الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة:”دع الروح تتدلى”: كيف يغذي شرود الذهن الإبداع

ترجمات خاصة:”دع الروح تتدلى”: كيف يغذي شرود الذهن الإبداع

4ff076423781b6068e46863f8d106c02

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

(يدان في صلاة / آلبرخت دورر)

لطالما عدّ أصدقاء فنان عصر النهضة آلبرخت دورر أستاذًا في فن شرود الذهن، فهو يمكن أن “يغرق” في تأملاته الذاتية الممتعة كليًا كما كتب عنه عالم الإنسانيات الألماني ويلييبالد بيركهيمير، حيث كان يبدو دورر في بعض الأحيان “أسعد شخصٍ على وجه البسيطة”.

يعرف العديد منّا شرود الذهن بأوجه متعددة:المماطلة، التأمل و التفكر، جلد الذات، أحلام اليقظة، و لكن وبالرغم من أن الطواف الذهني يبدو مُثمرًا بعض الأحيان إلا أن له جانبًا لا لبس فيه يكون فيه عادةً سيئة: إعاقةٌ عن بلوغ إمكاناتنا الكاملة. ولربما منح الغرق في أحلام اليقظة فسحة من الواقع وشكلًا من أشكال الإلهام نعم، لكن ذلك يساوي قابلية العقل للاجترار العقيم اللاذع حين يُترك على هواه خصوصًا حين نكون في قبضة الاكتئاب أو القلق أو الهواجس.

هل يُمكن للفن بذاته أن يكون حافزًا يلكزنا إلى أوضاع عاطفية وذهنية أجدى؟ سواء كان قطعة أدبية أو موسيقى راب أو لوحة زيتية تجريدية فإن العديد منّا يدرك أنه قادر على تحسين مضمون أفكارنا وفحواها بتأمل الفن. ينص أحد الأقوال المشهورة اللطيفة عند الألمان عن فوائد الإبقاء على فراغ الذهن (أو عطالة الذهن) فيقولون: ‘die Seele baumeln lassen’ والذي يعني “دع الروح تتدلى”، وهو ما بدأ علم الأعصاب الجمالية الناشئ الآن بكشفه وذلك بكشف العملية الحيوية الكامنة وراء هذا “التعلق أو التدلي”.

لنبدأ بما توصل إليه علم الإدراك الحديث بعرضه عددًا كبيرًا من الأدلة على كون الحالة الذهنية ترسل وتستقبل موجات من أسباب وتأثيرات من وإلى بقية أجزاء الجسم، فكر مثلًا كم يسيل لعابك حين تشاهد صورة لكعكة شوكولاتة شهية، أو كيف تتوتر حين مشاهدة مسلسل إثارة على التلفاز. إن الأفكار والمشاعر والعواطف سواء كانت متعمدة أو عشوائية ما هي إلى سلسلة جسمانية تعاقبية من الأحداث الحيوية المتعددة، و هذه السلسة هي تلك التي يتغذى عليها الفن.

كان جالينوس -الطبيب اليوناني الشهير في القرن الثاني- على علم بالاتصال بين الجسد والعقل حيث اعتقد بأن شرود الذهن هو نتاج إعياء وثقل جسدي وعقلي، وبناءً عليه كانت وصفته العلاجية لهذه الحالة نظامًا منطقيًا وقاسيًا من العمل المُنظم لتفادي الوقوع فيها، و يُعتقد أنه صاحب المقولة “يفضي الكسل إلى خفة الدم”. يفترض هذا الاعتقاد أن هذه الصلة هي شكلٌ من أشكال الانضباط النفسي الجسدي،حالةً علينا أن نعمل فيها لنوقف شرود أذهاننا وأجسادنا من انحرافها وخروجها عن السيطرة.

بيد أنه هناك اعتقاد تراثي في اليونان القديمة يُصور أحلام اليقظة كدفعة معززة لسلامتنا، وأما سلف جالينوس أبقراط فكان اعتقاده بأن شرود الذهن هو في واقع الأمر الطريقة الأمثل لإرشادنا لنعود إلى حالة صحية وسليمة. وتُظهر الأبحاث الحديثة اليوم في علم نفس النمو أن الأطفال والبالغين الذين ينخرطون في أشكال محددة من الشرود الذهني هم في الحقيقية أكثر مرونة إداركيًا، وأفضل حين يُطلب منهم ممارسة عمليات “تنفيذية” كحل المشكلات والتخطيط والتحكم بأفكارهم وعواطفهم.

بدأ التصوير العصبي -طريقة لرؤية الدماغ خلال عمله- بكشف عمليات الدماغ التي ترتبط بهذه الحالات الذهنية. وبعيدًا عن جعل الدماغ في حالة من الخمول طُلب من هؤلاء الأشخاص أن تكون أدمغتهم في حالة من الهدوء وعدم التفكير بأي شيء و تحديدًا الإبقاء على حالة من الفوران والنشاط في أنماط من النشاطات تُعرف باسم شبكة النمط الافتراضي (DMN). وترتبط هذه النشاطات بتلك التي ينخرط فيها الشخص حين تفكيره بذاته وبتجربته الذاتية وبالحدس، و تراقب هذه النشاطات جنبًا إلى جنب مع أنماط النشاطات التي تحدث في قشرة الفص الجبهي – المنطقة المقترنة عادةً بهذه العمليات “التنفيذية” المهمة. ومما يلفت النظر بوضوح أنه كل ما زادت قوة العلاقة بين مجالي الدماغ – الحدس والعمليات التنفيذية- كلما مال الشخص إلى التمتع بإبداع ظاهر حين يُطلب منه حل مشكلة. تبرهن صور الدماغ على العلاقة والترابط لا العلاقة السببية ولكنها أيضًا تُلمح إلى إمكانية مساعدة أحلام اليقظة على تجهيزنا قبلًا على التفكير بإبداع و إنتاجية بترسيخ وتوطيد بشكل ما إحساسنا بذواتنا، ورسم الجسد والعقل معًا في سلسلة من الأفكار والأحداث الحيوية.

يُمكن للفن أن يكون محفزًا لهذا النوع من الاستغراق في أحلام اليقظة وكذلك أداة لتنظيمها والتحكم بها. فالفن يتضمن سواءً في خواصه الأساسية (سواء كانت مفتاح أساسيًا أو جانبيًا كألوان اللوحة مثلًا) أو تعقيدات محتواه (كلمات الأغنية، تعبير وجه شخص في لوحة) تأملات وعواطف و سيؤثر حتمًا على فسيولوجية أجسادنا. حيث ارتبط التفكير الإبداعي والاستغراق في الأعمال الفنية بنشاطات النمط الافتراضي وخصوصًا حين يعبر الأشخاص عن كون التجربة الجمالية قوية وعميقة بالنسبة لهم. ويبدو في هذه اللحظات أن اشتباكنا مع الفن يحفز أحلام يقظة ذاتية، تجربة متدفقة يرافقها “العامل أنا”.

كما يُمكن أيضًا للفن أن يُثير الحاجة عديمة الجدوى لاجترار الأفكار، فالاستماع مرة تلو الأخرى لتلك الأغنية بعينها لربما لن يعينك على تخطي ما كسر قلبك. لكن الفن الذي يستحث الحزن لا يتسبب دومًا في انزلاقك إلى دوامة الحالة السلبية للعقل، بل إن الفن في الحقيقة يمكن أن يساعدنا على التكيف مع المصدر المباشر للألم بتقمصه كركيزة للتنفيس عن الشعور. جمعينا نعرف ذاك الشعور الغريب الممتع المواسي الذي يتبع نوبة بكاء طويلة، و يظهر أن هذا الشعور يصحب إفراز هرمون البرولاكتين والذي يرتبط أيضًا بجهاز المناعة المعزز وكذلك هو الشعور الذي يخلقه الارتباط بالآخرين. ولنوبات شعورية كهذه فإن الفنون مساحة آمنة نسبيًا مقارنة بالحالات العاطفية الواقعية التي تدفعنا للبكاء، و لذا فحتى الفن المُحزن أو المؤلم يمكن أن يُستخدم كمحفز لنوع من التنفيس والتطهير النفسي الإيجابي وذلك مرورًا بشرود الذهن.

إن التاريخ مليء بأمثلة على العلاقة بين أحلام اليقظة والإبداع وهذا أحد الأمثلة غير الاعتيادية:

 مؤرخ الفن الألماني آبي واربورغ (1866-1929) والذي رتب مكتبته التي تضم 50 ألف كتاب بهدف تعزيز مبدأ شرود الذهن. كانت مجموعته من المؤلفات نواة مؤسسة واربورغ في لندن حيث نعمل الآن هناك كباحثين، وكل طابق من طوابق المكتبة الأربعة مخصص لواحدة من عناصر أربع هي: الصورة، الكلمة، الاتجاه، الفعل، وكل عنصر مُقسم إلى مواضيع ثانوية أخرى كـ “السحر والعلم” و “نقل النصوص الكلاسيكية” و “تاريخ الفن”. و بتوجيه من أفكار واربورغ حول كيفية كونك جار طيب للكتب سمحت طريقة التصنيف الفريدة هذه للمبضع الطبي الذابل للقرن السابع عشر أن تجتمع جنبًا إلى جنب مع نصوص الرياضيات والفلك و الموسيقى. وتعزز هذه الرفوف مبدأ المصادفات الثقافية حين تقفز من كتاب (أو فكرة) ظننت أنك ترغب بها لأخرى أو موضوع آخر لم يخطر ببالك حتى.

أجلّت معظم الثقافات والمجتمعات تقدير الفن وقدرته، وعادةً ما يُصور كنشاط إدراكي مُضني ولكن ذلك يتسبب بنسيان الفرصة التي يخلقها الفن للتعبير عن العواطف القوية و شرود الذهن الإيجابي والانضباط النفسي الذاتي. ولربما كان دورر خير من التقط هذا النشاط القائم على السكون أكثر من غيره حيث كتب: “إذا كرس الواحد ذاته للفن فإن أطنانًا من الشرور سيتجنبها كانت لتقع إذا بقي الواحد عاطلًا”.

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن أقرأ وأتطوع وأُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش .