الرئيسية / احدث التدوينات / سمير أمين ( الماركسية بلا ضفاف: ما يجب تقبّله وفهمه جيداً من تحولات الرأسمالية )

سمير أمين ( الماركسية بلا ضفاف: ما يجب تقبّله وفهمه جيداً من تحولات الرأسمالية )

maxresdefault[1]

 بقلم: موسى اديبايور

رحل مؤخراً المفكر الاقتصادي والسياسي المصري «سمير أمين» (3سبتمبر 1931 – 8 اغسطس2018).* الذي عرف بنظريته الشهيرة في التطور اللامتكافئ وأثرها على العلاقات بين المركز والأطراف، وهي نظرية تعيد بناء أطروحة ماركس حول التراكم الأصلي في النظام الرأسمالي وتطور أطروحة لينين حول العلاقة العضوية بين التوسع الرأسمالي والغزو الاستعماري، كما أنها تطرح بديلاً عملياً لاستراتيجيات التنمية في بلدان الجنوب النامية قائمة على مفهوم التنمية المتمحورة حول الذات، من خلال فك الارتباط مع المركز الرأسمالي في مقابل فكرة التبادل العالمي الضامن للمنافع المشتركة وهي الأطروحة الليبرالية الكلاسيكية.

I

إستكمال نتائج منهج التفكير الماركسي:

كمفكر ماركسي لم يتوقف عند ماركس أو عند لاحقيه الرئيسيين ( لينين وماو) من بناة الماركسيات التاريخية، بل بدأ من ماركس ووضع “قانون للقيمة المعولمة” يتمشى من جهة مع أسس قانون القيمة الخاص بالرأسمالية كما اكتشفه ماركس، ومن جهة أخرى مع واقع التنمية المعولمة غير المتكافئة. “أن يكون المرء ماركسياً يعني استكمال العمل الذي بدأه ماركس، والماركسية كما تتشكل في لحظة معينة يجب أن تخضع للانتقاد الماركسي باستمرار وأن تغني نفسها دائماً بالانتقاد الجذري. لذلك كانت إضافة سمير أمين الرئيسية هي قيامه بإثراء الماركسية بلا ضفاف وإدراك طبيعة وحجم التناقضات الرئيسية والصراعات المرتبطة بها في إطار الرأسمالية المعاصرة. وهي النظرية التي تتعلق بالانتقال من قانون القيمة الرأسمالي إلى قانون القيمة المعولمة على أساس التراتب المعولم لأسعار قوة العمل وحول قيمتها. وعولمة هذه القيمة بجانب ممارساتها المتعلقة بالحصول علي الموارد الطبيعية هي أساس الريع الإمبريالي.

وبقانون القيمة المعولمة، أضاف سمير أمين مساهمة من الوزن الثقيل لإثراء الماركسية في ظل المرحلة الحالية للرأسمالية الاحتكارية المعممة والمأمولة.

حسب استنتاجات سمير أمين إن قانون القيمة مر بثلاث مراحل في مسار طويل من القرن التاسع عشر من كومنة باريس 1871 إلى بداية الحرب العالمية الأولى.

في البداية تحول القيمة إلى أسعار الإنتاج، الذي قام بتحليله كارل ماركس في الفصول الأولى من الجزء الثالث من كتاب رأس المال، لفهم الاستلاب السلعي الذي يتحكم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في ظل الرأسمالية.

 ثم في المرحلة الثانية تحول أسعار الإنتاج إلى أسعار السوق( وهي الأسعار الاحتكارية في ظل الرأسمالية المعاصرة). وهذا التحول قد حلله وعالجه ماركس جزئياً في الجزء الثالث من رأس المال، عندما تحدث عن توزيع فائض القيمة في حالة ملكية الأرض الزراعية.

وفي المرحلة الثالثة تحول القيمة إلى الأسعار المعولمة ( في ظل النظام الإمبريالي المعولم). وهو التحول الخطير في نظام إعادة الإنتاج الموسع الذي نتج بعد الحرب العالمية الأولى والثانية وتشوه الأسعار الناتج عن ظهور الاحتكارات.

والهدف المركزي من تحليلات سمير أمين كشف التحول الثالث الذي يسمح لنا بالانتقال من قانون القيمة في أعلى مستوى التجريد( أي النظام الرأسمالي للإنتاج) إلى قانون القيمة المعولم الذي يعمل على مستوى نظام الرأسمالية/ الإمبريالية المستقطب والقائم بالفعل.

وبما أن التراكم الرأسمالي مبني على تدمير جميع قواعد الثروة وهي البشر والطبيعة، لذا لا يمكن فصل قضية الموارد الطبيعة عن تحليل العولمة غير المتكافئة الناتجة عن التوسيع الرأسمالي، لأن الحصول غير المتكافئ على موارد الكوكب يمثل بدوره البعد الثاني الذي لا يقل خطورة عن ذلك المتمثل في تراتب أسعار قوة العمل على المستوى المعولم من الريع الامبريالي.

II

لم يوافق سمير أمين تحليلات المفكرين الماركسيين الجدد (توني نغري والآن باديو وسلافوج جيجك ومايكل هاردت) في أن حركة العولمة الجديدة غيرت نوعياً من طبيعة أنظمة الإنتاج والعلاقات الطبقية نتيجة لانتقال مفهوم العمل من العمل اليدوي، إلى العمل غير المادي، ومن وحدات المصانع إلى الشبكات المرنة ومن الإنتاج المادي إلى الإنتاج الذاتي القائم على الذكاء الاصطناعي والتصرف الجيني والتواصل الكثيف، بما كرّس نهاية الطبقة العاملة، التي راهن عليها ماركس في قيادة النضال الطبقي، وفتح آفاقاً جديدة للمشروع الماركسي نتيجة لانهيار نموذج الدولة القومية، التي هي المؤسسة الكبرى التي أبدعتها المنظومة الرأسمالية، واستندت إليها في ضبط علاقات التبادل الاقتصادي.

بل أكدت في كتاباته أن عملية التراكم في المنظومة الرأسمالية تتطلب إعادة إنتاج علاقات التبعية والاستغلال والعنف، التي كان ماركس قد حصرها في مسار التشكل البدائي للاقتصاد الرأسمالي، ومن هنا فإن المنظومة الرأسمالية التي تستوعب في بنيتها ومجالها العملي البلدان الاشتراكية ودول العالم الثالث، هي منظومة قائمة على التبادل اللامتكافئ، ولا يمكن أن ينشأ عن الاندماج فيها نهوض تنموي يخرج العالم الجنوبي من التخلف، ولذا توجبت القطيعة معها ولزم فك الارتباط بها.

هذه الأطروحة لم تنل قبولاً بين مفكري الماركسية الغربيين فيما عدا( بول سويزي وجيوفاني أريجي وهاري ماجدوف) وفي المقابل جرى تقبلها في الأوساط الآسيوية والأفريقية حيث ساهمت بطرق مختلفة ولكن متلاقية في تشكيل وجه آسيوي أفريقي للماركسية، أي ظهور “ماركسية بلا ضفاف”.

III

حجة الماركسية بلا ضفاف:

حجة الماركسية بلا ضفاف بسيطة ولكن لها شقان عند سمير أمين، يعتبر أن الرأسمالية التاريخية طوال وجودها إمبريالية، بمعنى أن الآليات اللصيقة بتوسعها العالمي لم تعمل على التسوية بين الظروف الاقتصادية على المستوى العالمي، وإنما على العكس ضاعفت من التفاوت بين المراكز الإمبريالية المسيطرة والتخوم المسودة. وفي ظل هذا التباين يتأكد قانون الإفقار الوثيق الصلة بمنطق التراكم الرأسمالي، وبوحشية لم تخطر ببال ماركس”.

وعلى الرغم من أن قيمة ساعة العمل واحدة على مستوى الرأسمالية المعولمة، إلا أنها تحصل على أجور متفاوتة بشكل شاسع بين المركز والتخوم.

قيمة ساعة العمل في مصانع الكوكاكولا الخرطوم بحري يختلف عن قيمة ساعة العمل في مصانع نيوريورك. هذا التفاوت الشاسع يتضاعف على المستوى العالمي كلما بعدنا عن المركز ( أمريكا وأوروبا واليابان) بسبب القيمة المنقولة من التخوم إلى المركز.

IIII

نموذجان للتراكم:

في كتاب قانون القيمة المعولمة تنبع القيمة الأساسية لمفهوم القيمة من ذلك الانتقاد الجذري للرأسمالية، والذي بدوره يسمح، بل يتطلب اكتشاف أساس الاستلاب السلعي واستغلال العمل اللصيق به. لذلك يقوم بتحديد اللحظتين اللتين توسعت فيهما الرأسمالية الاحتكارية والمرتبطتين بأزمتيها الطويلتين الأولى _1873 -1945 والثانية بدأت مع وقف الولايات المتحدة التحويل الحر للدولار إلى الذهب في عام 1971 وحتى اليوم. لذلك طرح نموذجان للتراكم واحد للمركز والآخر للتخوم، النموذج الخاص بالمركز تتحكم فيه ارتباطات قطاعي رأس المال، وبذلك يعبّر عن تماسك اقتصاد رأسمالي مرتكز على الذات. وفي المقابل يتحكم في نموذج التخوم الارتباط بين الصادرات( القوة المحركة) والاستهلاك ( المدفوع) في إعادة إنتاج النظام، أي أن النظام موجّه إلى الخارج بدلاً من الارتكاز على الذات.

وإذا طبقنا الشروط التي تعيد إنتاج التنمية غير المتكافئة على واقع أزمة الخبز في السودان نستنتج الآتي:

بسبب فرض سياسات إعادة الهيكلة على حكومة السودان تم تدمير هياكل الزراعة في السودان، وتشرد المزارعين الذين أصبحوا يعملون في المدن في أعمال هامشية، وأصبحوا يستهلكون القمح بكميات كبيرة، وبما أن الدول المنتجة للقمح تدعم مزارعيها نجد أن تكاليف إنتاج القمح رخيص لديها، فتقوم ببيع القمح للدول الفقيرة مثل السودان عبر الديون، لان الحكومة لديها العجز المزدوج في ميزان المدفوعات بسبب تراكم الديون تاريخياً، وتقوم الحكومة بفرض ضريبة مضاعفة للقمح المستورد، وتقوم بتصدير ثرواتها بشكل خام حتى تستطيع دفع ديونها، وبما أنها تنافس الدول الفقيرة في تصدير نفس السلع تضطر لإنزال أسعار صادراتها لان المنافسة تخفض الأسعار. واستمرار النقص في الميزانية يعني استمرار صفوف الخبز والبنزين…الخ. وبسبب سياسات الهيكلة والاتجاهات الاقتصادية التي تحددها متطلّبات التراكم في المركز يتعرض مواطني الدول الفقيرة لاستغلال مضاعف، والمستفيد من هذا الاستغلال البشع هم منتجي القمح في الدول الغنية بسبب قلة تكاليف الإنتاج، وأصحاب مطاحن القمح في الدول الفقيرة بسبب سياسات الاحتكار.

وبهذا النوع من التحليل على مستوى المادية التاريخية على الصعيد العالمي نعي الطبيعة العالمية للسلع وبالتالي للقيمة وحرية التحرك العالمي للرأسمال. وأن التناقض الرئيسي الذي يحكم جميع التناقضات الأخرى، هو التناقض بين شعوب التخوم( البرولتاريا والفلاحين والمستغِليين) وبين رأس المال الامبريالي، وليس بالطبع بين التخوم ككل والمركز ككل.

V

ما الحل؟ سؤال تجاوز نموذج التراكم غير المتكافئ:

يتبين لنا من تحليلات واستنتاجات سمير أمين بوضوح أن الرد الفعال على الأزمة الحالية، لن يتحقق عن طريق سياسات اقتصادية فاعلة يضعها التكنوقراط في كل أزمة لخدمة رأس المال في النهاية. ولا من خلال مشروعات إصلاحية حقيقية يضعها يساريون حسنوا النية.

لتجاوز هذا النموذج السيئ لابد من فهم الصراعات الاجتماعية والمواجهات الدولية من منظور عالمي، وعلينا في ذلك أن استحضار الصراع الطبقي وأخذ تاريخ أصل النظام في الاعتبار، وتحديد وتحليل الأساليب السابقة على الرأسمالية وملاحظة وتحليل تأثير سيطرة رأس المال على هذه الأساليب. وربط الصراع الطبقي على المستوى العالمي، ووضع هذا الترابط على الأساس الاقتصادي. ودراسة هذا الترابط بين الاقتصاد الرأسمالي المعولم والصراعات الاجتماعية والسياسية الوطنية القومية والدولية لا يمكن فصله بين الاتجاه لإعادة إنتاج علاقات ذات طبيعة رأسمالية محددة من جهة في مقابل متطلبات تجاوز هذه العلاقات في اتجاه اشتراكي من جهة أخرى.

*استندنا في هذا العرض من مؤلفات سمير أمين التالية:

1- “التراكم على الصعيد العالمي” ، بيروت 1973م.

2- “التبادل غير المتكافئ وقانون القيمة” ، بيروت 1974م.

3- “قانون القيمة المعولم” ، القاهرة 2012م.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة