الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء: يأتي الجميل وإن تأخر

بريد القراء: يأتي الجميل وإن تأخر

efcb68c5ebb3b1ad1b8b9522e09babd62451_lg

بقلم: يوسف أزهاري

لم يكُن زواجها عاديًا، تِلك التي تجاوز عمرها السابعة والعشرين عامًا، كان الجميع يُسيئون إليها بقولهم ” بايره “، لكنها لم تكن كذلك يومًا .. لأن الله أخر زواجها لشيءٍ ما أعظم، أخَرَهُ لتلتقي برجُلٍ ليس كمِثلهِ شيء، رجُلً يستحي القمر حتى من النظرَ إليه .
– وجميع صديقاتها قد تزوجن، هُن اللائي كٌن يضحكن عليها بصيغة المُزاح كَذِباً قائلات : لقد مرّ القِطار يا عزيزتي، ستشيخين بين زوايا منزل والدك، ستموتين عانِساً .. ومن ثم يضحكن !.

ولكن ، ها قد أتى اليوم المنشود ..
الجميعُ يتهامسون ، يا لها مِن فتاةٍ محظوظة .. أنظُرن كيف هو جميل الطلعة، قيل أنهُ غنيُ جدًا  سيأخُذها لقضاءِ شهر العسل بإحدى المُدنِ الكُبرى رُبما البندقية أو لندن أو جزر البهاما أو ربما باريس، يجتمِعنَ صديقاتها عابِسات وِجوهَهُن كمن سُرِقَ مالهُ وهو وسط بلدٍ ليس لهُ فيهِ غيرَ نَعلِه .. لتقولَ إحداهُن : ليتني لم أتزوج لأحظى بِفُرصةٍ مثل هذه، لِتُردِفَ أُخرى : كُنا نسخَرُ منها كثيرًا وقد جاء دورها لترد الصاعَ صاعين .

ذهب الجميع إلي المسجد لحضور عقد القران المبارك .. بينما يجلس هو مرتديًا جلابيتهُ البيضاءَ وأضِعاً شاالَهُ على كَتفِهِ بصورةٍ مميزة كما أوصته حبيبته تمامًا .
– عندما كان الإمام يَقِفَ خاطِباً مِن على المِنبَر كان موجِهاً بصره عليهٍ وكأنَهُ ينظُرَ إلى القمر، وبعد كل جُملة يخطُبَ بها كان يُردد و فمَهُ على المَيكرفون ما شاء الله .. 
انتبه المُصلين ووجهوا بصرهم نحو الشخص الذي ينظُرَ إليه الإمام، لِتَخرُجَ من أفواههم جميعًا ” ما شاء الله ” ، وكأن يوسُفَ الصديق يجلس أمامهم ، لهُ لِحيةُ كنجفةٍ مُضيئة وسط منزلٍ تُحيفه التُحفُ الأثرية، و حاجِبانِ هلاليان كقوسِ قُزح تسبُقَهُ سماءُ تُرسِلَ رذاذها على وجه طِفلٍ يحبو وِصولًا لِحِجر أُمهِ فَرِحاً .
– تخرج العروس مرتدية فُستانا أبيض قد ابتاعه لها زوجها لتحتفظ بِه ويكونَ ذِكرى زواجهُما يحتفِلانِ به سويا كُلَ عام .
كانت جميلةُ جدًا، تضع حول عنقها سلسلاً مِن الذهب يحمل اسميهما، وعلى أذنيها حلق يأخُذ طابع القلب الذي لا يصدأ .
أتت قُبالة صديقاتها ثم ابتسمت لهُن وقالت بطيبِ خاطِر : أُحِبُكُنَ كثيرًا، هلاّ دعوتم ليّ بالخير .. فأنتم خيري ! ومضت تجلس قُرب زوجها لِتكتمِل اللوحة .

شبكا أياديهما سويًا وقال : انتظرت هذه اللحظة طويلًا، أو تعلمين كم أُحِبُكِ ؟
قالت : ولكن منذ متى وأنت تُحبني !
قال : منذ اليوم الذي قلت فيه لوالدتك ردًا على ذلك الذي أتى متحدثا عنكِ ” لا ، لن أتزوجه يا أمي .. لا يهمني ماله ، فقلبي لا يخفق مستقيمًا منذ أن رآه “.
قالت : وماذا أيضاً ..
قال : أنا الذي رميتك بذلك الحجر الصغير فأدميتك !
نظرت إليه ثم وضعت يدها على وجهها متحسسه مكان جُرحٍ قديمٍ وقالت بتعجب : أنت !
قال : نعم ، أنا الذي وضعت هذه العلامة علي وجهك منذ أن كُنا أطفالًا نلهوَ ونلعب .. كُنت أدعو الله كثيرًا أن يحفظَ لي صاحِبة الندبةِ هذه إلي أن نلتقي مجدد ، وها قد إلتقينا .
لتحكم قبضتها على يدِهِ وتقول مبتسمة بعد أن تذكرته : وأنا التي كُنت أُمزق لكَ كُراس الرياضيات كونك كنت تقوم بحل تمارينك قبلي !
قال : وماذا أيضاً ؟
قالت : أنا التي كُنت أضرُبَ كل فتاةٍ تقترب منك ولو على بُعدِ مِترٍ وأحِد .
وماذا أيضا !
أجابت : وكأن الله رتب لنا كل ذلك لنلتقي مجددًا ، أو ربما دعوة أمي بأن ألتقي بشخصٍ صالِح كان نتاجها أنت .
– أزاح خِصلةً تسللت خفية نحو إحدى عينيها وقال : لو علِمتُ أنّ الندبةَ ستجعلَ منكِ جميلةُ هكذا لملأتُكِ نِدوبًا .
هكذا كانت .. أُنثى ملِكة على قلبِ زوجها ، صبرت ونالت ثمرة صبرها حُبا سُقيّ منذ الصِغر .
– ” عندما يتأخر نصيب إحداهُن فهذا يُقال عنه : أنّ نصيبها لم يأت أوانه بعد ، أو أنّ الله أخرَ ذلك لشيءً جميلً يعلمهُ هو ، فأحسِنوا القولَ رحمنا ورحمكم الله 

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة