت

دا حال الدنيا يوم حنضل ويوم سكّوت

تردد صدى النمّه الحزينة في أرجاء الوادي ثم عمّ الصمت.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة