الرئيسية / احدث التدوينات / عبور إلى الضفة الأخرى: جسر بين الكتابة والنشر.. علاقة بين الكاتب والناشر

عبور إلى الضفة الأخرى: جسر بين الكتابة والنشر.. علاقة بين الكاتب والناشر

529644-1NAmCq1493388045

نتاج رحلة في عالم النشر

على الهامش

كيف تصبح ناشرًا؟

بدءًا من الهامش، هل يمكن أن أخبر أحدهم عن رؤيتي كي يصبح ناشرًا، بعد بضعة أشهر من العمل في مجال النشر أوشكت أن تكتمل لعام؛ هل سيبدو هذا منطقيًا؟

ظللت أفكر في هذا برهة من الوقت قبل أن أشرع في الكتابة؛ فالأمر جدّ محيّر، قد يخبرني أحدكم أنه لازال هناك الكثير لأعرفه! أو هل تعتقدين أن ما مضى من شهور كافيًا للحديث عن النشر، أو أنه قد يكون مؤهِلاً بما يكفي ليصدر عنكِ تساؤل مثل هذا، يحمل معنى الاستفهام كما يحمل معنى الإخبار:

كيف تصبح ناشرًا؟

لن أجيب سريعًا.. ففي هذه اللحظة التي أكتب فيها لا أعلم حقيقة، سوى أنني يجب أن أعود إلى البدء..

نعم البدء وليس البداية!

في البدء كانت الكلمة..

أما البداية، فلنقل إنني ومن البداية وقبل دخول عالم النشر نفسه كانت لدي تصوراتي الخاصة بناء على استنتاجات لها أسس ترسخت في ذهني، قادتني إلى تلك الاستنتاجات التي بنيت عليها تصوراتي تلك.

عندما يُنشر مقال على موقع الكتروني، يصاحب نهاية المقال كلمات تأخذ توصيف كلمات ذات صلة، أي أنها تتعلق بموضوع المقال، ربما إذا ما ضغط عليه القارئ تُعدّ مفتاحًا للولوج لمقال آخر أو موضوع جديد يتعلق بالمقال الذي بين يدي القارئ.إذا أردت استخدام تلك الفكرة فسأختار بضع كلمات كمفاتيح تتعلق بموضوع مقالي هذا أو يحتويها بين سطوره وأفكاره..

الكلمة واحدة من هذه المفاتيح، أما بقيتها فهي:

الأدب وتعريف الأديب ورأي العميد طه حسين.. قيم المجتمع الاستهلاكي.. العقل الجمعي.. زيجمونت باومان أبو الحداثة السائلة.. رأس المال.. أرسكين كالدويل.. الحاج محمد مدبولي.

ثم أضع سؤالاً هامًا بين قوسين (لماذا نكتب؟)

هذا السؤال الذي يتردد على أذهان الكُتّاب والقُرّاء أنفسهم إذا ما راودتهم فكرة الكتابة.

في قصيدة الحسين ثائرًا، تحدث عبد الرحمن الشرقاوي عن قيمة الكلمة، على لسان الحسين مخاطبًا الوليد حاكم المدينة عندما طالبه بمبايعة يزيد بين عبد الملك. دعوني أشارككم بها كي تعرفون الكلمة كما أعرفها:

أتدري ما معنى الكلمة؟

مفتاح الجنة في كلمة.. ودخول النار على كلمة.. وقضاء الله هو الكلمة

الكلمة -لو تعرف حرمة – زاداً مزخور

الكلمة نور وبعض الكلمات قبور

وبعض الكلمات قلاعاً شامخات يعتصم بها النبل البشري

الكلمة فرقان ما بين نبيّ وبغيّ

عيسى ما كان سوى كلمة

أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين

فساروا يهدون العالم.. الكلمة زلزلت الظالم

الكلمة حصن الحرية.. إن الكلمة مسؤولية

إن الرجل هو الكلمة.. شرف الرجل هو الكلمة.. شرف الله هو الكلمة.

عشت عمرًا أضع تلك القصيدة نصب عيني، وبناءً على هذا رأيت عالم الكَلِمْ عالم لا أقول مثاليًا، لكنه ينشد المثالية، ينشد التغيير لأجل ما هو أفضل من المثالية على أرض الواقع، ندرك نحن أصحابه، أن الكلمة سلاح قوي ناعم حاد وحاسم، دواء شافٍ، ومعنى واضح مستقيم لا يحيد، فالكلمات واضحة المعنى غير ملتبسة ونحن من نطوعها نزيدها غموضًا أو نمنحها صدقًا لا يقبل مزايدة.. وإلا فنحن لا نستحق شرف حمل لوائها.

هي أمانة قُدِّر لبعضنا أن يحملها.. ومن هنا كان عالم الكلمات بالنسبة لي عجائبيًا لحد بعيد، خاصة مع معايشتي هذا العالم لسنوات خلت، وحتى هذه اللحظة، وربما حتى أفنى. من هنا كان السؤال الذي لا تفيه إجابة واحدة ولا تُجْمِل معناه أو تفصله! لماذا نكتب؟

ربما اقترنت الإجابة لديّ بقيمة الكلمة نفسها، لتكن الإجابة الخاصة بي ربما لأنني أستطيع حمل أمانة الكلمة، أو ربما لأنني أستطيع أن أكون أحد رعاة الكلمة، أستطيع أن أكون كما أراني وكما أرى الإنسانية، إنسان يستطيع بالكلمة أن يساعد غيره من البشر، أن يدعمهم ويبادلهم المشاعر الطيبة والأفكار الجيدة، أن يدفع عنهم السوء وأن يجعل حيواتهم أفضل، أو على الأقل يمنحهم ما يجعلها تُحتمل.  وربما كانت الكتابة دوائي الشافي مما يعتمل في صدري نتيجة لمعايشة الحياة وخوض اختباراتها والابتلاء بخطوبها، أو حتى بالرضا فيها وعنها.

لا أعتقد أنها تصورات ساذجة، قدر ما هي تصورات نابعة من الإيمان بقيمة الكلمة وجوهرها.. انعكس تلقائيًا الاهتمام بالكلمة على الاهتمام بالأدب، الأدب في مصر كما وصفه ووصفها عميد الأدب العربي دكتور طه حسين في كتابه “الشعر الجاهلي“حينما قال:

“إن الأمة المصرية كانت منذ أن عرفها التاريخ ملجأ الأدب وموئل الحضارة، عصمت الأدب اليوناني من الضياع وحمت الأدب العربي من سطوة العجمة وبأس الترك والتتر”.

ويسترسل الرجل في حديثه ليُعبِّر عن خيبة أمله فيما ندرسه ونطلق عليه جزافًا الأدب العربي، ولما ندّعيه من علم بالكلمات واللغة والفنون الحكائية الروائية منها والقصصية وما إلى غير ذلك من صنوف الأدب.. يخبرنا عن ضرورة إجادة المشتغل بالكتابة، ودراسته بعلوم النحو والصرف والبيان والغريب والعروض والقافية، ويفهم الصلة بين الأدب والشعر وبين الأدب وغيره من مظاهر الحياة العقلية والشعورية المختلفة، وتحقيق الصلة بين آداب الأمم المختلفة وفهم تأثرها بعضها البعض، وإتقان اللغات السامية وآدابها، واليونانية واللاتينية وآدابهما، واللغات الإسلامية وآدابها، واللغات الأوروبية الحديثة وآدابها، والصلات المادية والمعنوية بين اللغة العربية وغيرها من اللغات. ناهيكم عن فقه اللغة العربية، وفقه اللغتين اليونانية واللاتينية، قرأ إلياذة هوميروس واينيادة فرجيل ليس هذا فحسب بل أكد على ضرورة فهم التوراة والأناجيل والإحاطة بشيء من أشعار عمر الخيام، والحافظ الشيرازي وأدب شكسبير وتولستوي وابسن. ليقول في النهاية:

“إن من يزعم أن الأدب العربي يمكن أن يدرس دون الاعتماد على هذا هو إما مخدوع أو مشعوذ”..

وأجمل هذا كله بضرورة وجود إطار من المعرفة الثقافية العامة التي لا يستغنى عنها طالب الأدب، كما لا يستغني عنها طالب الكيمياء، كما لا يستطيع أن يستغني عنها كل إنسان يريد أن يعيش عيشة راقية في بيئة راقية. وأتبع هذا بقوله:

” لعل حاجة الأدب إلى هذه الثقافة أشد من حاجة الدراسات الأخرى على اختلافها، فالأدب متصل بطبيعته اتصالاً شديدًا بأنحاء الحياة المختلفة سواء منها ما يمسّ العقل، وما يمسّ الشعور، وما يمسّ حاجاتنا المادية”.

لا أخفيكم سرًا، لقد استوقفتني أفكار العميد مرارًا وتكرارًا وخلُصت منها أنه ولاستحالة تحقق هذا في زمن العميد، فإن تلك الاستحالة تضاعفت في زمننا هذا، فلا المناخ العام ولا خلفية قيم المجتمع الاستهلاكي التي نحيا في ظلها، أو العقل الجمعي الذي تشغله توافه الأمور لتتحول إلى قضايا الساعة بين نقاش وأخذ ورد على تفاهتها وسطحيتها، كلها عوامل لا ترسخ لشيء، إلا لمحاولة التمسك بما نستطيع التشبث به من قيمة  للكلمة وللعمل المكتوب أيًا كان تصنيفه الأدبي، لم أكن بحاجة إلى الاقتناع بأنه إذا كان عميد الأدب العربي في عصره ذاك على زخمه بأسماء لامعة وقمم شامخة في شتى مجالات الفكر والثقافة وصنوف الأدب، يشتكي من سطحية القيمة وندرتها، واختلاط الأصالة بالحداثة، بمزيج عجيب لا دامت أصالته، ولا صلُحت حداثته، فما بال وقتنا هذا الذي تصورت أننا نستطيع أن نصف ثقافتنا فيه بمصطلح “النوفو  ثقافة” على شاكلة “النوفو ريش” المصطلح الذي يصف طبقة الأغنياء الجدد.  وعند ذلك الحد من الأفكار؛ رافقني زيجمونت باومان عالم الاجتماع الشهير الذي عُرِفَ بأبي الحداثة السائلة، تذكرت فيها كتابه الحداثة والهولوكوست، الذي وصفه بأنه ليست ميراثًا لمنطقة معينة، ولا منتوجًا ألمانيًا خالصًا، وأنه ليس حدثًا استثنائيًا ولحظة جنونية، أو حتى لحظة طفوح للقبح الإنساني للسطح، بل نتيجة حتمية للحداثة، وليس انحرافًا مؤقتًا لها، بل هي مرض الحداثة ومنتوجها، ولما أطلق عليه مصطلح الهندسة الاجتماعية، على شاكلة بستنة الحدائق.

“في مجتمعنا العقلاني، وفي أرقى ساحات حضارتنا وفي قمة الانتصارات الثقافية الإنسانية ولدت وطُبقت فكرة الهولوكوست؛ هي مشكلة المجتمع والثقافة والحضارة”.

نعم! لقد تحدث باومان عن الهولوكوست كمجزرة حيال البشر من آخرين، بشكل مجرد لم يُحَمِّل وزر الهولوكوست كاملاً للألمان وألمانيا، رغم أنه بولندي من أصول يهودية، ونال ما ناله جرّاء ذلك. ولكنه كان حياديًا بالقدر الكافي ليضع نصب عينيه الظواهر الاجتماعية والنفسية التي أدت إلى تلك المجزرة، تحدث عن العقل الوظيفي والنظم البيروقراطية الحديثة، اللذان يستخدمان بعض الوسائل للوصول إلى هدف معين، وذكر أن العقل الوظيفي يحيّد الفعل، ويجعل معيار قياس الفعل الإنساني هو المعيار الفني الميكانيكي وليست القيم الأخلاقية، فالعقل الوظيفي يرجح الإنتاجية وهي قيمة كميّة، ويجرد الفعل من الأخلاق ويضع مكانها الفعالية.

سمحت لنفسي أن أجمع بين ما أخبرنا به عميد الأدب العربي، وما تركه لنا أبو الحداثة السائلة، لأحاول تفسير هولوكوست من نوع جديد، هولوكوست الثقافة، هولوكوست الأدب، حيث امتزجت رؤية طه حسين عن الأدب وكيف انحدرت طرق تدريسه وتعليمه، تزعزعت بين أصالة مفقود ثلاثة أرباع مكوناتها، وحداثة سطحية لا تتعدى طبقاتها قشرة رقيقة لا تصل لعمق الأشياء ومكنونها؛ فوفقًا لما ذكره في الشعر الجاهلي، أن شيوخ الأدب العربي في مصر لم يقف بهم الأمر عند قصورهم  عن مهمتهم بالإلمام بكل مناحي الأدب قبل الخوض في تدريسه أو تعليمه أو وضع أسس ضعيفة لا يقوم عليها بنيان قوي، فتجاوزوا قصورهم إلى ما هو أشرّ منه، ألا وهو التقصير فيما كان يراه القدماء أمرًا ضروريًا لا انصراف عنه، بأن يكون الأدب الأخذ من كل شيء بطرف. ولتكتمل الرؤية بتفسير زيجمونت باومان عن المنظومة الأخلاقية في ظل إطار الانضباط الاجتماعي الذي وضعه الغرب وعاش وفق بنوده.. حيث السلوك الأخلاقي لا يمكن تصوره إلا في سياق التعايش، والوجود مع آخرين في سياق مجتمعي. إن باومان في هذا الإطار يصف الهولوكوست بأنه كان في جزء منه عملًا أخلاقيًا -أي أنه في سياق نظم المجتمع النازي- ومن أدلته على هذا أن أغلب من شاركوا بالإبادة الجماعية كانوا أشخاصًا أسوياء نفسيًا يجتازون أي اختبار نفسي بسهولة ودقة، فهم لم يكونوا مرضى، بل وفقًا للتنظيم الهرمي للسلطة، وتجربة ميلجرام في تفسير سلوك البشر العدواني فإن تحقيقهم للفعل عن طريق التوسط، فالفعل مراحل متباعدة ومتفرقة في التنظيم الهرمي للسلطة، وبتقطيع الفعل عبر التخصصات الوظيفية، تسهل عمليات الترشيد والعقلنة للتصرف غير الإنساني الوحشي مع الاحتفاظ براحة البال والرضا النفسي.

وعلى هذا فإن أدلة الهولوكوست الجديد وفق رؤيتي، بدأت مع ما أسس له أفراد المجتمع الأدبي بمنظومة أركانها مزعزعة غير مستقرة وانتهت ببنيان مقوض الأركان غير صالح للنهوض والبقاء والاستدامة ومن ثمّ التطورّ العميق بما يتيح تحديث البناء وتجديده وقوفًا على أسس قوية ثابتة.

أي أن ما نراه في عصرنا من انتكاسة أدبية وثقافية، ما هي إلا نتاج لجريمة ارتُكِبت في حق الأدب منذ وقت طويل وفق ما ذكره طه حسين، وعلينا بناء على ما تحدث به زيجمونت باومان ألا نستغرب الانحطاط الأدبي الذي نحيا في ظله الآن لأنه وعلى شاكلة الهولوكوست -عملًا في إطار المنظومة البيروقراطية- فالمنظومة التي أفسدت الأدب، لا تختلف كثيرًا عن تلك التي أباحت الإبادة العرقية.

وبلغة أبسط -قدر ما أحسب- ما نعايشه الآن من ردّة ثقافية، هو نتاج عقود من قصور متراكم أصبح هو الأصل وما خلاه باطل.

على الرغم من هذا، وعلى الرغم مما اختبرته لسنوات من موقعي كقارئ وككاتب، الذي أتاح لي رؤية ممتدة لمساحة مترامية الأطراف، لكنني أقف على حدودها لحد كبير من موضع قدمي وحتى امتداد بصري، ربما كان ينقصني التوغل بالأعماق، والذي أتاحه العمل بعالم النشر، أو لأصفه -مطبخ صناعة الكتاب- على شاكلة المطبخ السياسي.

لم يكن غريبًا أن أجد ثقافة المجتمع الاستهلاكي هي التي تحكم آليات العمل في سوق الكتاب، وأن دورة رأس المال وسيطرته هي التي تمنح لدار نشر مميزات عن أخرى، أو تمنح كاتب أفضلية على آخر لأنه بلغة السوق “بـ يبيع“. إن الوضع يشب نوع من الهيمنة الثقافية التي تفرضها الطبقة الحاكمة، أو المسيطرة على رأس المال لتهيمن بها على ثقافة المجتمع، ومعتقداته وتصوراته، وقيمه وأعرافه، حسب نظرية أنطونيو جرامشي.

بحكم موقعي بين مصر والسودان، اجتماعيًا وإنسانيًا وثقافيًا بالضرورة؛ تذكرت صديقنا مأمون التلب، ومعاركه الطاحنة وجداله المستمر والذي يتعلق بالإنتاج الأدبي في السودان، من حيث نوعيته وطبيعة من يقدمه.. كنت أقول له وللأصدقاء ممن يشاركوننا أن ما يكتب عنه ويتناوله هو حال عام لا في السودان ومصر فقط بل ربما في مجتمعاتنا العربية بشكل عام. وكانت تلك رؤيتي التي تنقصها المعايشة الفعلية، فلم تكن سوى رؤية ناتجة من قراءة الواقع بحكم القرب منه، فما بالكم بالولوج إليه!

لا أستطيع أن أخفي دهشتي بل وسخطي أحيانًا على حال أصبحت بشكل أو بآخر جزءًا منه، تذكرت أفكار ماركس عن رأس المال، وكيف أن المجتمع الرأسمالي يزيد الفقراء المعدومين، يزيدهم فقرًا وعددًا، ويضاعف من ثروة الأغنياء ومن سلطتهم على المجتمع بأكمله، لأفكر أن الرأسمالية وفي ظل منظومة إعلامية تخدمها وتروج لها، بما تصدره من قيم استهلاكية لم تنحصر في السلع التي يشتريها الإنسان دون حاجة فعلية وضرورية إليها، بل امتد أثرها ليشمل الثقافة والكلمة المكتوبة وكاتبها، فالجميع سلع تُعرض وتُباع وتُشترى. إذًا الكتاب مجرد سلعة، والكاتب نفسه سلعة يختلف مقياس رواجها قدر مقياس ما يُقدِّم من أعمال تمنحه الأفضلية في سوق الكتاب، وتزيد من قيمته الشرائية.. قيمة الكاتب لا الكتاب أعني!

أعلم أن ما أقوله قد يبدو صادمًا أو مؤلمًا للبعض إلا قليلًا، فلا أعتقد أننا متغافلون عن حقيقة فعلية، شئنا أم أبينا! بوقت ما في الثمانينات انتشر تعبير أفلام المقاولات، نسبة إلى مجموعة من منتجي الأفلام لم يكونوا أكثر من أغنياء جدد ربما حقق بعضهم ثروته من العمل في مجال المقاولات، لا يفقه شيئًا عن صناعة السينما وفن إنتاج الأفلام، لكنها كانت له بمثابة “سبوبة” ولقمة عيش سائغة أو لنطلق عليها بلغة العوام “بقلاوة”.

المهم ان تلك الظاهرة دامت لبعض الوقت حتى اختفت وحدثت بعض الصحوة في مجال صناعة الأفلام ليخرج علينا من حين لآخر أفلامًا تحمل من قيمة المعنى والفن الكثير، رغم قلتها، ومع هذا نتجت ظاهرة أخرى، ربما أسوأ من ظاهرة أفلام المقاولات، ليست إلا نتاج ثقافة المجتمع السطحية الفارغة، وقيمه الاستهلاكية التافهة، ولكن بصنعة حرفية لحد كبير، بحيث تظهر مبهرة، ومختلفة لكنها مجوفة، على شاكلة معنى اسم فيلم الجمال الأمريكي، والذي كان يعني ذلك الغلاف الجميل الذي يحوي بداخله القبح. وبالقياس، ولارتباط الفن والثقافة، والأدب بشتى ألوانهم وصنوفهم، فهناك المئات بل الآلاف من الكتب التي تُنتج وتُوزع وتُعرض وتباع وتحقق مبيعات عالية، ولكنها كالغث السمين، بلا معنى ولا قيمة حقيقة سوى أنها “بـ تبيع“.

لم يكن الأمر مفاجئًا قدر ما كان التعايش معه مرهقًا، ففي محاولة مستمرة لتفهم الآخر وقبوله كما هو عليه، كان أمرًا طبيعيًا بالمجمل أنه من حق كل إنسان أن يُعبّر عن نفسه بالطريقة التي تلائمه، وأن يكتب ما يريد لأنه في النهاية نتاج تفاعله مع بيئته وعالمه مدى موهبته التي يترجمها في صورة إبداعية، ليس بالضرورة أن تكون بارعة قدر ما تكون صادقة.. لكن ما زاد من رهقي وتوتري، هو معايشة تلك الحالة التي وصفتها بهولوكوست الأدب، أو الثقافة بالعموم، أن تصادف أعمالا دون المستوى، لاقت رواجًا فقط لأن هناك من أجاد التسويق لها، أجاد تزيينها وإظهارها دون غيرها، إنها إبادة الجيد لقاء الإبقاء على القبيح،  ليس هذا فحسب، بل إنه وفقًا لمقاييس ومعايير تلك الهيمنة الثقافية -وإن كانت من النوفو مثقفون والذين يمثلون نتاج سيطرة طبقة بعينها على المجتمع-  فإن أصحاب تلك الأعمال، يتصرفون من منطلق سيطرتهم على آليات السوق، فمعيارهم الأوحد حجم مبيعاتهم، ووفق هذا المعيار يتحولون تدريجيًا إلى مهيمنين، يطلبون لقاء ما يقدمون، وإذا كان ما يطلبونه المال، فما يقدمونه هي الكلمات! لقد أصبحت الكلمات سلعة والأفكار سلعة والإبداع ولو بأدنى درجاته سلعة.. لقد أصبح الكاتب إلى ورقة رابحة، ولنقل إنه يقامر بنفسه على نفسه، فمع الوقت لم يعد فقط تاجرًا بما امتلكه من موهبة وإبداع، بل أصبح مقامرًا يدرك أنه سيحصد كل أوراق اللعب في النهاية! لكن! إلى متى؟ فاليوم هو هنا، وغدًا هو بمكان آخر تزيد فرص الرهان والفوز، ولكن ماذا عن بعد غد؟ فلن يبقى طويلا ورقة رابحة، فالمجتمع الذي يصنع بطل مزيف، سرعان ما يتخلى عنه لصالح بطل مزيف جديد.

ما يجعل الأمر على شيء من الصعوبة أنك لا تستطيع اتهام فرد بعينه، أو مجموعة معينة بأنهم السبب المباشر في تلك الجريمة التي تقضي على قيمة الكلمة شيئًا فشيئًا، إنها منظومة واحدة، والجميع يعمل داخل سياقها، ولنعد لتفسير الهولوكوست كنتاج للحداثة وفق باومان، لنقيس الأمر على الواقع المعيش وفق معطيات السوق والعرض والطلب، وهيمنة فئة بعينها دونًا عن غيرها لتتصدر المشهد الثقافي..

إنها مجموعة من العوامل مجتمعة، كشبكة واسعة متشعبة ومتشابكة، كلما حاولت النفاذ عبر ممراتها واجهتك ممرات جديدة، لا تستطيع أن تحصر الأمر في قطاع من القطاعات التي تعمل في مجال النشر، فبالإضافة إلى دور النشر التي تهيمن على آليات السوق، ومجموعة الكُتّاب الذين يشكلون أوراق اللعب الرابحة، والبروباجندا الإعلامية الزائفة، هناك على جانب آخر، انعكاس الأحوال الاقتصادية على أسعار الورق والأحبار وتكاليف الطباعة ووسائل التوزيع ومدى انتشار الأعمال وفقًا لهذا سواء محليا أو عالميا، عبر الشراء المباشر أو التسوق الإلكتروني، وفي النهاية هناك قطاع من يقومون بسرقة نُسخ الأعمال المنشورة وإعادة طبعها وتوزيعها بأسعار مخفضة دون اعتبارات حقوق الملكية الفكرية للكاتب أو حقوق دور النشر والتوزيع، بما يضرب سوق الكتاب في مقتل بنسخ “مضروبة” أو مقلدة لأعمال أصلية.

رغم هذا فإن الصورة ليست قاتمة أغلب الوقت، فهناك مبدع حقيقي يومض بريق إبداعه بين عشرات اللامبدعين، أو المزيفين الذين خلقهم صراع السوق وهيمنة رأس المال في ظل غياب الوعي الجمعي، وسيادة القيم الاستهلاكية المبالغ فيها. وكما قال لي أحد الكُتّاب الشباب الموهوبين في حديث جمع بيننا:

“إذا كانت الأعمال الموجودة في السوق دون المستوى، فإنها نتاج لكاتب ضعيف المستوى فكريًا وقارئ أضعف منه يرى في الكاتب نجمًا وفي العمل إبداعًا”.

أما المبدعين الحقيقيين، فيشقون طريقهم بصعوبة وسط عوامل جميعها تعوق مسيرتهم وتعرقلها. فالعمل الجيّد لا يفرض نفسه إلا بمرور وقت طويل، وبعد جهد جهيد؛ وأغلبهم لا يمتلك القدرة على الصبر والانتظار، فبعيدًا عن رغبة كل كاتب أن تُقرأ كلماته، هناك معايير أخرى يضعونها نصب أعينهم، ولا نستطيع لومهم لرغبتهم في تحقيقها، فكل شاب موهوب يرغب في قدر لا بأس به من الشهرة، والربح المادي نظير منتوجه الأدبي، خاصة إذا ما وضع الكتابة غاية ووسيلة بالوقت ذاته، واعتبرها مورد رزقه الوحيد، ومصدر شهرته ونجوميته.

الجميع يُسَلِّعْ نفسه، وعمله، ويُسَعِرهما وفقا لآليات السوق، وفقًا لتحييد فعل الكتابة وتوظيفه ضمن المنظومة.

حتى الأحلام في هذا العالم قابلة للتسليع والتسعير. في هذا العالم لم تعد قيمة الكلمة هي جوهرها، بل أصبحت قيمتها مادية كميّة، أما الحالمون فلا مكان لهم داخل دائرة الضوء، بل هم على حوافها وقوفًا وترقبًا وانتظارًا لدَفْعِة تدخلهم بها وتمنحهم الفرصة التي ينتظرونها.

كلما قابلت أحد هؤلاء الشباب وأدركت حجم معاناته، لأن موهبته حقيقة بالفعل، لكنها لا تجد أرضًا صالحة كي تنمو ويشتد عودها وتضرب جذورها بالأعماق، تذكرت أرسكين كالدويل الأديب الأمريكي وحكايته والتي قصّها الكاتب عبد الوهاب مطاوع في واحد من كتبه التي تناولت نماذج إنسانية ناجحة، فيقول عنه في احدى الفقرات:

“قصة كالدويل والبطاطس بما ترمز إليه من القدرة على الكفاح وقوة الإرادة وتحمل جفاف الحياة خلال صعوبات البداية فلقد عاش سنوات يزرع البطاطس في الأرض المحيطة بالبيت الحجري الذي استأجره في مقاطعة فيرنون، بولاية مين الأمريكية ويأكلها وحدها بلا إدام.. ويكتب طوال الليل في غرفة باردة تتجمد فيها أصابعه وهو يدق بها على الآلة الكاتبة.. ويرسل القصة وراء القصة إلى المجلات الأدبية.. فتعيدها إليه ملصقًا عليها بطاقة رفض مطبوعة حتى تجمعت لديه من هذه البطاقات مجموعة كبيرة احتفظ بها في ألبوم ضخم كألبوم الطوابع! ومع هذا فلم ييأس ولم يتوقف عن الكتابة.. بل ولم يندم على قراره المصيري الذي اتخذه وهو في الثانية والعشرين من عمره بالاستقالة من وظيفته كمحرر صحفي بجريدة محلية يتقاضى أجرًا مضمونًا ليتفرغ لكتابة القصة، وليس في جيبه سوى بضع دولارات يشتري بها الورق وبذور البطاطس وطوابع البريد لإرسال القصص للمجلات، فيطول انتظاره سنوات وسنوات وتصاب أصابعه بقرح البرد ويفقد عشرين كيلو جرامًا من وزنه فلا يثنيه كل ذلك عن مواصلة المشوار”.

كالدويل ترك عمله كمحرر في صحيفة، رغم أنه كان يُدّر عليه دخلاً جيدًا، لم يكن يكتب لأجل المال أو الشهرة، بل كان يكتب لأجل الكتابة، لأجل الكلمة والفكرة والقيمة التي آمن بها، وجعلها هدفه وغايته، لا وسيلته لغاية أخرى أو هدف سواها، وقت أن نال كالدويل الشهرة التي يستحق بعد سنوات من العناء والصبر، أعيد طبع روايته “أرض الله الصغيرة” في طبعة شعبية فوزعت مليوني نسخة،وهي لم توزع في طبعتها الأولى سوى ثلاثة آلاف!

” أعظم الأعمال لا تتحقق بالرغبة وحدها وإنما بالمثابرة والدأب والاستمرار في بذل الجهد المخلص لتحقيقها، ولو تحمل الإنسان في سبيل ذلك…. البرد والحرمان ومرارة الرفض لفترة طويلة“.

كورت فونيجت روائي أمريكي، وُلِد عام 41 وتوفي عام 2007، تناولت كتاباته الإنسان والثورة الصناعية وخطر التطور الصناعي على الإنسانية…من أشهر أعماله البيانو الآلي، ومهد القطة..يرى أن خلاصة الأدب العظيم ان تقول بعد أن تقرأ… يالها من مأساة أن تكون إنسانًا.. تحدث كورت في مؤلفه كيف تكتب قصة عن أن:

“الموهبة شيء متوفر بكثرة لكن الشيء النادر هو الإرادة على تحمل حياة كحياة الكاتب، وذلك لأن الكاتب يشبه شخص يحاول أن يكسو الهرم الأكبر بورقة حائط واحدة!”

الآن بعد شهور من تجربتي في عالم النشر، زاد يقيني من حجم الصعوبات التي تواجه الكتاب الشباب، ممن يحاولون شق طريقهم في عالم الأدب، وأن واقعنا مؤلم، ولكن هل هناك طريقًا للنجاح كان ممهدًا ومفروشًا بالورود؟!نعم ستعانون في البداية، وسيزداد إحباطكم، تذكروا أن أغلب الكُتاب المشهورين، قد تم رفض أعمالهم في بداية حياتهم الأدبية، فالمتابع لقصص نجاح الأدباء الذين أوجدوا لأنفسهم مكانًا بين ظهرانينا، ليكونوا علامات نقتدي بها، سيجد أنهم جميعًا نالهم الكثير من الإحباطات والخيبات وقوبلوا بالرفض والتهكم والسخرية، وسيّر حياتهم تحكي طرفًا عن معاناتهم التي كابدوها قبل أن يصبحوا كتابًا كبار يذكرهم تاريخ الأدب وتترجم أعمالهم ويسعى الناس لقراءتها بمختلف اللغات. تذكروا لقد كان هدفهم الكتابة، ولم تكن وسيلتهم. هذا هو الفارق بين نجاح دائم ونجاح زائل. بين ناجح حقيقي، ونجاح مزيف.

وأعود لسؤالي على الهامش: كيف تصبح ناشرًا؟

لن أدّعي، أن لدي من الأدوات والخبرات ما يكفي لإجمال إجابة على سؤالي، لكنني سأعرض رؤيتي، فربما تكمن الإجابة في إيمانك الحقيقي بفكرة الكتابة وقيمتها، وهنا القيمة تحمل معنى مادي ومعنوي، فأنت صاحب عمل، عملك سيربحك، ويربح غيرك.. لن تستطيع أن تبني عملك فقط على أسس حالمة، أو مثالية، بل وفقًا لمعايير ومتطلبات السوق، دون أن تستسلم لقاعدة العرض والطلب، قدم أنت عرضًا مناسبًا، واخلق الطلب عليه، أنت تحتاج لرأس مال مناسب، وإمكانيات متكافئة مع ظروف إنتاج “السلعة”التي هنا هي الكتاب؛ الكتاب وليس الكاتب.. السلعة هنا خير رأس مال مستمر ودائم، لك كناشر وصاحب عمل، وللكاتب كمبدع وصاحب رسالة.

تستطيع أن تكون مركز ثِقِل تتمحور حوله صناعة الكتاب، تستطيع أن تكون صانعًا للنجوم، وراعيًا للأحلام، دون زلل أو مداهنة، أو مكايدة، تستطيع أن تكون “تاجر شاطر” وناشر أمين فقط بإيمانك بقيمة ما تصنع، بقيمة الفكر والأدب والكلمة؛ وقيمة الإنسان الذي هو المبدع!

لقد فعلها من قبلك شيخ الناشرين العرب، الحاج محمد مدبولي، الرجل الذي لم يكن يقرأ أو يكتب، لكنه عشق الكتاب، والكتابة فكان فضله على عالم الثقافة والكُتّاب فضلاً لا يُنسى! كما بقي اسمه خالدًا ككل من نشر لهم من كُتّاب مصريين وعرب، وكل من نشر عنهم ترجمات أعمالهم من كُتّاب عالميين.

أما أنا فسأواصل رحلتي عبورًا بين ضفتي نهر، إلى حين!

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .