الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء: الضفة المتسخة

بريد القراء: الضفة المتسخة

china_5

بقلم: علاء الدين أحمد إبراهيم

حتى أن صورته لم ترض أن تُرتسم على سطح مياههِ عندما كان يقف على ضفته، فمياهه كانت عكرة وضفته أيضاً كانت كذلك. كان يقف منتصبًا على ضفة النهر كابتسامة نقية بكومة حديث نفاقي مبتذل. كان فتى وسيم الطلعة، مثقف، يحمل قلبًا مشرّعًا لحب الآخر والحرية. لكن كان النهر على النقيض منه تمامًا، حيث لا كتب ولا اسماك بداخله، كما انه لم يكن يؤمن بكتاب سماوي واحد أو يحفظ بيتا من شعر درويش أو أقوال كونفيشوس. ومنذ أن دفقه الله من السماء بهذه البقعة بعد الانفجار المدعو بالكوني العظيم لم يقرأ ولو حرفا من مذكرات جيفارا أو يسمع سيمفونية واحدة لبيتهوفن الضفادع أو ثرثرة عصفور أرهقه سعيه الدءوب للقمة العيش. بل أكاد اجزم بأن الحياة فيه معدومة تمامًا، اللهم إلا بعض التماسيح التي تعيش بداخله وتتبول بمياههِ العكرة. مبررةً ذلك أن عكرة واتساخ مياه النهر تسقط عنه حرمة الملاعن الثلاثة.

 كان الفتى على الضفة يشدو الحان المطر – والأُم – الوطن – والثورة بصوت جميل يغصُ ببؤس عميق وبحة عذبة. ثم فجأة أخذت طيور “ود ابرق” ذات الرؤوس الحمراء تطوق المكان. إذ لم تمر سوى لحظات حتى تشكّلت حوله هالة كبيرة غير مكتملة المحيط مركزها هو بأفكاره وموسيقاهُ. وبإفتاء من مجلس مفتيي الملك. أُلقي القبض عليه باليوم الثاني من داخل منزله بأحد الأحياء المغمورة بحكم حرمة الموسيقى التي كان يدندنها على الضفة ودعاوي أخرى كثيرة. كما أن شعاراتهِ وأغانيهِ قد حرّكت غرائز شيطانية في نفس بنت الملك الجميلة، الأحبُ إلى قلبهِ من ملكهِ وجاههِ والناس أجمعين، ولية العهد القادمة.

صُودر الفتى “إدوارد” من كل ما يملكهُ. لم يتركوا بمعيته سوى موجات الجوع التي كانت تتسكع بأمعائه الفارغة كما الأشباح الليلية. كانت ابنة الملك أكثر المعجبات به، فهي فتاة جميلة، بعقل رجوح، شدقين ونهدين صارخين لولا قَمعية العباءة الملكية الواسعة التي كانت تواريهما، نظراتها كما السهام الحادة، إذ بمقدورها هد جبل بؤس بحجم وطن كبير يغري المنظمات الماسونية على حياكة ثوب مؤامرات قذرة، حتى أن جزءًا من قماش عباءتها السوداء قد انقدّ في شكل عينيها اللوزيتين مفسحًا العنان لنظراتها الساحرة. فكان يقرأ بكل صباح من تلك العينين التي تمردت على سطوة العباءة الملكية – صباح الخير إدوارد اقسم لك بسلطان أبي وجاههِ وجبروتهِ أني احبك بقدر كُرهكما المتبادل كما انه يقرأ أشياءً أخرى من أشيائها بطرق أخرى. إذ لم تفارقهُ عادتهُ وهو بزنزانته حتى. فمبدأ القراءة عنده لا يهم ماذا ولمن وأين وكيف يقرأ، الأهم أن يقرأ. قرأ تقريبًا كل الكتب التي تتزين بها مكتبة وزراء الملك بأيام حبسهِ. إذ كانت “إيلينا” بنت الملك تتسلل إليه خفية بكل صباح مسّربة إليه من الطعام الملكي وبعض الكتب والقبلات وأخبار المعارضين وأحوال البلاد. فحادثة حبسه تلك، أقامت البلاد على رجليها ولم تقعدها لأسبوعين أو ينيف قليلاً. مسيرات فيسبوكية كبرى تندد وتستنكر استبداد وسياسات الملك التقشفية والقمعية. لافتات احتجاجية بلا أسياد تحلق في السماء بعد أن ضاقت بها الشوارع والأسواق والأماكن العامة والميادين. الأسفير وقد ضج بهاشتقاتٍ كأدعية تائهة بين عبيد فجرة ورب كريم مطالبة بالإفراج عنه رفقة رفاقه الآخرين من وزن الريشة.

وطوال الأسبوعين الأسفير ضاق بالهاشتاقات النضالية بلغات مختلفة بقدر اتحاد مضامينها، ذلك تأسياً بالقول – من رأى منكم أسيراً بزنازين الظلم فليخرجهُ انتهاءً بِـ ” …ومن لم يستطع فبلافتتهِ ومن لم يستطع فبهاشتاقهِ ذلك أضعف أنواع النضال”

موجة من الاغتيالات والتفجيرات الانتحارية بالمساجد و الملاهي الليلية والكنائس ضربت أرجاء البلاد وأرّقت العيون والأرواح الملكية النوم. حوادث اختطافات واختفاءات غامضة. احتار الملك في : ماذا يفعل.

ثم فجأة فإذا بفكرة عبقرية تقفز فوق رأسه كشبحٍ طفل مشاغب، تذكر أن ذلك الفتى بالزنزانة قد أُفتُتِن وافتتنت به ابنته الجميلة إلينا. فأصدر الملك باليوم التالي مرسوماً يقضي بعتق إدوارد وتعيينه وزيرًا بالبلاط الملكي وتزويجهِ بولية العهد القادمة، إذ رأى فيه الملك ما رأى من الحنكة والذكاء والطَيش والغباء!. فأصبح إدوارد الذراع الأيمن للملك ويده الباطشة التي أبكمت أفواه معارضيهِ وأسكتت بعضها للأبد.

الإذاعات والقنوات التلفزيونية الموالية للنظام الملكي امتلأت حد الفيضان بأغاني النصر المفخخة بعبارات تمجد الملك وسياساته بما في ذلك موسيقى السلام الملكي التي تكاد تصم الأخرس!.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة