الرئيسية / احدث التدوينات / رقصة الأموات

رقصة الأموات

_103388_adabg_620375_highres
بقلم: معاذ أحمد أبو القاسم

 

على شاطئ النيل ووسط الغابات الكثيفة اختبأ الجيشان، تمركز الأول في الناحية الشمالية والآخر في الجانب الجنوبي. رتب كلٌ منهما صفوفه بدقة وعندما انتصف الليل انطلقت القذائف تفتك بالجيشين، ظلا يتبادلان إطلاق النار حتى نهار اليوم التالي. وقبل أن يتوقف الطرفان اهتزت الأرض من تحت أقدامهما؛ إذ أن تحتها كانت ترقد أجساد الأسلاف الذين قُتلوا بسبب الحرب. تناثر التراب من حولهم ثم خرجت منه هياكل عظمية: صغيرة وكبيرة ، بعثرت صفوفهم وألقت كُرات صغيرة تفرغ الجيشان على إثرها، ترك كلٌ منهما سِلاحه واتجه نحو أُسرته يملُئَهُ الشوق. فقد كانت للأطفال قُدرة الطيران في الفضاء وإلقاء غازات تتسبب في مسح ذاكرة العُنف واستبدالها بأُخرى مُبشرة بالسلام.

تحركت الجُثث في صفوف مُنتظمة وبإيقاع واحد للحركة بقيادة شخص فارع الطول، له جُمجمة ضخمة. البعض كان جُندياً يخدم سيده والبعض الآخر ممن جاءهم الدمار ينهش أرواحهم.

وفي مسيرتهم تلك تحت وهج الشمس ووسط الأتربة التي يطفح بها الفضاء إذ استرسل أحدهم في ذكرياته واستحضر كيف كان سادياً ومُنساقاً خلف غريزته الحيوانية: ذات مرة وأثناء حملة قادتها بعض القوى على إحدى المناطق إذ قتل سيدة عجوز وأحرق منزلها لأنها لم ترشده أين يختبئ أحفادها. كان يُدرك جيداً لعبة الاختباء التي يُمارسها هؤلاء القرويون حتى باتت لا تُثير أي متعة لديه. تحت كومة من القش كان يجلس الأطفال يستولي عليهم الرُعب، ابتسم بمُكر وأمطرهم بوابل الرصاص، استدار قليلاً ليُباغته أحدهم بمصل حاد يتغلغل في صدره، وقع صريعاً وسكن جسده. في البرزخ احتجزت روحه السوداء داخل فوهة سلاح نتنة، حاول كثيراً الإفلات منها دون جدوى. إلى أن وآتته فُرصة أن يصنع معروفاً ويوقف إزهاق المزيد من الأرواح.

زحف الموكب عبر النيل وهُم يُرددون أُغنيات حماسية قديمة آلت للأُفول، ويتمايلون على أنغامها حاملين رايات كُتب عليها: “ليسقط الديكتاتور ولتنعم البشرية بالسلام”. عند وصولهم أطراف المدينة الفاضلة كانت تنتظرهم كتائب مدججة بالطائرات والدبابات. إذ أن أخبار عودة الموتى كانت قد تناقلتها جميع وسائل الإعلام. كتب أحد الناشطين: أن الموتى هم أدرى بما سيحصل في المستقبل لذا هاهم قد عادوا لتغيير بوصلة السير نحو الاتجاه الصحيح. وكتب آخر: إن الزومبي خطر يُهدد أمن البلاد وعلى الحكومة أن تتصدى لهم. بينما وقف الإمام على المنبر قائلاً: إن بُعد الناس عن الطريق القويم هو السبب وأن الله قد أنزل عذابه على الذين كفروا.

توقف الحشد على مقربة من الجُند، تأهب الأخير ثم فتح عليهم النار.

لم تُصبهم الطلقات والقذائف، فقد كان يبتلعها ثُقب أبيض شفاف يحمي طريق سيرهم. نفدت حيل الجيش وسط هذه -الكائنات- التي لا يُدركون سبب مجيئها أو مكان بعثها، تسلل الرُعب إلى نفوسهم، خارت عزيمة البعض وبدأ يتقهقر للوراء. أعطى قائد الجُثث إشارة البدء وانطلق الأطفال في الفضاء يرمون ورقتهم الرابحة. انزاحت الحواجز التي كانت تقف حائلاً دون الطريق وتدفق الحشد متجهاً صوب القصر.

الهتافات تصل آذان الشعب، تحشد الحماسة داخل نفوسهم، تتحرر من خوفها، تُشارك في أداء رقصة الخلاص وهي تستحضر خبر البارحة حيث أُذيع أن أحد المشايخ كان قد تنبأ قديماً: أن البلاد سوف تتطهر من قِبل أحد العائدين من العالم الآخر، والخير كُل الخير في من يقف خلفه.

ازدادت حدة الأشعة الحارقة، بدأت وكأنها تُعيق المسيرة، حينها توقف صاحب الرأس الضخمة، مال على النيل وقذف بالماء في الفضاء؛ فتدارت الشمس وسط الغيوم وكفت عن إرسال لهيبها.

أحاط الجمع القصر والقوى العسكرية التي تحميه، وتغلبوا عليهم سريعاً باستخدام سِلاحهم السِري. تناول القائد الطبل وشرعت تعزف خلفه أوركسترا كاملة. ارتجفت رجلي الديكتاتور وشرعت تتمايل على خطى الأنغام، تحركت رجلاه دون إرادته، فُتحت الأبواب التي كان يختبئ خلفها وخرج للشارع. هناك مزق ثيابه، صار عارياً، شرع يرقص وقد دخل في حالة جذب هستيرية، رفع يديه عالياً وبدأ يدور حول نفسه، مال برأسه للأمام ثم للخلف، تكررت الحركة لكن بوتيرة أعلى، رفع يديه عالياً مرة أُخرى ودار حول نفسه، إلى أن توقف وتدلت أحشاؤه تحرق الأرضية التي يقف عليها وتحرق باقي الجسد.

أفاق الصُبح أخيراً، تثاءب بأريحية وأزاح الغِطاء عنه، انقشعت سحابات الظلام، ابتعدت الغربان وهاجرت بعيداً، أذن المؤذن بصوت ناعم وجميل، وقُرِعت أجراس الكنائس. في الشارع امتزجت السحنات البشرية، وارتسمت اللوحة الأزلية التي افتقدها الجميع، وعادت الضحكات تملأ الأفواه.

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة