الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: مصرع كليوباترا “هل كان موتها انتحارًا حقًا؟!”

ترجمات خاصة: مصرع كليوباترا “هل كان موتها انتحارًا حقًا؟!”

death-cleopatra

بقلم : Susan Ardizzoni

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

كليوباترا… الملكة الطموح ، آخر حكام مصر من السلالة البطلمية ، وواحدة من أشهر النساء اللائي تبوأن سدة الحكم على مر التاريخ

كليوباترا… المرأة التي ألهبت خيال الشعراء والكتاب، فسفكوا مداد القلم، يحكون سيرتها المثيرة، ويسطرون  قصة موتها الدرامي …الملغز؟!

حكى لنا الرواة فيما حكوا، أن كليوباترا، الملكة المصرية / البطلمية، قد ماتت انتحاراً بلدغة أفعى، أمرت باستجلابها، وتركتها تنساب على قدها، وتنشب أنياب السم الزعاف في النبض المرتعش،  فيسري الموت في عروقها مفرغًا منها الحياة .

ماتت كليوباترا، فصار موتها مدهشًا كحياتها !، وباتت ذكراها وأحداث حياتها- تمامًا كجدران قصورها – أنقاض من ماض مجيد وأطلال يتباكى عليها الشعراء.

هذا ما حكاه لنا الرواة، فهل حكوا صدقًا؟، بمعنى أكثر وضوحًا : هل انتحرت كليوباترا حقًا؟! … هل تلك القصة التي ألفناها عن موتها تعكس حقيقة ما حدث، أم أن هناك وجه آخر للحقيقة صمت عنه رواة الأخبار؟ وأحداث قاتمة لم تردنا سيرتها؟

لكي نحاول التماس الحقيقة وراء موت كليوباترا، علينا أن نسافر في رحلة طويلة عبر قرون من الزمن، رجوعًا إلى الحقبة الهللينستية ما قبل الميلاد…

ولدت كليوباترا في العام69  قبل الميلاد بالإسكندرية، المدينة التي شهدت ميلاد كليوباترا وموتها، حيث تنتمي  إلى سلالة البطالمة المقدونيين الذين ورثوا حكم مصر بعد وفاة الإسكندر الأكبر، وحكموها لأكثر من ثلاثة قرون؛ ولم تشهد تلك العائلة الملكية  أي حالات انتحار بين  أفرادها، لكنها شهدت العديد من حالات القتل.

تلقت كليوباتر تعليمًا جيدًا، حيث أجادت سبع لغات إجادة تامة؛ وكثيرًا ما يصف المؤرخون كليوباترا بأنها امرأة قد امتلكت شخصية نارية وإرادة حديدية لا تسمح لشيء بأن يقف أمامها وهو ما يجعلنا نتساءل من جديد، هل يمكن لمن امتلكت تلك الشخصية أن تستسلم فتنهي حياتها بيدها ؟

في الثامنة عشرة من عمرها، ورثت كليوباترا العرش، وتزوجت من أخيها بطليموس الثالث عشر، والذي كان يبلغ من العمر حينها عشر سنوات. 

وبالرغم من أنه كان من المفترض أن يكون الحكم مناصفة بينهما، إلا أن كليوباترا لم يكن لديها أي نية لتقاسم السلطة مع أخيها، و مع وضع كهذا، كان لابد أن يقع الصراع بين شريكي الحكم، وهي اللحظة التي ما إن حانت، ووقف بطليموس الثالث عشر متحديا أخته / زوجته الطموح، حتى وجد ميتًا !

ولم يكن الموت مصير الملك الصغير وحده، وإنما لاقت اثنتين من شقيقات كليوباترا أيضًا نفس المصير، في أوقات مختلفة؛ ويعتقد أن كليوباترا هي المسئولة عن موت شقيقتيها .

وكما لم يكن لطموح كليوباترا من حدود، لم يكن لدهائها أيضًا حد؛ يذكر المؤرخون كيف أن كليوباترا سعت للتودد للبلاط الروماني، وبالفعل تمكنت  من يوليوس قيصر فصارت حبيبته، وأنجبت له ولد.

وبعد اغتيال يوليوس قيصر انضمت كليوباترا إلى مارك أنطوني، الذي حكم روما أثناء فترة فراغ السلطة التي عانتها الإمبراطورية بعد وفاة قيصر، وكان أنطوني معارضًا للوريث القانوني للحكم : أوكتافيان، وقد اختارت كليوباترا أن تقف في صف مارك أنطوني وتخوض معه صراعه .

 إلا أن الأقدار قد أتت بما لم تشتهه كليوباترا، فقد خسر أنطوني صراعه وانهزم أمام قوات أوكتافيان في معركة أكتيوم .

وفقًا للروايات التاريخية المعروفة، انتحر مارك أنطوني بعد هزيمته، وتبعته كليوباترا وأنهت حياتها هي الأخرى، واستولى أوكتافيان على مصر، فصارت مقاطعة رومانية، وقام أوكتافيان بعدها بتغيير اسمه ليصبح ” أوغسطس” …. هذا ما أخبرتنا به الروايات التاريخية ، فهل هناك رأي آخر؟

التجربة الفكرية { الجيدانكين } :

{الجيدانكين  }هي عبارة عن تجربة عقلية تقوم على اختبار مدى معقولية فرضية معينة؛ وقد تم استخدام هذا الأسلوب العلمي في عديد من الدراسات التي أجريت حول واقعة موت كليوباترا لمحاولة سبر أغوار الأحداث المحيطة بها .

من المعروف أن مكان وفاة كليوباترا كان يقع بالقرب من القصر الذي أقام فيه أوكتافيان في الإسكندرية بمصر، حيث كان هذا هو مقر تواجد كليوباترا حينما قامت بكتابة رسالة انتحارها، والتي تم تسليمها لأحد الحراس ليقوم بتوصيلها إلى أوكتافيان، ثم قامت بعد ذلك بحمل الأفعى – التي تعرف بالأفعى الناشرة -إلى صدرها لتتلقى لدغاتها القاتلة … فهل تستقيم تلك الرواية والمنطق؟ لو أننا أمعنا النظر في تسلسل الأحداث والمدة الزمنية التي استغرقتها، فسوف نجد أنها لا تتحلى بالمنطقية الكافية؛ فالحارس الذي من المفترض أنه لم يكن على علم بمحتوى الرسالة، لم يكن ليستغرق سوى{ بضعة  دقائق } ليقطع بضعة مئات من الأمتار حتى يصل إلى أوكتافيان ويسلمه الرسالة، ثم بضعة دقائق أخرى للعودة إلى مكانه حيث مقر إقامة كليوباترا حينها .

في المقابل، ومن الناحية الطبية، فإن سم الأفعى الناشرة إنما يحتاج لبضعة  {ساعات } حتى يتسبب في موت الإنسان، وبالتالي كانت كليوباترا ستستغرق عدة ساعات ليقتلها السم .

من ناحية أخرى، يؤكد العلماء أنه يتم حقن خمسون بالمائة فقط من سم الأفعى الناشرة في اللدغة الواحدة، مما يعني أن فرصة إنقاذ كليوباترا من الموت لم تكن بالقليلة أبدا.

هنا ينشئ تفسيرًا آخرًا لموت كليوباترا، وهو تفسير غير شائع، مفاده أن أوكتافيان قد قام بقتل كليوباترا كجزء من خطته للسيطرة على الإمبراطورية بالكامل؛ ففي حين كان مارك أنطوني يسيطر على الجانب الشرقي من الإمبراطورية، كلن أوكتافيان يبسط سيطرته على الجانب الغربي منها، لكنه لم يكن ليرتضي بأقل من أن تصير الإمبراطورية الرومانية بكامل  قوتها وعظمتها بين يديه، ولكي يحقق مأربه، استخدم أوكتافيان كليوباترا كذريعة وأعلن الحرب .

وبعد انتصاره، سعى أوكتافيان إلى أسر كليوباترا حيث شعر أنه سيتمكن أخيرًا من إهانتها وإذلالها … تلك المعلومات قد وردت في مذكرات أوكتافيان ذاتها، وهي المعلومات التي يتشكك الباحثون في مدى دقتها.

في نفس الوقت كان أوكتافيان ينظر بعين القلق إلى قيصرون ابن كليوباترا من يوليوس قيصر، وكان يرى أن وجوده إنما يشكل تهديدًا حقيقيًا؛ ولم يفت كليوباترا – بذكائها – أن تدرك ذلك هي الأخرى، لذا فقد قامت – قبل وصول اوكتافيان إلى الإسكندرية ببضعة أيام – بإرسال قيصرون إلى أثيوبيا لحمايته، إلا أن الفرار لم يفلح في  إنقاذ حياة الفتى، حيث تم العثور عليه مقتولًا .

هنا يقترح بعض الباحثون أن أوكتافيان قد أرسل رجاله في إثر قيصرون حيث أزهقوا روحه، ثم قام بعدها بقتل كليوباترا، وبهذا دان له الحكم وصارت الإمبراطورية بكاملها في قبضته .

بقي القول أنه قد تم العثور على جثة كليوباترا بجانب جثتي اثنتين من خادماتها، مما يوحي بوقوع جريمة اغتيال كاملة، أكثر مما يوحي بالانتحار .

 ولم يكف العلماء عن محاولة وضع تصور منطقي وعلمي للحظات الأخيرة من حياة كليوباترا، وبالفعل تمكنت الدراسات الحديثة من طرح تصور مختلف قليلًا حول موت كليوباترا، حيث اقترحت تلك الدراسات أنها ربما تكون قد ماتت عبر تناول جرعة من العقاقير السامة !

يقول المؤرخ الألماني كريستوفر شفر، الأستاذ في جامعة ترير: ” تظهر لنا البرديات القديمة أن المصريين قد عرفوا السموم وتركيبها، كما تذكر إحدى  تلك البرديات أن كليوباترا ذاتها كانت على معرفة بتلك السموم وقامت باختبارها “

من هنا استنتج دكتور شفر أن كليوباترا ربما قد اختارت الموت بتناول سم شديد المفعول مصنوع من مزيج من الأفيون والأكونيتوم والشوكران، أو ربما لم تتناولها بيدها أو بإرادتها وإنما بواسطة شخص ما .

وبعد، يبدو أن موت كليوباترا قد شاءت له الأقدار أن يظل لغزًا عصيًا على الحل، حيث لم تصل لنا إلا الروايات والحكايات حول ساعاتها الأخيرة، أما الحقيقة فلا تزال حتى الآن خافية عنا ولا نعرف لها سبيلًا . ويبقى السؤال حول تلك الواقعة التاريخية الفارقة  هو الحقيقة الوحيدة الماثلة أمامنا، ويبقى للعلماء أسبابهم المنطقية والوجيهة للتشكك في الرواية المتعارف عليها، وما إذا كانت تلك الرواية تصف بدقة الأحداث  الصاخبة التي وقعت قبل ما يقرب من ألفي عام.

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر