الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: الحضارة الكوشية “إستكشاف العظمة الممتدة للمملكة القديمة”

ترجمات خاصة: الحضارة الكوشية “إستكشاف العظمة الممتدة للمملكة القديمة”

meroe-opener.adapt.676.1

بقلم : Nùria Castellano

لقراءة الموضوع الأصلي ( هنـا )

*ميروي… المدينة الثرية، الواقعة على نهر النيل، بأهراماتها العديدة الشامخة، ومكانتها المرموقة بين الأمم القديمة؛ إنها المدينة التي شاءت لها الأقدار، وشاء لها أهلها، أن تكون مركز وعاصمةً لواحدة من أبرز الحضارات وأقدمها : الحضارة الكوشية، والتي ظلت ثقافتها راسخة شاهقة عبر قرون من الزمن .

واليوم في زمننا المعاصر، صارت المدينة التاريخية – التي تقع في السودان الحالية – ضمن مواقع التراث العالمي وفقا لتصنيف اليونسكو، وتظل شاهدًا على عظمة وشموخ الملكات والملوك النوبيين الذين عاشوا وتألق ذكرهم في الأزمان الغابرة.

وقد لعبت ثقافة النوبة دورًا بارزًا وحاسمًا في الحياة المصرية القديمة منذ القرن الثامن قبل الميلاد وحتى وصول النوبيين إلى سدة الحكم في مصر مكونين الأسرة الخامسة والعشرين الحاكمة .

ثم، وبعد أن فقدوا حكم مصر، تراجع النوبيون إلى الجنوب ليكونوا مملكتهم الخاصة : مملكة كوش، والتي نمت وازدهرت على مر الأيام، بعيدًا وفي منأى عما كانت تعانيه بقية مصر وقتها من غزوات متكررة من  قوات الأشوريين والفرس واليونان  .

استطاع الكوشيون الحفاظ على استقلاليتهم وتنمية مزيجهم الثقافي الخاص النابض بالحياة ، والمتولد – وفقا لآراء كثير من العلماء – عن تزاوج الثقافة المصرية والدين، وذلك حتى ما بعد القرن الرابع الميلادي . وقد برع الكوشيون في استخراج المعادن وتطويعها، وسباكة المشغولات الذهبية البديعة، كما برعوا أيضًا في تزيين عاصمتهم بشواهق المعابد وعظيم القصور والحمامات الملكية؛ أما أعظم إنجازاتهم الحضارية فقد تمثل في  العدد الهائل من الأهرامات التي قاموا بتشييدها، حيث بنوا ما يزيد عن مائتي هرم تم تشييدها في مدينة الموتى / منطقة الجبانات بالعاصمة.

الأسرة الخامسة والعشرين من حكام مصر :

في نهايات القرن العشرين، أمضى عالم الآثار السويسري شارلز بونيت عقودًا من الزمن في البحث والتنقيب بالمناطق الواقعة جنوب نهر النيل، حتى تمكن أخيرًا من العثور على دليل يثبت أن ثمة حضارة عظيمة نمت وترعرعت في تلك البقعة، حضارة النوبيين، وهي حضارة قامت على التجارة بصورة أساسية، كما أنها كانت وافرة بالحقول الخصبة والثروة الحيوانية. وقد كانت تلك  الحضارة متمايزة عن الحضارة المصرية حيث كانت لها ثقافتها وتقاليدها الخاصة .

وفي الوقت الذي كانت المملكة الوسطى المصرية، في حوالي 1785 قبل الميلاد، تعاني من التدهور والاضمحلال، كانت قوة ونفوذ الحضارة النوبية ينمو ويتعاظم سريعاً؛ وبحلول1500  قبل الميلاد، كانت المملكة النوبية قد نجحت في التمدد من وادي حلفا جنوبًا وحتى ميروي .

وقد تمركزت السلالة النوبية الحاكمة في عاصمتها الأصلية ” نبتة “، حيث أخذت قوتهم العسكرية والاقتصادية في النمو خلال القرن التاسع قبل الميلاد، وبحلول عام730  قبل الميلاد تمكن الملك النوبي ” بيي” من غزو مصر وضمها تحت لوائه، فصار الفرعون الأول للأسرة الخامسة والعشرين التي حكمت مصر حتى 656  قبل  الميلاد، وهي الأسرة التي يطلق عليها {الفراعنة السود } .

وبذلك تمكن بيي من بسط نفوذه الهائل على وادي النيل بأكمله .

وفي عام 715 قبل الميلاد، توفي الملك بيي بعد حكم استمر لخمسة وثلاثين عامًا، وعلى الرغم من أنه كان قد عاد إلى موطنه، النوبة،  بعد غزو مصر، إلا أنه قد أوصى بأن يدفن وفقًا للطريقة المصرية، وبالفعل احترم رعاياه مطلبه الأخير وتم دفنه في هرم، وبذلك أصبح بيي أول فرعون يتم دفنه بهذه الطريقة منذ ما يزيد عن خمسمائة عام.

وقد استمرت الأسرة الخامسة والعشرين في حكم مصر لثلاثة أرباع القرن، إلى أن انتهى عهدها على يد الأشوريين الذين قاموا بغزو مصر وأسقطوا حكم سلالة بيي، وقاموا بمحو أسمائهم من كافة المعالم الأثرية في جميع أرجاء مصر؛ ولم يكتف الغزاة بذلك بل أعملوا التدمير في كافة التماثيل واللوحات التي تمت بصلة لحكام الأسرة الخامسة والعشرين، مدفوعين في ذلك برغبة جامحة لمحو كل ذكر لتلك السلالة .

بعد هزيمتهم، ارتد النوبيون عائدين إلى نبتة، وبحلول القرن السادس قبل الميلاد  اضطروا لمزيد من التقهقر نحو الجنوب، وذلك حينما قام الفرعون بيسماتيك الثاني – من الأسرة السادسة والعشرين بسلب نبتة .

ومع استقرارهم في الجنوب، أسس الكوشيون عاصمتهم الجديدة الشهيرة ” ميروي “، والحق أنهم قد أحسنوا بالفعل اختيار موقع عاصمتهم الجديدة، ليس فقط من الناحية التجارية الإستراتيجية- حيث كانت تقع على ملتقى الطرق التجارية الإفريقية الداخلية، وعلى طريق القوافل القادمة من البحر الأحمر- ولكن أيضا من الناحية الجغرافية الطبيعية، حيث تمتعت ميروي بأرض خصبة وموارد طبيعية وفيرة ومناجم غنية بالمعادن النفيسة كالحديد والذهب .

تلك الهبات الطبيعية التي تمتعت بها ميروي كانت بمثابة أحد أهم الروافد المغذية للحضارة الكوشية، وساهمت بشكل فعال في ازدهار الصناعات المعدنية بها، وبصورة خاصة صناعة المشغولات الذهبية .

المقابر الملكية :

لم تكن ثقافة وتقاليد الدفن عند الكوشيين بمعزل عن البيئة المحيطة بهم، بل نراها قد تأثرت إلى حد بعيد بتلك التوليفة الخاصة والمميزة من الممارسات الثقافية والتقاليد الدينية المصرية والإفريقية، وحتى بعد انتقالهم للجنوب، ظل التأثير المصري تحديدًا باقيًا لم يخفت أو يبهت أثره في وجدان الكوشيين، حيث استمروا في دفن ملوكهم في مدينة الموتى / نيكروبوليس التي كانت تقع في نوري بالقرب من نبتة، والتي كانت مركز عبادة الإله المصري آمون .

وفيما بعد، في حوالي عام 250  قبل الميلاد، صارت ميروي هي المدينة المفضلة للدفن، وضمت منطقتين للجبانات، أقدمهما هي منطقة الجبانات الجنوبية والتي ما إن امتلأت عن بكرة أبيها حتى شرع الكوشيون في إقامة منطقة ثانية للجبانات في الشمال، وهي التي تحوي حاليًا أفضل مجموعة من الأهرامات الباقية في ميروي، حيث يرقد ثلاثون ملكًا وثمان ملكات وثلاثة أمراء .

الأهرامات الكوشية :

كان الكوشيون في بداية عهدهم ببناء الأهرامات، يقومون بتشييدها وفقًا للطراز الهرمي التدرجي، أي أن أهراماتهم الأولى كانت تتخذ شكل الهرم المدرج؛ وفي القرن الثالث  الميلادي بدئوا يتبعون تصميمًا أكثر انسيابية  في بنائهم للأهرامات .

ومن المرجح أنه كان يتم استخدام آلة ” الشادوف” كأداة رافعة للكتل الحجرية المستخدمة في بناء الهرم ؛ وبعد الانتهاء من إقامة الهرم، كان يتم تغطية سطحه الخارجي بالقرميد، ثم يكتسى بالكامل بطبقة زاهية اللون من الجص .

وقد عمد الكوشيون إلى نحت مجموعة من السلالم في جهة الشرق من كل هرم من أهراماتهم، حيث تتجه تلك السلالم الحجرية نحو الأسفل إلى حيث المدخل المغلق الذي تقع خلفه مجموعة من غرف الدفن الملكية، ثلاثة منها للملك واثنتين للملكة؛ وكان يتم تزيين جدران غرف الدفن، في الأهرامات الأقدم عمرًا، بمشاهد من  كتاب الموتى المصري ” كتاب الخروج إلى النهار “، كما كان يتم وضع الجثمان في تابوت خشبي مصور عليه وجه المتوفى، ثم يوضع التابوت في مثواه الأخير بغرفة الدفن وبرفقته مجموعة من القرابين الحيوانية ، وفي بعض الأحيان قرابين بشرية من خدم المتوفى ، حيث تدفن أجسادهم في مكان قريب.

وبالقرب من الهرم، كان يتم تشييد مصلى / معبد ذو مدخل يتصدره عمودين مستدقين، وفي داخل المصلى يتم وضع لوح وطاولة أضحيات، بالإضافة إلى تمثال لما يعرف بال {با} والذي يعد أحد أبرز المعالم لثقافة ميروي، ويرمز إلى جانب الروح الإنسانية التي ساد الاعتقاد قديمًا بأنها العنصر الذي يمنح الإنسان فردانيته التي تميزه، وكان يتم تصوير ال { با }على هيئة طائر ذو رأس إنسان .

ملكات / أخوات ميروي القويات ! :

لم تكن النساء في معزل عن المشهد الحضاري قي ميروي، وإنما تمتعت تلك الحضارة بحضور بارز للعنصر النسائي، متمثلاً في ملكات ميروي القويات اللائي رسمن أحد الملامح المميزة لمدينتهن وحضارتهن بأكملها.

في تأريخه الشهير، يورد لنا المؤرخ اليوناني سترابو سيرة إحدى ملكات ميروي والتي كانت تدعى “Candace  كانداكا  “والتي بلغت من القوة والحنكة أن تمكنت من توقيع معاهدة سلام مع الإمبراطور الروماني أوغسطس .

وفي حقيقة الأمر، فإنCandace   كانداكا كان يعد لقبًا أكثر منه اسماً، ويعني ” أخت ” وكان يطلق على ملكات كوش.

كما أورد سترابو أيضًا بعض الأخبار عن عدد آخر من الملكات الكوشيات مثل الملكة ” أمانيريناس ” وخليفتها الملكة ” أمانيشا خيتو “، وفي عام 1922  اكتشف عالم الآثار جورج ريزنر مقبرة أخرى لإحدى الملكات وتدعى ” خينوا “.

صمود الحضارة الكوشية :

استمرت الحضارة الكوشية مزدهرة وقوية لقرون عدة، إلى أن وقعت الحادثة التي كان من شأنها أن تغير مسار تلك الحضارة …حادثة مصرع كليوباترا .

جاء موت كليوباترا في عام 30 قبل الميلاد ليحمل معه عاصفة التغيير، ليس لمصر فقط ولكن للحضارة الكوشية أيضًا؛ فبموت تلك الملكة المثيرة، تحولت مصر إلى مقاطعة رومانية، وهو ما أدى إلى لي عنق الاتفاقية، الهشة أساسًا، التي لعب فيها الكوشيون دور الوسيط مع روما.

وفي نفس الوقت ساهمت الثورات والقلاقل التي ضربت مصر العليا في قيام الرومان بشن الغزوات المتلاحقة، الواحدة تلو الأخرى، على الأراضي الكوشية، وهو ما شكل تهديدًا خطيرًا على مناجم الذهب بالمنطقة .

ولم تقف القوات الكوشية مكتوفة الأيدي أمام تلك الهجمات الشرسة، بل استبسلت في الدفاع عن أراضيها، وقامت بمهاجمة القوات الرومانية في أسوان – أقصى الحدود الجنوبية للإمبراطورية الرومانية – بقيادة الملكة الكوشية الجبارة ” أمانيريناس “، التي وصفها سترابو في أعماله بأنها {المرأة الذكورية { أو } المرأة التي حازت قوة الرجال}

كافحت الملكة / الأخت ” أمانيريناس” بشجاعة وبسالة تستحقان الإعجاب، إلا أنها منيت بالهزيمة في نهاية المطاف، فتقهقرت عائدة إلى ميروي، ومنذ ذلك الحين نأت المملكة الكوشية بنفسها عن الصراعات وتركت لتحيا في سلام لوقت طويل .

ومرت السنون، إلى أن جاء القرن الرابع الميلادي ليسطر نهاية ميروي العظيمة على يد مملكة ” أكسوم ” التي نجحت في غزوها ، فانتهت المدينة / العاصمة وبهت ذكرها عبر الزمن .

ذهبت ميروي، ولكن بقي بريق الذهب المكتنز في مناجمها، والمصاغ في مشغولاتها وصنائع أهلها، الذين برعوا أيما براعة في تطويع ذلك المعدن النفيس …  بقي بريق ذهبها  يلقي بأشعته وألقه عبر القرون ، ناسجًا الحكايا والأقاصيص، والشائعات، حول كنوز ونفائس تحويها المدينة بين أطلالها؛ إلى أن وصلت تلك الحكايات إلى مسامع سارق القبور الإيطالي ” جيوسيب فيرليني ” .

في عام 1834 سافر فيرليني إلى ميروي، حيث شرع في نهب قبورها وسلبها، مسبباً من الدمار الفادح لتلك المقابر ما يرثي له علماء الآثار حتى اليوم، إلا أن القطع الأثرية البديعة التي حملها معه قد فتحت أعين العلماء الأوروبيين على هذه الثقافة الغامضة بكل ما تحمله من ألغاز، والتي استوعبت بين طياتها التقاليد العتيقة للحضارة المصرية  الفرعونية .

* * *

Capture

الآلهة تبارك الملكة :

تم العثور على ذلك النقش من الحجر الرملي في المعبد الجنائزي للملكة الكوشية ” شاناكداخيتي “، والتي حكمت خلال القرن الثاني قبل الميلاد .

كانت شاناكداخيتي أولى الملكات اللائي امتلكن السلطة والسطوة في ميروي، ويعتقد أنها قد تنازلت عن العرش لابنها، وهو الأمير الذي أتى ذكره في ذلك النقش.

وبالرغم من أن ثقافة ميروي قد استطاعت تطوير ذاتها وخلق صفاتها وعاداتها المميزة لها، إلا أن التأثير المصري قد ظل حاضرًا بين جنبات تلك الثقافة، وهو ما يتجلى بوضوح في ذلك النقش، سواءً من خلال أسلوب النحت أو من خلال حضور الآلهة المصرية : أوزوريس- تحوت- إيزيس، كما يتجلى أيضًا عبر اللقب الذي خلعته الملكة شاناكداخيتي على نفسها : ” سيد الأرضين ” وهو لقب  مصري أصيل .

1- يصور ذلك الجزء من النقش مجموعة من كبار المسئولين يقفون في صفوف ويقدمون القرابين أمام الآلهة والملكة شاناكداخيتي

2 –يصور ذلك الجزء من النقش طاولة كبيرة محملة بصنوف من التقديمات من الطعام والشراب، يتم وضعها أمام الإله أوزريس، إله العالم السفلي .

3 – يصور ذلك الجزء من النقش مجموعة من طاولات التقديمات والأضاحي، وضعت أمام الإله تحوت، إله الكتابة وكاتب العالم السفلي .

4- يصور ذلك الجزء الملكة شاناكداخيتي متصدرة المشهد، ويركع أمام عرشها مجموعة من السجناء في خضوع لسلطانها.

5 –  يصور ذلك الجزء  الأمير جالسًا، وفي موضع منخفض عنه يوجد مجموعة من الصغار، يعتقد أنهم أبناء الملكة.

6 –  يصور ذلك الجزء من النقش  الإلهة إيزيس وهي تفرد جناحيها الحاميين لتبارك الملكة شاناكداخيتي وعائلتها

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر