الرئيسية / احدث التدوينات / حين كنت سلفية

حين كنت سلفية

423785_484936708191807_1696522826_n

بقلم: ولاء الصديق سليمان

لا أقصد بكلامي ما تطورت إليه السلفية لتنتج السلفية الحديثة ( بما أني لست في السابعة عشر من عمري) وإنما ذلك النوع من السلفية الذي أنتج لنا جيلا متطرفا بطريقة لم نعهدها من قبل إذا ما استعرضنا محطات التحول الفكري للمجتمع الإسلامي ، أنا هنا أتحدث عن تلك الفئة التي تبنت السلفية ليس كطرح فكري و إنما تبني ناتج عن فترة الركود الفكري التي عايشها المجتمع الإسلامي والتي شجعت على التمسك بأي طرح نجد فيه أمل ينتشلنا من الشعور بالاستسلام لحالة التخلف والتأخر عن مجتمع (الكفر)، السلفية التي تم تبنيها نتيجة الاستماع لمجموعة من الأناشيد التي تمجد عصر ازدهار الإسلام و أصوات مشايخ يتحدثون عن الجحيم و الفناء و الفرقة الناجية التي ستذهب للجنة وحدها ، والتي هي بالتأكيد من أتباع ذلك الشيخ !

السلفية التي تأسست بحشد العواطف، ليس الغرض من هذه السطور الترويج لفكر والتعريض بالآخر أو القول بأن الفكر السلفي شر مطلق فبالتأكيد له العديد من الرموز المقدرة، التي أسهمت في تنوير فكر المجتمعات ضد ظلام التعصب والتطرف، أنا هنا أتحدث عن الإتباع بالعواطف وجعله مدخلا لتبني قناعات ومدى تأثيره على اندماج الإنسان مع مجتمعه في حال تبدلت عاطفة الإتباع الأولى أو وصلت إلى درجة الغلو، ما يحدثه الإتباع غير الخاضع لمرونة الفكر من ازدواجية الشخصية، ازدواجية المعايير وخلق كائن مضطرب ليس بإمكانه اتخاذ أبسط القرارات لأن فكره مغيب ، كائن أقصى ما يمكن أن يصل إليه من وعي هو إدراكه بأنه كائن مضطرب، كيف يمكن ل ( سلفية العاطفة ) أن تساهم في اضطراب شخصية الفرد ؟

يحدث ذلك إذا مرت الجماعة بمرحلة ( تجديد فكري) كما هو الحال مع أي جماعة و كنت أنت في الأساس سلفي لا أفكار لديك، أو رأي غير سماحه المفتي من إحدى فتاويه، أو حدث انفتاح في المجتمع على أفكار جديدة، أو انتقلت أنت إلى مجتمع مختلف عن أفكارك تماما، في هكذا حالات يكون من الصعب جدا أن تتقبل العواطف ( التي لابد أن لها ارتباط بالغرور و بالأنا) هكذا تغيرات، فتتشكل بداية الصدام الذاتي و ربما الصدام الخارجي مع المجتمع المخالف،

و بما أن التجربة خير برهان فسأنقل جزء من تجارب بعضها يخصني وبعضها يخص الكثيرين ( المخضرمين أمثالي) ممن عايشوا مراحل تطور السلفية التي اتبعوها تعاطفهم، أنقل جزء من أشكال الاضطراب، ازدواجية المعايير، والأفعال اللا منطقية التي تجعل منك شخص في أفضل الحالات منعزل اجتماعيا إذا انتقلت لوسط مختلف.

من مظاهر اضطراب العائدين من سلفية العواطف :

1 – الشعور بالغيرة :

الذي يأتي من الشعور بالنقص بمعنى حين تنتقل إلى وسط به أناس لديهم قناعاتهم التي تخالفك، أناس من أصحاب المعاصي، تعتقد أنك أفضل منهم عند الله، والذين يكونون متقدمين عليك من ناحية مادية أو علمية أو حتى في مقدار السعادة و التصالح مع الذات حينها تبدأ بالسؤال لماذا ؟ والأسئلة من اختصاص العقل والعقل في حالة الإتباع العاطفي لا يمتلك القدرة على التفكير و إعطاء إجابة قد تتصادم مع العواطف، عند هذه النقطة ينتقل الفرد انتقالا صعبا إلى التفكير ليجد إجابة، أو يستسلم بسهولة لانقياد العاطفة التي لا تمتلك إجابات عن لماذا، فيتحول البحث عن إجابة إلى شعور بالغيرة من الآخر، تحولك إلى فرد ناقم على المجتمع، ليس لأنه عاصي لله ؛ بل لأنه وصل إلى الكثير مما عجزت عن الوصول إليه، والمشاعر قلما يتحكم فيها العقل الواعي فيعتاد اللاوعي على الشعور بالغيرة ليصبح مبدأ حياة، تتفاجأ بظهورها في علاقاتك مع الشريك و العائلة و الأصدقاء و من لا تربطنا بهم علاقة و ما من شيء قادر على تحويل الفرد إلى فتيل قابل للاشتعال كما الغيرة .

2- بعض المظاهر السلوكية

المميزة لأفراد الإتباع بالعواطف مثل العزلة الاجتماعية التي تأتي من مبدأ اعتزال أهل المعاصي و انضمامك إلى الفرقة الناجية التي سيدخل كل أفرادها الجنة و البقية إلى النار، ستعتاد أن تجالس من يشبهونك في المظهر والسلوك وحين تنتقل إلى وسط مختلف في مظهره وسلوكه ستشعر بالعزلة فكل المبادئ هنا مبنية على الشعور، ستخشى على نفسك الفتنة لأن أفكارك هشة لا تتحمل مواجهة الفتنة، وعدم مخالطة الناس يفقد الفرد الذكاء العاطفي و فنون التعامل و تقبل الآخر، سيفتقد الصبر على أذى الناس و لو على سبيل المزاح و إن كانوا من أقرب الناس إليه، سيجد في التعامل بعدائية معهم توفير للكثير من الجهد الفكري لفهم الآخر، و العدائية تجاه الآخر تتدرج من النظر باحتقار إليه وصولا إلى لبس حزام ناسف و إبادته !

3- عدم تقبل الانتقاد

فالشعور بالانضمام إلى الفرقة الناجية يجعل من الصعب أن تتقبل أنك قد تكون مخطئا في أبسط الأشياء حتى و إن كان انتقاد بناء يصب في مصلحتك .

4 – الشعور المتجذر بوجوب تغيير المنكر

دون الانقياد لعقل يضع حدود لهذا المنكر و طرق تغييره يجعل من تغيير المنكر هوس حيث تصبح مبادر لتغيير كل شيء لا يتوافق مع مشاعرك ، ستتحول دون إدراك منك إلى شخص مزعج يبادر في انتقاد من حوله سواء في طريقة كلامهم أو جلوسهم أو نبرة أصواتهم ، ستغزوك الرغبة في تغيير الآخر ليصبح على مقاييسك ، و الرغبة حصان أهوج إذا لم تخضع لتحكم العقل، ستحاول إنكار أنك قد تكون أنت الخطأ الوحيد فيمن تراهم مخطئين، ستستمر في الإنكار حتى تلك اللحظة التي تصبح فيها وحيدا من كل أولئك الذين كانوا بالنسبة إليك منكر يجب تغييره، في لحظة الوحدة تلك إما أن تكتشف زيف الكثير مما أنت عليه أو تنتقل إلى شكل آخر من أشكال الاضطراب .

5 – التنكر للذات :

وعدم التصالح معها و الشعور الدائم بأنها على خطأ، سلفية العواطف تعمل دائما على رفع معدل الخوف بداخلك في سبيل توجيهك للتعاليم وتصور الإله بأنه مصدر للخوف والعقاب و أنك يجب أن تكون في حالة حزن دائم حالة لخصها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله هلك المتنطعون)، الأمر يشبه الهلاك فعلا إذ تنفصل عن ذاتك و فطرتك باسم الخشية، الهلاك هو أن لا تتقبل إنسانيتك، كيف يؤثر هذا الأمر على الاندماج مع المجتمع ؟ حين تعتاد على أن لا تتقبل نفسك و على الشعور الدائم بالذنب يصبح من الصعب عليك أن تتعامل مع الآخرين لأن الشعور بالذنب تجاههم سيعيدك إلى ما تحدثنا عنه سابقا( الانعزال )، حين لا تسامح نفسك لن تتمكن من مسامحة الآخرين .

6 – الخوف من النجاح :

 في الذاكرة الشعورية لسلفية الحشد العاطفي زرع مفهوم الزهد وكره مظاهر الحياة الدنيا و زينتها بطريقة خاطئة لا وجود للعقل فيها تجعل الشعور بالإنجاز و النجاح و العمل عليه منافي للزهد والتواضع لله تجعلنا نتخيل أن السعي وراء إتقان و إكمال عمل ما هو انشغال عن طاعة الله لعل هذا من أهم أسباب دخول المجتمع الإسلامي برمته في عصر الظلمات بعد فترة الازدهار و التنوير التي مر بها .

7 – ما أسميه ( اضطراب النقاب) :

في حالة السلفية الشعورية النقاب ناتج عن مشاعر و المشاعر من السهل أن تطير و تحل محلها مشاعر أخرى مع أول طائرة متجهة إلى مجتمع مخالف، و لأن النقاب من أكثر القضايا التي يختلف عليها العلماء بين المدارس الفكرية تصبح المشاعر تجاهه مختلفة باختلاف تكلم المدارس ، هذه المرحلة من التردد في العلاقة مع النقاب إذا لم تواجه بالقراءة لمختلف المدارس و التفكير و التصالح مع الذات ( طبعا إذا افترضنا أنك كنت في حصانة من استهزاء المجتمع من مظهرك المتقلب) فإنها ستؤدي إلى إحدى شيئين : إما التعصب لشكل معين من أشكال الحجاب و نعت كل من يخالفه بأبشع الأوصاف، أو التعصب ضد كل أشكال الحجاب بعد أول تصادم فكري مع من يخالفك، و وصف كل من يلتزمون بأي شكل من أشكاله بالتخلف و رفضه جملة، أغلب من تبنوا السلفية من منطلق شعوري مروا بهذا الاضطراب .

8 – التعصب :

بعد أن يمر الفرد بأغلب أشكال الاضطراب ويصبح مرفوضا اجتماعيا و في حال لم يتفهم المجتمع عمق الصراعات التي يمر بها و يواجهه بعدائية مماثلة يلجأ حينها إلى خيار التعصب، لأنه ليس لديك فكر لتنشره أو لتعرف به عن نفسك، ليس هناك سوى تلك المجموعة التي تنتمي إليها عاطفيا فتزداد ارتباطا و تفانيا في سبيلها و تشعر بأن أي تهديد لأحد أفرادها هو تهديد لوجودك و استقرارك النفسي، و في سبيل الحفاظ على استقرارك قد تلجأ إلى مهاجمة الآخرين و إبادتهم ( خوفا ) و ليس دفاعا، وليس هناك أسهل من السيطرة و التلاعب بشخص خائف، عند هذه المرحلة يصبح القتل مبررا للدفاع عن الجماعة …

ليس الغرض من هذه الكلمات القول بأن هناك طريق واحد صحيح فالله يقول ( و لكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات) و جعل من الاختلاف سنة حياة و لكن أحاول أن يفهم الناس كيف تفكر هذه الفئة ولماذا كانت أرض خصبة لنمو الإرهاب و العنف و رفض الآخر علنا بذلك نستطيع أن تجنب الأجيال القادمة عناء المعارك النفسية في سبيل الوصول إلى الوسطية والاتزان، غرضي من هذه الكلمات أن نبني قناعاتنا أيا كانت على الأفكار و ليس العواطف فهذه الكلمات تنطبق ليس على السلفية وحدها بل أي مذهب وحزب يحشد أتباعه بحشد عواطفهم ، كل ما يبنى على فكر و تأمل و نقاش يصبح كما شجرة أصلها ثابت في قلوب أتباعها و فرعها في السماء يزخر للآخرين زهورا للتعايش وتقبل الآخر، وكل من لم يبن له قاعدة فكرية فسترفضه كل أطياف المجتمع لأنه سيبني قناعاته على العنف .

عن ولاء الصديق سليمان

mm