الرئيسية / احدث التدوينات / ثورة المعتوهين

ثورة المعتوهين

5

( إن الجنون بالنسبة للعقل ليس سوى قوته الحية و السرية …)

ميشال فوكو .                                                                   

و تفجرت ثورة المعتوهين التي أحالت كل شيء إلى ذرات رماد ساخن، ثورة الخراب في تجلياتها المقدسة، تقتلع الأخضر و اليابس، الثورة لم تترك شيئاً، شملت كل جوانب الحياة و طرقات المدينة المنكوبة، أعين الثوار المعتوهين كانت تشع منها نظرات الموت، أفواههم تكتظ ببصاق مر حفاة وعراة، شعورهم كثيفة ومتسخة تخرج منها رائحة الشحم المحترق، فشلت كل محاولات القمع العنيفة، لأن الثوار كانوا يتدفقون كالسيل، ويتصدون للرصاص بجنون لا يصدق، كانوا يحرصون على الموت قبل كل شيء آخر، يتزاحمون لكي يحظى كل واحد منهم برصاصة تريحه من الحياة، ما أجمل الرصاص اليوم، يقف الثوري أمام العسكر، و يضع إصبعه في المكان الذي يريد فيه رصاصته المخلصة، فيأخذ رصاصته بكل ثقة، الكل سيختار اليوم بكل ديمقراطية مكان دخول الرصاصة في جسده، بعضهم كان يختار الجبهة فيصوب العسكر من مسافة ليست بعيدة فوهة بندقيته تجاه الجبهة و يضغط على الزناد فتستقر الرصاصة في مكانها المحدد،  كانوا يرغبون في الموت بسرعة كأنهم سمعوا بأن هناك عرس ملائكي في السماء، الكل يبحث عن الموت بطريقته الخاصة، الذي لم يجد رصاصة تشفي عطش روحه للموت كان يقف في الطريق العام عله يجد الرحمة تحت إطار سيارة قديمة متهالكة، تجمهر الكثيرون من الشباب و الأطفال و ناموا على السكة الحديدية ينتظرون قدوم القطار ليلًا حتى يتذوقوا طعم الموت اللذيذ تحت إطاراته، لا يريدون انتظار الصباح لكي يموتوا بالرصاص فالصبح بعيد و قد يطول الليل للأنفس المشتاقة للموت .

يا له من مهرجان للانتحار الجماعي، حفل دموي راقص، يرقصون فوق الجثث، ثمة ثوري كان يضرب نقارة بصورة صاخبة جداً، ثيابه ممزقة، يتبعه عشرات الثوريون وهم يرقصون على إيقاعه الصاخب، كان يزكي حماس الثوار عندما يضرب على النقارة فيتحمسون في الهجوم على الأمن، همس له أحد الثوار في أذنه قائلًا له ( إن نجحت الثورة يا عزيزي سننحت لك تمثالاً جميلاً من براز الثوريين، ستظهر في التمثال واقفًا بنقارتك الخالدة بكل شموخ، عنوانًا للحرية و الموسيقى الهادفة ذات الرسالة، ستكون عازف الثورة المبجل، و سنضع تمثالك الخالد في ميدان جاكسون الشهير، فاعزف نقارتك الخالدة، ولا تلتفت لوساوس الشيطان )، ومن بعيد صوب أحدهم  بندقيته تجاه صدره العاري المتسخ، و اصطاده برصاصة اخترقت صدره و خرجت من ظهره فهوى على الأرض مثل جدار تاريخي رمته الريح، سال دمه على الإسفلت، ضحك الثوار عندما سقط، توقف الإيقاع المتدفق كالسيل بعد سقوط الثوري، رفع النقارة شخص آخر و تولى العزف، لكن إيقاعه لم يكن بذات قوة الأول، ولم يكن يجيد العزف، أخذ النقارة عشرة آخرون لكنهم فشلوا في العزف بذات الإيقاع المميز الصاخب الذي كان يفعله المتوفى، النقارة أصبحت ترسل صوتاً باهتاً حزيناً غير مشجع إطلاقاً على الرقص الفوضوي، كأنها حزنت على موت صاحبها، جاءت امرأة عجوز شبه عارية، تلوك بقايا طعام داخل فمها بصورة مقرفة، أخبرت المجتمعين هناك و الطعام يتطاير من فمها بأن جمال العزف ليس في النقارة و إنما في يد الميت القوية التي صُممت خصيصًا لهذه النقارة دون سواها من النقارات هكذا خلق الله يد هذا العازف، أخرج أحد المعتوهين سكينه الكبيرة و أرسل ضحكة مجلجلة في الأفق، رقص رقصة قبيحة بمؤخرته، أشارت للمتجمهرين بأن يفسحوا له الطريق ليصل إلى المتوفى، وقف أمام المتوفى و سب العسكر الذين قتلوه، انحنى تجاهه، أمسك يده اليمنى وقطعها من منطقة الكتف بصورة عنيفة، رفعها بدمها للثوار و ضحك، أخذ النقارة و بدأ يضربها بيد المتوفى المقطوعة، أخرجت النقارة صوتًا جميلًا الآن، ضحك الجميع و أعجبوا جدًا بفكرة هذا المعتوه و ذابوا في موجة رقص خرافي، شباب و شابات، رجال و نساء، أطفال يرقصون و يضحكون، البنات الجميلات يمسكن أيادي الشباب ويرقصون مع بعض في تناسق غير مسبوق، النساء يطلقن الزغاريد المدوية، الرجال يهتفون بأعلى أصواتهم، كل شخص يعرض مهارته اليوم على هذا الإيقاع المتدفق، يرقصون كأنهم لم يرقصوا من قبل، إنها قصة الموت الأخيرة، الرقص الجنوني أصبح يجتث أرواحهم من مخبئها داخل الجسد، يرقصون حتى الموت، يرقص كل واحد منهم ثلاثة أيام دون توقف ، دون أن يأكل أو يشرب، ثم يسقط على الأرض ميتًا، الرقص الجنوني دون موسيقى حصد أرواح مئات الثوريين ، بعضهم دخل في موجة ضحك خرافي، دون توقف لأتفه الأسباب، يضحك حتى يغادر الحياة، ثمة رجل دخل في موجة ضحك هستيري بسبب أنه رأى طفلًا يأكل الحلوى، فانفجر ضاحكًا و مرددًا عبارة ( الطفل يأكل الحلوى ) كان يردد هذه العبارة و يضحك لمدة ثلاثة أيام حتى تلاشت روحه،  كان أمرًا مخيفًا، النساء رمين أثوابهن  على الأرض لأنها تعوق الرقص الجنوني، اكتفين بالملابس الداخلية . الجميع يرقص و يبكي في نفس الوقت، يثورون و يخربون كل شيء، كان شيئًا لا يُصدق، يقفون أمام السيارات لتسحقهم و تساويهم بالإسفلت، و يرقدون بصورة منظمة تحت عجلات القطار .

في أمدرمان تجمع الثوار في سوق ليبيا، حيث أٌطلق عليه سوق المجانيين بعد انطلاق الثورة، في غضون نصف ساعة انقلب سوق ليبيا إلى مستنقع للفوضى المنتظمة، ارتكز الثوار في الطريق المسفلت الذي يتجه شرقًا إلى سوق أم درمان البوستة، و غرباً إلى رأس الشيطان و منطقة نائية بعيدة اسمها ( هنا ينتهي القانون ) الكثيرون كانت بالنسبة لهم هي المرة الأولى التي يرون فيها سوق ليبيا، ففي الماضي كانوا لا يغادرون منطقة رأس الشيطان لأي سبب من الأسباب، اليوم جاءت بهم الثورة إلى هنا، سكارى  مجانيين، حيارى، خريجوا جامعات عاطلون عن العمل، موظفون، الثورة أخرجت أناس كانوا خارج التاريخ و الجغرافيا، منسيين، يعيشون في أطراف أمدرمان القصية، لا يعرفهم أحد، و غير موجودين أصلاً في سجلات الحكومة و دفاترها، الأطفال الذين جاءوا من رأس الشيطان و جبرونا حفاة عراة جائعون و ملابسهم ممزقة ، كانوا يقدرون بسبعة آلاف طفل ، هجموا على محلات الحلويات بعد أن فر أصحابها بفعل الحجارة التي كانت تنزل عليهم مثل المطر ، أكلوا الحلويات و دمروا الأماكن ،  هجموا على المطاعم حيث المأكولات الشهية التي لم يتذوقوها من قبل ، ففي عهد الجنرال كانت كل أنواع الأطعمة موجودة لكن لا يستطيع شرائها إلا الأغنياء و المقربون من الجنرال ، أكلوا بشراهة مخيفة ، نهبوا المحلات ، شبعوا ثم جاءوا ليواصلوا الثورة بتغوطهم على الإسفلت، كانت فوضى عارمة، السوق مكتظ بالجثث التي اصطادها رجال الأمن ، تسبح الجثث في بركة من الدماء لا يبكي أحد لموت أي شخص من أقاربه مهما كانت صلته به ، بل كان الواحد منهم إذا صادف جثة أحد أقاربه يكون أكثر فرحًا، يرقص و يغني و يبكي بالقرب من الجثة ثم يبول عليها و ينصرف غير مكترث بأي شيء  رائحة الدم و البراز و البول  تزكم الأنوف، الشباب الكبار تولوا رجم العسكر بالحجارة و نهب الأماكن الكبيرة، و الأطفال الجوعى غزو المطاعم و الكافتريات، دخلوا محلات الملابس الجميلة خلعوا ملابسهم الممزقة و ارتدوا ملابس جديدة، المكان مكتظ بالثوار الذين احتلوا سوق ليبيا عن بكرة أبيه، الشرطة تقف في بداية السوق من الجهة الشرقية تحاول منع الثوار من التقدم و الزحف إلى سوق أم درمان، اكتفت باصطياد كل من يقترب منها بالرصاص الحي، وعملت على إطلاق تحذيرات بمكبرات الأصوات، بعضهم تولى تحطيم الأماكن المغلقة.

 تمكن رجل  خمسيني من تحطيم دكان كبير للملابس و العطور و الأحذية، أخذ ملابس كثيرة في شنطة كبيرة، و هرول لكي يبحث عن حبيبته و كانت تدعى سلمى، و اشتهرت في منطقة غرب سوق ليبيا بسلمى الجميلة ، كان قد خطبها قبل عشرين عاما ، حينها كان عمره ثلاثين سنة لكن لسوء الأوضاع الاقتصادية في عهد الجنرال لم يتمكن من  توفير متطلبات الزواج، كانت حبيبته و أسرتها في ركب الثوار،  تجول في سوق ليبيا حاملا زفافها على كتفه و هو يبحث عنها و يغني و يرقص، بحث عنها حتى تعب، سأل كل الثوار المعتوهين الذين مر بهم، لكن دون جدوى، صرخ بأعلى صوته مناديًا اسمها ، كان صوته يخرج متقطعًا بصورة مثيرة للشفقة، بكى بأعلى صوته، لم يكترث به أحد فكل واحد كان يثور بطريقته الخاصة دون أن يهتم بمن حوله، أخيرًا جاءته فكرة مجنونة، فكر في أن يذهب إلى رجال الأمن و يستعير منهم مكبر الصوت لكي ينادي خطيبته سلمى لكي تخرج من الزحام، تنهد ثم رفع حقيبته الكبيرة وتقدم مترنحًا تجاه عربات الأمن، و بعد أن اقترب منهم بدأوا يطلقون صفارات الإنذار بأبواق سياراتهم، حذره أحد الضباط مستخدمًا مكبر الصوت بأن لا يتقدم أكثر و إلا سوف يطلقون النار عليه، لم يكن يكترث بما يقولون، كان يفكر في حبيبته سلمى، نسي الثورة و العسكر، يجرجر حقائبه و يتقدم، أمر الضابط أحد الجنود بأن يطلق النار عليه، الجندي كان ينتظر الأوامر بكل تلهف، و ما إن سمعها حتى فتح النار على حسن كماشا الثوري المعتوه، مصيبًا قدمه اليمنى، سقط على الأرض و أطلق صرخة غاضبة . أصابت الرصاصة ساقه اليمنى فكسرته وسالت شلالات من الدماء في الإسفلت، قبض مكان الجرح و بدأ يضحك و يصرخ في آن واحد، اجتمع حوله ركب من مهوسي الضحك الجماعي المميت ، ضحكوا بصورة احتفالية خاصة ، أكثرهم كان قد أجهده الضحك المتواصل لمدة ثلاثة أيام دون أي أسباب تُذكر ، فجاءوا و ضحكوا بأنفاسهم الأخيرة و ماتوا بالقرب منه ، بينما هو ساقط على الأرض تمكن من ربط مكان الجرح بصورة محكمة بقطعة قماش متسخة ، ومن بعيد رأى موكب العزف الجنوني المتجول يعبر الإسفلت من المربعات متجها ناحية سوق الأخوان ، كان العزف باليد المقطوعة التي يسيل منها الدم  في أكثر حالته صخبًا و جنوناً ، الموكب المتجول يضم أكثر من خمسة آلاف شخص ، رجالًا و نساءً شيبًا و شباباً ، كان العدد يتناقص بفعل الموت الذي يسببه الرقص المتواصل ، نهض حسن من الأرض مترنحًا و جرحه ينزف ببطء، تحول لون القطعة التي يربط بها الجرح إلى الأحمر، رفع حقيبة زواجه على كتفه و تقدم تجاه الموكب الصاخب و هو يعرج في مشيته، و هذه المشية قتلت قرابة المائة من الضحاكين، في الموكب صادف خطيبته وهي في أوج رقصها الجنوني،  اقترب من أذنها اليمنى و أخبرها بأنه قد أحضر مستلزمات الزواج، فرحت فرحًا طفوليًا عارمًا بعد ما تلىا عليها الخبر، فقد انتظرت هذه اللحظة منذ عشرين عامًا من الخطوبة، أما هو فقد حدق في عينيها اللتين أصبحتا منكمشتين، و امتلأتا بالتجاعيد بعد خطبة دامت عشرين سنة، تجولت خلالها معه في معظم حدائق العاصمة المثلثة مثل عصفورين يعشقان التحليق ، و معظم الحدائق التي ارتاداها كانت حدائق مفتوحة ، الولوج إليها مجانا، و هو محدق في عينيها جالت في خاطره كمية من الذكريات، شريط العشرين عاما بدأ يدور به إلى الخلف ، يتذكر اللحظات الجميلة فتشرق عينه و يبتسم ، ثم تمر به لحظات الألم و الضياع ـ وما أكثرها ـ  فيسكنه حزن خرافي غير مأمون العواقب،  خلال العشرين عام من العمل الدؤوب لم يستطع توفير متطلبات الزواج التي بدت له مستحيلة ، تذكر أيامه في سوق كرور فقد عمل خمس سنوات بائعًا للسندوتشات هناك، خاض خلالها صراعًا عنيفاً و حرب مطاردات مع  المحلية التي كانت تعدهم باعة غير موافين للشروط، ليس لهم بطاقات صحية، إضافة إلى أنهم يفرشون طعامهم على الأرض بصورة مكشوفة ، مما يكون عرضة للجراثيم و الأتربة ، و هذا كلام لا يفهمه الباعة المتجولون و لا زبائنهم ، و الخمس سنوات و ضحت له بما لا يدع مجالا للشك بأن الجراثيم لا تؤثر إطلاقا على بطون سكان تلك المنطقة ، المطاردة كانت فوضوية و متوقعة في كل وقت ، و الذي يقع في يد المحلية تُصادر أدواته من حلل و صحون بلاستيكية قديمة ، كذلك يغرم مبلغا ماليا ، في غضون الخمس سنوات قبضت المحلية على حسن كماشة ثلاث مرات فقط . صادق حسن كماشة اثنين من موظفي المحلية، أولهم شاب بدين يُدعى ابدرامان و الثاني رجل خمسيني بدون ملامح يمكن أن تذكر، عموما كان يجمع في هيئته كموظف في المحلية  كل ملامح البُؤس و موت الضمير، السندوتشات التي قدمها حسن كماشة ذات حملة نهارية لهؤلاء الموظفين كانت جديرة بأن تقوي عرى الصداقة ، فهما كانا جائعين و المرتب الذي يتقاضيانه من المحلية لا يفي بمتطلبات الحياة ، أصبحا يتصلان بحسن كماشة و يخبرانه بأن عربة المحلية في طريقها إليهم ، فيجمع أغراضه و يضعها داخل بقالة كان يتعامل مع صاحبها ، و يجهز عدد من السندوتشات  لأبدرامان و الرجل الخمسيني . بهذه الطريقة استطاع أن يعمل حسن كماشة خمس سنوات لم يقبض فيها إلا ثلاث مرات فقط ، تمكن في هذه الفترة بعناء من اشتراء سبعة جلبابات و توبين بالأقساط المريحة من سوق ليبيا ، كان يذهب مع خطيبته لكي تشتري ما يناسبها للزواج ، في كل سنة كان يوفر مبلغ جلبابة و توب نسبة لصعوبة و غلاء الأسعار .

عشرون عاما من العمل المتواصل لكنه فشل في تجميع متطلبات الزواج في زمن أصبح فيه كل شيء غال إلا الإنسان ، كان أحيانا ينسى أنه خاطب ، كره الزواج ، و الحياة ، كره والدتها التي تطلب أشياء مستحيلة و فوق طاقته ، يا للمأساة و الضياع ، تحولت مشاعره من الرغبة الجامحة في الحصول على محبوبته سلمى إلى البرود التام ، ترك العمل و عاش سنين الضياع المجاني ، أصبح غير مكترث بأي شيء ، يتجرع كل أنواع الكحول و المخدرات، أصبحت الدنيا بالنسبة له  مكانا للألم و العذاب ليس إلا، عندما جاءت ثورة المعتوهين و جدته في إحدى أزقة منطقة جبرونا يتجرع مريسة رخيصة الثمن فانخرط في ركب الثوار، كل هذه الذكريات هبطت عليه مثل الوحي و هو أمام خطيبته ، تقدم حتى و قف أمام الموكب ، و رفع يديه الإثنين وصرخ بأعلى صوته ، طالبا من موكب الراقصين أن يتوقف ، فتوقف الموكب و هدأ العزف الجنوني ، رمقه كل من في الموكب بأعين مليئة بالاستغراب ، بعضهم تذمر منه لأنه أوقف العزف الخرافي ، الكثيرون واصلوا رقصهم و لم يكترثوا لتوقف العزف الجنوني ، و قف أمامهم مثل الشيطان ، مرتديا بنطالاً قماشي أحمر و فنيلة خضراء كبيرة تصل حتى ركبتيه ، و يرتدي جزمة مصنوعة من الجلد اشتراها قبل خمس سنوات من سوق الحرامية في سوق ليبيا ، شعره كثيف، رائحته مثل رائحة كلب كان ينام في بركة مائية متسخة ، أما هي فقد وقفت بالقرب منه بجلباب رمادي طويل ، مغطية شعرها المبعثر بقطعة سوداء ، كانت حافية لأنها فقدت حذائها بعد انضمامها لمهرجان الرقص الجماعي و سط الزحام  .

وقف أمام الموكب في منتصف النهار ، كان يوما مشمسا من أيام ثورة المعتوهين ،  قال لهم ( أنا أريد أن أتزوج خطيبتي سلمى و التي هي أمامكم الآن ، خطيبتي لمدة عشرين عاما) فتح حسن كماشة الحقيبة و قربها لحبيبته سلمى نظرت داخلها مثل القطة الكبيرة ، وقع بصرها على زفاف أبيض ، مسكته بيدين راجفتين ، أخرجته من الحقيبة ، قربته من جسدها النحيل لكي تقيس طوله ، لبسته مباشرة أمام الجمهور ، كان قصيرا نوعا ما و الجلباب المتسخ يظهر من تحته ، أرسلت العروس سلمى زغرودة مدوية ، و دارت حول نفسها في رقصة تليق بالمجانين . بينما كانت ترقص أوقفها حسن كماشة من الرقص و إن لم يفعل لرقصت سلمى حتى الموت . وفي هذه الدقائق القليلة ماتوا في الموكب خمسة  ممن واصلوا الرقص دون موسيقى ، غادروا الحياة غير مبالين بالثورة و مستقبلها ، و لم يكترث بهم أحد ، حتى أنهم لم يجدوا شخصاً يتبول عليهم من أقاربهم بوصف البول على الميت قد أصبح طقسا واجبا في أدبيات المعتوهين الثوريين ، من المؤسف أن يموت الإنسان دون أن يجد شخصا يتبول عليه .

بدأت سلمى تبحث عن والدتها، فقد توفى والدها قبل أن تُخطب لحسن كماشة بعامين وثلاثة أشهر ، كان يعمل في مواقع التعدين العشوائي للتنقيب عن الذهب ، كان المعدنون العشوائيون يدخلون الآبار التي يصل عمقها لمئات الأمتار ، يقابلون الشياطين و المردة ، يعطونهم كنوز القدماء التي دفنوها ، و لكي تصادف شيطاناً لابد أن تكون نجساً لأشهر ، و ان يتعفن جسدك وتخرج من إبطيك رائحة براز صغار الشياطين ، فوالدها كان يدخل هذه الحفر لكي يحصل على كنز من كنوز القدماء لكن الحظ لم يحالفه ، بل كان حظه أكثر تعاسة كمن لحقته لعنة الأمهات ، فقد سقطت على رأسه الأصلع بئر عمقها مئة و خمسون مترا ففاضت روحه الطاهرة و هشمت الحجارة جسده النجس ، ومن المؤكد إذا كان موجودا على قيد الحياة لانضم إلى ثورة المعتوهين الكبرى دون أي تردد. الموكب كان ينتظر سلمى لكي تبحث عن والدتها لتكتمل مراسم الزواج الجنوني . ذهبت تبحث عنها في ازقة سوق ليبيا ، عثرت عليها في أحد الأزقة ، كانت فاقدة للوعي تماما ، الرقص قد أنهك جسدها، جاءت سلمى الجميلة تحملها مثل طفلة صغيرة. و عندما بحث حسن كماشة عن مأذون شرعي لكي يعقد له

تقدم رجل يُدعى عثمان طاهر ، كان يعمل مأذونا شرعيا قبل قيام الثورة ، عقد لهما عثمان طاهر عقدا شرعيا ،و عندما لم يجد و رقة يكتب عليها العقد استخرج علبة سجائره ، كان في داخلها آخر سجارة ، أشعل سجارته الأخيرة  استخرج من جيبه الكبير قلم ماركة بيك ، كتب عقد الزواج بخطه القبيح على علبة السجائر ، متمنيا للزوجين حياة زوجية سعيدة .

لم تكن لثورة المعتوهين قيادة منظمة بل كانت تسير بصورة فوضوية ، الكل يثور بطريقته الخاصة و حسب نوع الجنون الذي أصابه ، لكن الجدير بذكر هو أن الغالبية العظمى ممن انضموا الى هذا المهرجان الجنوني كانوا من الشباب ، ثمة أربعة شباب كانوا يمثلون القيادة لكن بصورة غير حاسمة فـأحيانا ينقاد لهم الثوار و أحيانا لا يكترثون لهم ،و الشباب الأربعة ليسوا بأقل جنونا عن البقية ، كان يتشاورون فيما بينهم ثم يتخذون قرارات مجنونة و ينشرونها للثوار ، و لكي يخاطبوا الثوار كانوا يصعدون فوق مبنى كبير و هو عبارة عن بنك دمره الثوار ، كانوا يستغلون السلالم و يصعدون فوق السطح ،و من الجهة المقابلة للشارع الكبير المسفلت حيث يقف الثوار حفاة عراة ، يخاطبونهم  بمايكرفون صغير . في اليوم الرابع من أيام الثورة ألقى واحد من القياد خطبة عُرفت بشكل شبه رسمي بخطبة المجنون . يقول فيها :

أيها الشباب يجب أن ندمر من نصبوا أنفسهم آلهة على مدار أكثر من نصف قرن ، أولئك الديناصورات ، ديناصورات السياسة ،و الفن ، و الرقص، أولئك العجائز الذين تمسكوا  بالسلطة و  بكل شيء لا يريدون أن يفسحوا المجال لأحد ، لقد تغير العصر و هم ما زالوا بأفكارهم القديمة المتطرفة، نحن نريد إعتذارا رسميا من الأجيال السابقة ، لأن كل البؤس الذي نعيشه اليوم بسبب سياساتهم الفاشلة ، فليذهب هؤلاء العجزة و يتركوننا فنحن أدرى بإدارة أمور عصرنا ، لا تظنوني بملابسي المتسخة هذه مجنونا ، إياكم أن تروا شعري الطويل المبعثر هذا و تظنوني مجنونا ، أنا لست مجنونا، لست علمانيا ولا إسلاميا، أنا أعيش دون وزن و قافية ، حر طليق، هل  رأيتم صديقي الذي ابتلعه البحر المتوسط و هو في طريقه إلى أوربا ، صديقي الذي حاول الفرار بجلده من مأساة العجزة الذين خربوا البلاد ، كان له قلب طيب و ابتسامة جميلة ، أنا أراه الآن في وسطكم ، إنه بينكم ، فليتحسس كل واحد منكم الشخص الذي عن يمينه و عن يساره  ، ستجدونه مبتسما ، أراه أنا الآن غارقا في المتوسط ، أراه يلفظ أنفاسه الأخيرة ، كان يحب الحياة ، له محبوبة جميلة تسمى سمر ، كنت أجلس معه و نأكل الفول ، حدثني عن سمر و عن الحب ، قال لي سيتزوج بها بعد أن يرجع من الغربة ،  لقد عانقني عند الرحيل ، قال لي ربما لا نلتقى ثانية ، فالبحر يحب الغدر، لكن أن يغدر بك البحر خير من أن يغدر بك الساسة المخرفون ، نحن ضحايا جيل الثلاثينيات   فليأخذنا المتوسط أو نعبر ، فالموت هو الموت ، هل ترون الآن صديقي الذي مات  لا تلتفتوا يمنة و يسرى فهو غير موجود ، انظروا داخل قلوبكم بنور الإيمان ، إيمانكم بالحرية و الكرامة،   أيها الشباب هذا عصرنا و لا فرصة لمن بلغ عمره الستين  ،  الستين هي سنة المعاش  فليذهب كل من بلغ الستين من العمر إلى مقابلة إلهه .

في سوق ليبيا و بصورة رسمية تم منع ترديد الأغنيات القديمة التي يقولون عنها قد شكلت

و جدان شعب، الأغاني المعتمدة هي التي صدرت  في الألفية الثالثة ، جُمعت كل أشرطة الكاسيت القديمة و حُرقت في وسط الطريق .

حاولت السلطة قمع الثورة بكافة الوسائل ، لكن بعد اليوم الرابع لم تعد تحبذ استخدام القوة لأنه لم يكن مجديا ، فالثوار كانوا أحرص ما يكونون على الموت ، والجنرال لا يستطيع سحق الآلاف خوفا من منظمات يطلقون عليها منظمات حقوق الإنسان، لذلك فكر في خيارات أخرى . كان وسط الثوار الكثير من  رجال الأمن، أولئك الذين بعثهم الجنرال لكي يكتبوا له تقاريرا في غاية السرية ، فمهمة هؤلاء تنحصر في جمع المعلومات ، و التحدي الحقيقي الذي يواجههم هو معرفة من وراء هذا الثورة العنيفة ، و ما هو سبب الجنون الذي أصاب هؤلاء المنكوبين ، لكن ما أرق الجنرال هو أن معظم هؤلاء قد أصابهم هذا الجنون الخطير و انضموا الى صفوف الثوار.

  بعد ثلاثة أيام من موت مهند الحزين في البحر المتوسط ، كان صديقه الذي يُدعى منتصر قد دخل في شهره الثالث من عزلته التي فرضها على نفسه ، لم يغادر غرفته ، حتى ذلك الصباح الذي دخلت فيه والدته الغرفة  و وجدته واقفا بكل شموخ ، ماسكا بيده اليمنى إناء مليء بالبنزين ، و النار تنهش جسده لم يكن يتحرك من مكانه ، لم تكن عيناه ترمش أو يتزعزع ، كانت عيناه مفتوحتان يحدق في الأفق  ، لكن نظرته تخترق السقف و تذهب صوب السماوات ، النار قضت على جلده و بدت تتذوق العظام ، لم يستسلم للنار و لم يسقط أو يرمش حتى التهمت النار رجليه ، فسقط على الأرض ، صرخات أمه و محاولات إخمادها للنار لم تفلح ، كانت النيران مصرة على  هدفها ، تجمع الناس في منزلهم في ذلك الصباح ، عم المنطقة الحزن لفقده ، بكاه الجميع بكاءً حارًا ، بكوا ذلك المنتصر ، الشاب الذي أحبوه ،  تحول البكاء الى موجة ضحك صاخبة ، و إلى جنون غريب أصاب الجميع  .

بعد أن قرأ أحد أصدقاء منتصر المذكرة التي كتبها قبل موته، كان ذلك داخل خيمة عزاء ، بدأ يضحك و يبكي أثناء قراءة المذكرة ، و يرقص أحيانا، بعد أن أكمل القراءة أخذ إناءً كبيرا جيئ به لإعداد الطعام ، بدأ يضرب الإناء بعصا كبيرة و يهتف و خرج إلى الشارع فتبعه جميع من في العزاء ، كانوا يبكون و يغنون و يرقصون و انطلقت ثورة  المعتوهين .

عن محمد أحمد محمد إسحق

mm
كاتب سوداني ومترجم عن الانجليزية والتركية .