شمعدون

djavol3_800х450-800x445

أنا شيطان و اسمي شمعدون, سأخبرك بما أستطيع فعله, أستطيع أن أذهب إلى أقصى مكان في الأرض برمشة عين, وأستطيع أن أتشكل على هيئة رجل جميل الوجه, أنا لست قبيحًا , وأستطيع أن أدخل أي مسجد على وجه الأرض, لكني كما قلت لك شيطان, وأحب الأشكال إلى نفسي هي أن أكون نسمة دافئة في الشتاء أو نسمة باردة في الصيف, وأما عندما أصبح همسة في أذن أحدهم أو فكرة ملهمة تذوب في قلب الإنسان الذي أختاره أصل إلى النشوة. عشت طويلاً أطول من ما أتذكر وتعلمت أكثر من ما أحتاجه, لقد فاض العلم عن حاجتي ولم أعد بحاجة إليه, عقلي مليء بالتجارب والعلوم لدرجة أني عندما أجلس إلى أبناء شعبي من الشياطين أظل صامتًا وإن تكلمت أشعر أني أتكلم مع حجارة صماء لا تسمع ولا تفهم, ظل السفر متعتي الوحيدة, وأحب أن أسافر على هيئة رجل كهل مليء بالتجاعيد كورقة قديمة رماها الدهر في سلة المهملات, لقد أهملني القدر ولم يعد يهتم بي, أعني أنه لم ينسج لحياتي أي حبكة كما قال لي إبليس:

يبدو أن قدرك ألا تموت, وألا تعلق في أي مشكلة, وقدرك هو أن تراقب بني أدم حتى النهاية . _أي نهاية ؟ _ يوم القيامة يا شمعدون, إنه النهاية .

 في الواقع هذا الحوار لم يحدث أبدًا, لكني تخيلته كما تخيل البشر الآلهة لتفسير لغز الوجود, لم ألتقي بإبليس قط حتى أني أشك أنه موجود, ألتقي ببعض الشياطين الغبية التي تظن أنه موجود وتؤمن بهدفه, وهو إغواء أكبر عدد من بني أدم. من يعيش ملايين السنين لا شك يسأم إلا أنا, لا زلت أجدني أستمتع بشروق الشمس في كل صباح, ضوءها دائمًا يجد في قلبي زهرة جديدة ليوقظها, لا زلت أشعر بالهيبة من رؤية الجبال العملاقة, والسير تحت ظلالها وأنا أمشي ببطء وثبات مثل بعض كهول بني أدم, وأحس أن هذه الجبال تعرفني وأنها تكاد أن تنطق وتلقي علي التحية, كأن يقول لي جبل كاللجينماروا: _ سررت برؤيتك يا شمعدون . أما جبال الألب فأحسها ستقول لي بصوت خشن وصاخب مثل أصوات محاربي التتار: _ ما الذي جاء بك إلى هنا يا شمعدون؟ ألا تعلم أن هذا المكان بارد جدًا .

أحيانًا أظل على حالة واحدة لأكثر من مئة عام فأنسى أني شيطان وأستمتع بالحياة كإنسان كهل. لا تفهموني خطأ أنا لا أحب البشر, لكن أنا شيطان ملعون بلعنة الخلود, فحتى لو صعدت إلى السماء فلن يتبعني شهاب ثاقب, وكما أن الشياطين الذين كانوا يعرفوني قد ماتوا منذ دهور طويلة, أخرهم مات والشعر الأبيض يغطي وجهه الأحمر, لم يستطع أن ينطق بكلمة عندما جاءه الموت, ولكني أصلحت آخر عبارة معطوبة لفظها من فمه, كانت: لماذا أموت؟ كنت سأرد عليه لولا أنه لفظ أنفاسه الأخيرة التي تحررت أخيرًا من صدره المتصدع القديم, ولماذا لا أموت أنا ؟ من الجميل أنه بعد كل هذه القرون التي عشتها لا زال الموت لغزا بالنسبة لي, والحياة الآخرة لغزًا محيرًا,  لقد أهدرت سنوات كثيرة أدخل القرى والمدن والمكتبات والجامعات والمعابد حتى أجد إجابة شافية . وكنت أعرف أني مسبقًا لا أريد أن أجد حلًا لهذا اللغز؛ إذ ما الذي سأفعله بعد أن أؤمن بيوم القيامة هل سأنتظره إلى أن يأتي ؟ وجدت أن الحياة حلوة عندما أكون كافرا, هذا متوقع مني كشيطان أليس كذلك, أنا أضحك الآن وبينما أضحك أخذ رشفة من نبيذ عمره مئة عام, للأسف رغم أني كنت حيًا عندما ظهر أنبياء بني إسرائيل إلا أني لم أر أحدًا منهم , كنت أعيش في أدغال الهند مع شيطانة وقعت في حبها, وظللت بالقرب منها حتى ماتت فوق فراش من ورد وهي تفترش شعرها الأبيض لم تسألني لماذا رغم ألوف السنين التي عشناها معًا لم أفقد شبابي , كانت تعلم أني مميز.كان والدي من الشياطين الذين يصعدون إلى السماء ويراوغون الشهب حتى يحصلوا على خبر يكشف العتمة عن المستقبل , ويبيع هذه الأخبار لساحر يقدم له التضحيات أو يعطيها لأعوان إبليس مقابل أن يصبح أكثر رتبة في الجيش, أما والدتي فقد ماتت بينما كانت ترضعني بضربة نيزك, كنت نائمًا في حضنها عندما سقط ذلك النيزك من السماء وحطم الكوخ تمامًا, أخبرني والدي أن حجارة الكوخ أصبحت سائلة وحمراء مثل الدم لفرط حرارة النيزك أما أمي فتحولت إلى رماد , لكن أنا كنت منغمسًا في قلب النيزك الذي أخرجوني منه بعد أن انتظروه يبرد . أخبرني أبي أنه حملني وطار بي إلى جنود إبليس الذين حملوني بدورهم إليه .

يقول أبي: أني تشرفت بأن أكون بين ذراعي إبليس وأنه باركني . حكى لي أبي هذه القصة مئات المرات لكني لم أصدقه أبدًا .لم أكن مثل بقية الأطفال يصدقون حكايات وأكاذيب أبائهم . حتى أخر الأنبياء محمد بن عبد الله لم أحظ بشرف رؤيته,  كنت في أصفهان أعيش مع عفريتة من الجن, يبدو أن أي نبي يظهر هناك عفريتة تلهيني عنه, وأنا لا أجيد مفارقة العفريتات, بالمناسبة هن جميلات جدًا لهذا أريدك أن تتخيلهن جميلات جدًا ولسن مثلما تصفهن العجائز في قصص ما قبل النوم, كما كنت أقول,  أنا لا أجيد مفارقتهن,  أحب أن أفي بوعودي فعندما أقول لإحداهن: سأبقى معك إلى الأبد .فهذا يعني أني سأبقى معهن حتى النهاية,  كثيرًا ما تركت عفريتات فوق فراش الموت,  بل أصبحت أحس بالموت ينظر إلي بعينيه الرهيبتين وهو يفكر : لماذا لم أقبض روحك بعد ؟ وسأخبرك بسر سيجعلك تتمنى لو كنت في محلي,  كل عفريتة التقيت بها كانت قادرة أن تضاجعني 70 عامًا داخل كهف وراء شلال من غير كلل ولا ملل ولا جوع ولا عطش , فقط حب يمتد طويلًا ويغذي نفسه مثل جذور الأشجار العملاقة . أنا بالنسبة للجميع لغز , بالنسبة لحبيباتي من أنا ؟ ولماذا لا أشيخ مثلهن .حتى أنا عندي أسئلة بخصوص نفسي ووجودي هنا ؟ ولا أعرف كيف أجيب ؟ ولماذا علي تصديق إجابات أمثالي وأقراني الواقعين مثلي في فخ الحياة .

ألتقي بالكثير من الجن المؤمن ويخبرني أن هناك حياة بعد الموت, وأن هناك إله وإلى أخر الغيبيات التي لا أستطيع التأكد منها, لماذا أصدق هؤلاء وهم محض جن اختار أن يؤمن وينام قرير العين لأنه بعد الموت سيجد ربًا رحيمًا يغفر له خطاياه ويدخله الجنة . علامات الاستفهام لا تزعجني حتى أنا أبدو مثل علامة استفهام أتجول في الأنحاء ,أسافر وأتعلم ,وأفكر قليلاً وأجد أني استمتعت بما تعلمته لكني لم أصل إلى شيء بعد . أخبرني أحد الشياطين أن وجودي في حد ذاته معجزة وأن علي أن أؤمن. أجبته أن وجودي لا يكفي ,فهناك بعض البشر العباقرة لم يقولوا لأنفسهم: أوه أنظروا وجودي في حد ذاته معجزة أنا أؤمن بما جاء به الأنبياء . هذه القصة عن الإنسان وليست عني أبدًا كشيطان غريب الأطوار, الآن أنا موجود داخل قرية كبيرة جدًا, فيها أناس معتزون بنسبهم الذي يمتد طويلًا بحيث أنهم يتعبون من مواصلة تعريفه, الفخر بالقبائل أمر مثير للسخرية بالنسبة لي وخصوصًا أني عشت طويلاً جدًا بحيث أدركت أنه يندر وجود دم صاف تمامًا , وفي القرية هناك رجال غيورين على نسائهم وهن حريصات على ارتداء الملابس الفضفاضة التي تستر أجسادهن . وهناك الأتقياء الذين يقومون بأداء صلواتهم ومعاملة الناس بالحسنى ,إنها قرية عادية فيها كل مزايا وعيوب الجنس البشري ,دخلتها وحللت فيها ضيفًا .وجدت عند أحد الفلاحين مكانًا لا بأس به لأنام . في الصباح استيقظ أهل القرية على صوت بوق عال جدا لدرجة أنهم ماتوا كلهم عن أخرهم ,ثم نفخ في الصور مرة ثانية فنهضوا واقفين ,لكنهم عندما استيقظوا اكتشفوا أنهم عراة وأن السماء مظلمة مثل بقعة سوداء من الحبر لكن رغم ذلك كانوا يستطيعون رؤية كل شيء بوضوح ,كانوا عراة ولكنهم لم يخجلوا من عريهم ,كانوا يشعرون بالخوف فحسب ,ذلك الخوف الذي وصفه لهم الوعاظ كثيرًا ,الخوف الذي يشعر به الإنسان في يوم القيامة ,وهم يخرجون من بيوتهم رؤوا أمواتهم وأجدادهم يمشون عراة بالقرب منهم والذهول ظاهر على وجوههم . النساء اللائي كن يزهون بعفافهن أصبحن لا يكترثن بعورتهن وبأجسادهن وهن يسرن عاريات في الشارع ,الأشخاص الذين كانوا يتباهون بقبائلهم وبأعراقهم لم يعودوا يشعرون بالزهو الآن. التجار والبخلاء واللصوص لم يعودوا يشعرون بالفائدة من أرباحهم وأموالهم التي اكتنزوها أو الأموال التي سرقوها ,العمدة ورجالة لم يعودوا يشعرون بالفائدة من سلطتهم ,لا يشعرون بشيء غير بالخوف الشديد . رأيتهم يتعذبون كثيرًا,ثم غادرت القرية . منذ البداية أخبرتك بالأشياء المذهلة التي أستطيع أن أقوم بها ,أستطيع أن أسافر إلى أقصى الأرض في رمشة عين وأستطيع أن أتشكل بالهيئة التي أريد ,ما لم أخبرك به ,هو أنني أستطيع أن أجعل قرية كاملة تظن أنها ترى الأموات ينهضون من المقابر وأنهم بعد أن سمعوا صوت الصور ماتوا بينما هم في الحقيقة أغمي عليهم ,وأنهم عادوا إلى الحياة بعد النفخة الثانية . عندما يعيش الناس تفاصيل يوم القيامة يتخلون بسرعة عن أوهامهم ويعرفون أنهم كانوا يعيشون في أكاذيب لا معنى لها . أظن أن هذا هو هدفي من الحياة أن أصفع الإنسان بقوة حتى يستيقظ من الوهم الذي يعيش فيه أو بعض الأوهام على الأقل.

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .