الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: بينما نحن نائمون يذهب عقلنا في رحلة مدهشة (2/1)

ترجمات خاصة: بينما نحن نائمون يذهب عقلنا في رحلة مدهشة (2/1)

bigstock-Sleeping-5796071

مترجم عن ناشيونال جيوجرافيك– عدد أغسطس 2018

BY: MICHAEL FINKEL PHOTOGRAPHS BY: MAGNUS WENNMAN

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

 

“لقد جعل مجتمعنا المُضاء الحرمان من النوم أسلوب حياة. لكننا نعرف أكثر من أي وقت مضى كيف نرتاح – وكيف يحافظ النوم على صحتنا”.

تقريبًا كل ليلة في حياتنا؛ نمر بمرحلة تحول مذهلة. فعقلنا يُغيّر من تصرفاته وأهدافه بشكل كبير، فيجعل وعينا مُعتِمًا. ولبعض الوقت نصبح تقريبًا مشلولين بالكامل، ولا نستطيع حتى أن نرتعش، أما أعيننا، فتتحرك حركات سريعة على فترات منتظمة تحت جفوننا كما لو كانت ترى، والعضلات الصغيرة الموجودة بمنتصف آذاننا حتى في الصمت، تتحرك كما لو كانت تسمع. كما أننا نُحفزّ جنسيًا كلا من الرجل والمرأة، بشكل مكرر، وفي بعض الأحيان نصدق أننا نستطيع الطيران. إننا نقترب من حدود الموت. إننا ننام.

في حوالي 350 ق.م، كتب أرسطو مقالاً عن “النوم واللانوم”متسائلاً فقط عما نفعله، ولماذا نفعله! ولمدة 2300 عام بعدها لم يستطع أحد تقديم إجابة جيدة. وفي عام 1924 اخترع الطبيب النفسي الألماني هانز بيرجرمخطاط كهربية الدماغEEG، والذي كان يسجل النشاطات الكهربائية في المخ، ومن هنا انتقلت دراسة النوم من فلسفة إلى علم. ولكن في العقود القليلة الفائتة فقط، استطاعت الآلات التصويرية السماح لنا بلمحة أعمق إلى عمل المخ الداخلي، حتى وصلنا إلى إجابة مقنعة لسؤال أرسطو.

كل شيء عرفناه وتعلمناه عن النوم قد أوضح أهميته لصحتنا الجسدية والعقلية. إن نمط النوم والاستيقاظ لدينا هو جزء محوري من البيولوجيا الإنسانية -تأقلم على الحياة على سطح كوكب يدور باستمرار، بعجلة لا تنتهي من الليل والنهار. في 2017 تم منح جائزة نوبل للطب لثلاثة من العلماء الذين قاموا في 1980، 1990 بتحديد الساعة الجزئية داخل خلايانا التي تجعلنا في تزامن مع الشمس. عندما ينكسر هذا التناغم اليومي، كما أشارت الأبحاث الحديثة، تزيد نسبة إصابتنا بأمراض مثل السكر، أمراض القلب، والخرف.

ومع هذا فإن حدوث اختلال في التوازن ما بين أسلوب الحياة ودورة الشمس قد أصبح شائعًا جدًا. “يبدو أننا نعيش الآن العواقب السلبية للحرمان من النوم حول العالم”؛ يقول روبرت ستيك جولد، مدير مركز النوم والإدراك في كلية الطب بجامعة هارفارد. متوسط معدل نوم الفرد الأمريكي الآن النوم أقل من سبع ساعات في الليل، أقل ساعتين من المعدل في القرن الماضي، وهذا بصورة رئيسية يرجع إلى انتشار الأنوار الكهربائية، تليها أجهزة التلفاز، والحواسب الآلية والهواتف الذكية. في عالمنا المضطرب ومجتمعنا المُضاء، عادة ما نفكر في النوم كعدو، حالة تمنعنا من الإنتاج واللعب. توماس أديسون الذي اخترع المصابيح الكهربائية قال إن “النوم شيء سخيف، وعادة سيئة”، وقد كان يرى أننا في نهاية المطاف سنتخلى عنه تمامًا.

النوم الليلي الكامل الآن يبدو نادرًا ومن طراز قديم مثل الرسائل المكتوبة بخط اليد. يبدو أننا جميعًا نحارب الأرق بحبوب النوم، متجرعين القهوة لنصفع التثاؤب بعيدًا، متجاهلين الرحلة المعقدة التي صُممِنا لنخوضها كل ليلة. ففي ليلة جيدة، ندور أربع أو خمس مرات بعدة مراحل من النوم، كل منها بصفات مختلفة وبهدف معين -سقوط أفعواني سريالي إلى عالم بديل-.

المرحلتين 1-2

بينما ننام تبقى عقولنا نشيطة وتنطلق في رحلة تصحيح- وتقرر أي من الذكريات تبقيه وأيها تلقيه.

التغير الأول يحدث بسرعة فجسم الإنسان لا يحبذ المماطلة بين المراحل، متباطئًا أمام المداخل. إننا نفضل أن نكون في مملكة أو في أخرى، لذلك نطفئ الأنوار، نائمين أو مستيقظين في أسرّتنا، نغمض أعيننا. وإذا كان التناغم اليومي الخاص بنا متشابك مع الليل والنهار، وإذا كانت الغدة الصنوبرية في قاع مخنا تفرز الميلاتونين، مشيرة إلى وقت المساء، وإذا كانت مجموعة أخرى من الأجهزة متراصفة، تسقط خلايانا العصبية سريعًا درجة. والخلايا العصبية حوالي 86 بليونًا منهم يشكلون الشبكة العالمية للمخ، متواصلين معًا باستخدام الإشارات الكيميائية والكهربائية. وعندما نستيقظ تمامًا تشّكل خلايانا حشدًا متدافعًا، عاصفة مضيئة خلوية. عندما يتم إطلاقها بتساوٍ وتناغم، تظهر على مخطاط كهربية الدماغ أو ال EEG، بخطوط منظمة ومتموجة، يعني هذا أن أدمغتنا قد اتجهت للداخل، بعيدًا عن فوضى حياة الاستيقاظ. وفي نفس الوقت، أجهزة استقبالنا تتدثر وسرعان ما ننام.

يطلق العلماء على هذه المرحلة، مرحلة 1، النهاية السطحية للنوم تستمر حوالي 5 دقائق. ثم يتصاعد من أعماق الدماغ سلسلة من الشرارات الكهربائية التي تطلق قشرة الدماغ، المادة الرمادية المطوية التي تغطي الطبقة الخارجية للمخ بيت اللغات والوعي. هذه الاندفاعات التي تدوم نصف ثانية تسمى المغزل وتدل على أننا دخلنا المرحلة الثانية.

إن دماغنا ليس أقل نشاطًا عندما ننام، كما ظننا طويلاً، ولكنه ينشط بشكل مختلف، المغازل، يفسر وجودها بأنها تُحفزّ القشرة الدماغية بطريقة تجعلها تحافظ على المعلومات التي نحصل عليها حديثًا- وربما أيضًا لتربط هذه المعلومات بعضها البعض لتصير معرفة قائمة في الذاكرة طويلة المدى. في معامل النوم حيث تم تقديم الناس إلى تجارب معينة جديدة، حسية أو عقلية يتزايد تواتر مغازلهم، في هذه الليلة كلما زادت المغازل، كلما أدّوا المهام بشكل أفضل اليوم التالي.

قوة مغازل ليلة واحدة، كما يقترح بعض الخبراء، ربما يكون أداة للتنبؤ بالذكاء العام. النوم حرفيًا يُشكِّل روابط لا نستطيع تشكيلها ونحن واعين أبدًا، فكرة جميعنا بشكل حدثي قد أدركناها. لا يقول أحد منا “سوف أتناول الطعام كي أحل مشكلة” بل دائمًا ننام كي نفعل.

الدماغ الواعي معروف بجمع المحفزات الخارجية، بينما الدماغ النائم يدعم المعلومات التي يتم جمعها. في الليل نتحول من التسجيل إلى التصحيح والتعديل، وهو تغير يمكن قياسه بمقياس جزئي. إننا لا نسجل أفكارنا بروتينية فقط- الدماغ النائم بشكل فعلي هو القائم على تحديد أي من ذكرياتنا سنحتفظ به وأيها سنرميه بعيدًا. وليس من الضرورة أن يختار الدماغ بحكمة. النوم هو ما يعزز ذاكرتنا لتكون قوية جيدة- ليس فقط في المرحلة الثانية التي نقضي فيها أكثر من نصف وقت نومنا، ولكن خلال الرحلة التحليقية في الليل- حتى أنه على سبيل المثال، يكون من الأفضل للجنود المجهدين القادمين من مهام مرعبة ألا يناموا مباشرة لمنع إصابتهم باضطراب ما بعد الصدمات، يجب أن يبقى الجنود مستيقظين من ست إلى ثمان ساعات، وفقًا لعالمة الأعصاب جينا بو بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس. الأبحاث التي قامت بها هي وآخرون تقترح أن النوم مباشرة بعد حدث مهم، قبل حلّ المصيبة أو العذاب بشكل عقلي أولاً سيؤدي بنسبة كبيرة إلى تحولّ هذه التجربة المؤلمة إلى ذكريات طويلة الأمد.

المرحلة الثانية قد تصل إلى 50 دقيقة في أول دورة نوم ليلية التي تكون حوالي 90 دقيقة (عادة ما تأخذ جزء أصغر من الدورات اللاحقة). المغازل قد تأني كل بضع ثواني لبعض الوقت، ولكن عندما ينقص هذا الهياج تدريجيا، تبدأ دقات القلب في الانخفاض، وتنخفض درجة حرارتنا الداخلية. أي وعي باقي للبيئة الخارجية يختفي. نشرع في الغوص الطويل بالمرحلتين الثالثة والرابعة، الأجزاء العميقة من النوم.

المرحلتين 3-4

ندخل في نوم عميق كالغيبوبة وهو ضروري لعقلنا مثل ضرورة حصول الجسم على الطعام. إنه الوقت لإدارة الوقت بشكل نفسي-وليس الوقت للأحلام.

كل حيوان بلا استثناء يُظهر شكلاً بدائيًا من النوم. حيوان الكسلان ذو ثلاثة أصابع في قدميه ينام حوالي 10 ساعات باليوم، وهو عرض مخيب للآمال للكسل، ولكن بعض خفافيش الفاكهة تنام 15 ساعة، وبعض الخفافيش البنية الصغيرة تنام حتى 20 ساعة، الزرافات تنام أقل من 5 ساعات. الأحصنة تنام جزءًا من الليل واقفة وجزءًا آخر مستلقية. الدلافين تنام بنصف مخ في المرة الواحدة -ينام نصف المخ بينما الآخر مستيقظًا، بما يسمح لهم بالسباحة بشكل مستمر. طيور الفرقاطة الكبيرة يمكنها أن تأخذ قيلولة وهي تتزحلق، وتستطيع بعض الطيور فعل نفس الشيء. أسماك القرش Nurse ترتاح على الكوم في قاع المحيط، أما الصراصير تخفض قرون استشعارها عندما تأخذ قيلولتها، كما إنها حساسة تجاه الكافيين.

النوم، المعرّف على أنه سلوك محدد باستجابة معدومة، وقابلية للحركة منخفضة وعرضة للعرقلة (على عكس الغيبوبة أو البيات الشتوي)، يتواجد مخلوقات لا تملك دماغًا من الأساس (مخ) فقناديل البحر تنام فتقل النبضات الحركية لجسمهم بشكل ملحوظ، وهناك مخلوقات أخرى وحيدة الخلية مثل العوالق والخمائر يظهرون دورات واضحة من النشاط والراحة. هذا كله يؤكد أن النوم عتيق جدًا،وأن مهمته الكونية الأصلية ليست في تنظيم الذكريات أو الحثّ على التعلم؛ لكنها القيام بالحفاظ على الحياة نفسها.

من الواضح أن قانون من قوانين الطبيعة ينص على أنه لا يوجد مخلوق باستطاعته البقاء مستيقظًا أربع وعشرين ساعة في اليوم بغض النظر عن حجمه.

“أن نكون مستيقظين شيء له متطلباته”، يقول توماس سكامل بروفيسور الأعصاب بجامعة هارفارد الطبية “عليك أن تخرج، تفوز على كل مخلوق آخر لتعيش، والنتيجة هي أنك بحاجة إلى فترة من الراحة لمساعدة الخلايا على التعافي“.

بالنسبة للإنسان يحدث هذا بشكل هبة مطلقة، في مرحلة النوم العميق المرحلتين الثالثة والرابعة اللتان تختلفان في نسبة نشاط المخ المكونة من موجات دلتا كبيرة دوارة، كما تقاس على ال EEG. في المرحلة الثالثة موجات دلتا موجودة أقل من نصف الوقت، وفي المرحلة الرابعة أكثر من النصف (بعض العلماء يظنون أن كلاهما عبارة عن مرحلة نوم واحد عميقة).في هذه المرحلة يفرز الجسم أغلب هرمونات النمو لدينا، التي نحتاجها خلال حياتنا كلها لخدمة العظام والعضلات.

هناك أدلة مستقبلية تشير إلى أن النوم شيء أساسي للإبقاء على جهاز مناعة قوي، درجة حرارة الجسم، وضغط الدم. بدون كفايتنا من النوم لن نستطيع أن ننظم مزاجنا، أو نُشفى سريعًا من الجروح. ربما يكون النوم أهم لنا من الأكل: الحيوانات يموتون نتيجة للحرمان من النوم قبل الجوع، يقول ستيفن لوكلي من مستشفى بريشام والمرأة بولاية بوسطن.

النوم الجيد أيضًا من المحتمل أن يقلل نسبة الإصابة بالخرف. اقترحت دراسة قام بها مايكن نيدجارد بجامعة روشيستر بنيويورك على الفئران، أننا ونحن مستيقظين، تتجمع أعصابنا سويًا بإحكام، ولكن ونحن نائمون بعض خلايا المخ تتضاءل بحوالي 60% موسعة المسافة بين بعضها البعض. هذه المسافات الواقعة بين الخلايا هي عبارة عن مقلب للنفايات، للمخلفات الأيضية للخلايا -أو بشكل أكثر تحديدًا لمادة تسمى بيتا- اميلويد، التي تعيق التواصل بين الخلايا العصبية، ومتصلة بشكل قريب من مرض الزهايمر. فقط خلال النوم يستطيع السائل الشوكي أن يكون مثل المنظفات في هذه المداخل الواسعة في أدمغتنا ويحمل الـ بيتا – اميلويد بعيدًا. وبينما كل هذه التدابير تتم تكون العضلات مسترخية تمامًا، ونشاط المخ قليل جدًا؛ فموجات المرحلة الرابعة شبيهة بموجات مرض الغيبوبة، ربما لا نكون قادرين على الإحساس بالألم. ففي الأساطير الإغريقية الإله هيبونس (النوم) والإله ثانتوس (الموت) توأم، وقد يكون اليونانيين على حق.

“إننا نتكلم عن مرحلة إبطال للمخ حادة جدًا”، يقول مايكل برليس مدير برنامج علاج سلوك النوم في جامعة بنسلفانيا. “المرحلة الرابعة من النوم ليست بعيدة عن الغيبوبة أو عن الموت. ومع إنها مجددة ومستردة للصحة، إلا أنك لا تريد أن تواجهها بشكل مفرط. فعلى أقصى تقدير، يمكننا البقاء في المرحلة الرابعة 30 دقيقة قبل أن يخرج المخ منها”. (وبالنسبة الذين يمشون أثناء النوم يصاحب هذا التحول ارتعاشٍ جسدي) بعدها نبحر مجددًا في طريق مستقيم خلال المراحل 3، 2، 1 إلى الاستيقاظ.

حتى من ينامون بشكل صحي يستيقظون عدة مرات في الليلة، على الرغم من أن معظمهم لا يلاحظون هذا، لأننا نسقط مجددا في النوم في غضون ثوان ولكن في هذه المرحلة، وبدلا من تكرار المراحل مرة أخرى فالدماغ يعيد نفسه لشيء جديد تمامًا-رحلة غريبة حقًا.

وفقًا لمركز الولايات المتحدة للسيطرة على الأمراض ومنعها، أكثر من 80 مليون أمريكي بالغ محرومين من النوم بشكل مزمن، مما يعني أنهم ينامون أقل من السبع ساعات المعتادة والطبيعية كل ليلة. الإجهاد يشارك في أكثر من مليون حادثة بالعربات كل عام، مثلما الموت نتيجة خطأ طبي. حتى التغيرات البسيطة في النوم تسبب مشاكل، فأيام الاثنين التي تأتي بعد تغييرات التقويم الصيفي في الولايات المتحدة الأمريكية، تزيد نسبة السكتات القلبية فيها 24% أكثر من باقي أيام الاثنين المعتادة. وتزيد نسبة حوادث السيارات المميتة أيضًا. في خلال حياتنا، حوالي ثلث منا، سيعاني على الأقل من اختلال في النوم واحد يمكن تشخيصه، ويتراوحون بين الأرق المزمن وانقطاع النفس النومي، لمتلازمة القدم المضطربة، إلى أمراض أكثر غرابة وندرة.

في انفجارات متلازمة المخ، تدوي أصوات هدير في رأسك بينما تحاول النوم، واكتشفت دراسة بهارفارد أن شلل النوم -عدم القدرة على الحركة بضع دقائق عندما تستيقظ من حلم، هي أصل نشوب الكثير من قصص خطف المخلوقات الفضائية لنا. والناس التي تعاني من متلازمة كلاين-ليفن سينامون كل عدة أعوام بلا توقف لمدة أسبوع أو أسبوعين، وبعدها يعودون إلى دورة الإدراك الطبيعية بلا أي أعراض جانبية ملحوظة.

الأرق هو أكثر مشكلة مشتركة، السبب الرئيس لأن 4% من البالغين يتناولون حبوب النوم في أي شهر. المصابون بالأرق عادة ما يأخذون وقتًا أطول للنوم، ويستيقظون لفترات طويلة خلال الليل، أو الاثنين معًا. إذا كان النوم ظاهرة طبيعية كلية الوجود، بهذا الشكل، مكررة عبر الدهور، عليك أن تبدأ في التفكير، لماذا يواجه الكثير منا المشاكل معه؟ فلتلُمْ التطور، أو وجه اللوم للعالم العصري، أو إساءة الملائمة بينهما.

لقد وهبنا التطور مثلما وهب باقي المخلوقات، نوم مرن في توقيتاته، وعرضة للقطع بيسر، وبهذا يكون خاضعًا لأولويات أكبر وأهم، فللدماغ نظام مهيمن يعمل في كل مراحل النوم يمكنه أن يوقظنا في حالة ملاحظته لوجود طوارئ- صرخة طفل مثلاً، أو وقع أقدام مفترس يقترب.

المشكلة هي أنه في العالم الحديث، نداء الاستيقاظ الأثري الفطري الخاص بنا يتم إثارته بشكل مستمر عن طريق مواقف غير خطره على حياتنا، مثل التوتر قبل الامتحان، القلق بسبب المشاكل المالية، أو في كل إنذار لسيارة في الحي. قبل الثورة الصناعية التي جاءت لنا بالمنبهات وجداول الأعمال الثابتة، كنا نستطيع أن نهجم هجوم مضاد ضد الأرق ببساطة عن طريق الاستيقاظ المتأخر، ولكن ليس بعد الآن. وحتى لو كنت أحد هؤلاء الذين يتفاخرون بأنهم يستطيعون النوم بسرعة في أي مكان، يمكنك أن تتوقف عن الابتهاج -لأن هذه علامة واضحة خصوصًا لو كنت تحت الأربعين، أنك في الواقع محروم من النوم.

أول قسم من المخ يبدأ في الإخفاق عندما لا نحصل على نوم كافي هو القشرة الأمامية، مهد اتخاذ القرارات وحلّ المشاكل. فمن ينامون وقت أقل يكونوا عرضة للانفعال وتقلّب المزاج، وغير عقلانيين بالمرّة. “كل وظيفة إدراكية تبدو إلى درجة ما متأثرة بقلة النوم”، تقول كياراكيرللي عالمة أعصاب في جمعية وسيكنسون للنوم والإدراك، فمثلاً المشتبه بهم الذين يعانون من قلة النوم، كما تم عرضه سيعترفون بأي شيء للشرطة مقابل بعض الراحة.

أي فرد ينام أقل من ستة ساعات كل ليلة بشكل منتظم، لديه نسبة أعلى للإصابة بالاكتئاب، الهلوسة، السكتات الدماغية. كما أن قلة النوم مرتبطة بشكل مباشر بالسمنة المفرطة: فبدون النوم، تنتج المعدة وأعضاء أخرى هرمون الجرلين بشكل مفرط، وهو الهرمون المسئول عن الجوع، جاعلاً إيانا نأكل أكثر مما نريد.

إثبات وجود علامة مسببة ومؤثرة في هذه الحالات يعتبر تحدّي، لأنك لا تستطيع أن تُعرّض الناس إلى الاختبارات الضرورية. ولكن من الواضح أن قلّة النوم تقوض الجسم كله.

فترات القيلولة لا تحل المشكلة، ولا حتى المواد الصيدلانية. “النوم عبارة عن وحدة متراصة” يقول جيفري الينبوجن عالم النوم بجامعة جون هوبكنز، والذي يدير مشروع Sound Sleep المشروع الذي يشرح لأصحاب الأعمال المهنية كيف أن راحة صحية ستساعد موظفيهم على أداء أفضل.

“إنه ليس ماراثون، إنه مثل المباراة العشارية. إنه ألف شيء مختلف. إنه لمن المغري أن نتلاعب بالنوم بالأدوية أو الآلات، ولكننا لا نفهم النوم بشكل كافٍ بعد، لنخاطر ونتلاعب بأجزائه صناعيًا”.

يجادل الينبوجن وخبراء آخرون ضد الاختصارات، خصوصًا هذا الاختصار الأصلي- نظرية أنه يمكننا الاستمرار دون نوم.

كانت هذه فكرة مذهلة: فإذا استطعنا فقط قطع الأجزاء الغير ضرورية من النوم، سيكون هذا بمثابة إضافة عشرات الأعوام لحيواتنا. ففي أوائل أيام لعلم النوم في الثلاثينات والأربعينات، كان الجزء الثاني من الليل يعتبر من قِبَل البعض على أنه كساد للراحة. وظن البعض أننا قد لا نحتاجه إطلاقًا. هذه الفترة، في الحقيقة اتضح أنها نبع لشكل منفصل ولكن ضروري جدًا من النوم، أو بشكل عملي نوع آخر من الوعي تمامًا.

عن سوزان عواد

mm
مترجمة من مصر