الرئيسية / احدث التدوينات / فقدان الروح الوطنية في الخطاب التربوي السوداني

فقدان الروح الوطنية في الخطاب التربوي السوداني

2

1

حينما كنت طفلًا صغيرًا بأعين واسعة في إحدى الحافلات التي كانت تتجه من الخرطوم إلى بحري ، جلس بالقرب مني رجل تشير ملامحه إلى انه من قبيلة النوير شعرت حينها برعب يسري في داخلي لم اعرف سبب هذا الرعب ولكن فكرة أن هذا الرجل من جنوب السودان وأنا طفل شمالي جعلتني اعبر بخيالي إلى البعيد وأتصور تصورات غريبة سببها هو أن هذا الأخير ( الجنوبي ) لا ينتمي لهذه الأرض وإنما هو غريب ، لم أجد حينها مبررًا لما شعرت به .

ولكن بعد سنوات عديدة وتنقلي المتواصل بين أرجاء الأمكنة وعودتي مجددا إلى مدينة الخرطوم والزمان يعود بدورته وينفصل الجنوب ويصبح دولة مستقلة جلس بجانبي رجل بنفس ملامح السابق الذي كان قبل سنوات شعرت هذه المرة بشعور مختلف هو أننا ننتمي لدولة واحدة هذا الشعور كان مكتسبًا ولم ينشأ من تربية سواء أكانت تربية اجتماعية أو داخل مؤسسة تربوية

تعيد المؤسسات التربوية تشكيل الذات ، بحيث تعمل على خلق روح جديدة وفق بنى تعليمية محددة وتربوية محددة ومناهج تعليمية تشكل التصورات المستقبلية للفرد ،والتربية هي عملية نقل مجموعة معارف ومهارات وقيم من الملقي إلى المتلقي. هذا التعريف يكاد يكون هو المهيمن على جميع التصورات والبرامج والسياسات التربوية بشكل عام. والغاية من التربية دائما حسب نفس المنظور، هي إنتاج سلوكيات وأفعال تساعد الفرد على العيش والعمل والاندماج وسط المجتمع

وعندما نلتمس الطريقة الأكاديمية التي صممت بها المناهج التعليمية و التربوية في السودان نجدها ذات طبيعة أحادية تعمل على قهر الآخر ونفيه ووضعه في دائرة النفي دائما

2

تعود أصول التعليم في السودان إلى الأنظمة الاستعمارية حيث أدخل النسق التعليمي الحديث مع دخول الأتراك وتطور في فترة الانجليز ” عاملت بريطانيا شمال السودان معاملة تختلف عن معاملتها لبقية المناطق الأفريقية التي استعمرتها، مثل ساحل الذهب أو شرق أفريقيا. ففي تلك المناطق تبنى المستعمر البريطاني فلسفة عدم التدخل، وترك الأمور تجري على أعنتها (laissez –faire philosophy)، وأسندت أمر التعليم للبعثات المسيحية (التبشيرية). أما في السودان (الشمالي) فقد وضع المستعمر البريطاني – منذ دخوله للبلاد – سياسة حكومية تعليمية نشطة. وربما كان السبب في ذلك هو وضع السودان القانوني والسياسي المختلف عن بقية المستعمرات، والمنافسة بين “شريكي الحكم”، والحرية الواسعة التي أتاحتها لندن لحكومة السودان في إدارة البلاد.

ووضع أول مدير للمعارف في السودان، جيمس كيري (الذي تولى هذا المنصب من 1900 إلى 1914م) سياسة تعليمية لشمال السودان لها ثلاثة أهداف رئيسة هي:

أ/ خلق طبقة من الحرفيين الأَكْفاء.

ب/ نشر التعليم في أوساط عامة سكان البلاد بطرق تتيح لهم فهم أساسيات مبادئ عمل الجهاز الحكومي، خاصة في إدارة العدل بطريقة محايدة ومعتدلة ومُطَّرِدة.

ج/ خلق طبقة صغيرة من الإداريين السودانيين، الذين يمكن لهم – في النهاية – ملء الوظائف الحكومية الصغيرة “1

(Education in Colonial Sudan, 1900 -1957

Iris Seri-Hersch ايريس سيري – هيرش

ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي)

عندما جاء الاستقلال عند سودنة الوظائف لم تهتم النخب ببنية المؤسسة التعليمة وتحويلها من مؤسسة ذات جذور استعمارية إلى مؤسسة وطنية ، ومن هنا يمكن لنا القول أن كل المؤسسات التي بنيت علي أسس قديمة هي تحمل الروح الاستعمارية ويتضح هذا النموذج الاستعماري في كيف نظرت النخب الشمالية لبقية السودان المتعدد والذي لا يمكن دمجه بهذه الصورة التي تمت عن طريق بناء منهج تعليمي ذو سمات أحادية بحتة يكون فيها الأخر مقصي داخل الفضاء اللغوي أولًا و الديني ثانيًا وهو ما يبعد الإحساس عنه كمواطن .

3

لابد لنا أن ننظر إلى دور المنهج التعليمي في صياغ خطاب السلطة وتسويقه أثناء الحروب ؛ وكيف أن المنهج جعل من أولئك المدافعين عن قضاياهم في نظر المجتمع و الخطاب الإعلامي هم مجرد ( متمردين ) لذلك يمكن القول أن التعليم خلق من لأزمة الدولة الوطنية وجها آخر تختبئ خلفه ومثل هذه النقاط نجدها في العديد من القضايا “الإصرار على إقحام النصوص الدينية في مقدمات ومتون كافة الكتب سواء إن كان ذلك بغض التأطير للمواد الدراسية المعنية أو استشهاداً يحل مكان الاستدلال العلمي. فهو بكل ذلك يتخطي الأسس التي قامت عليها المعرفة العلمية طوال تاريخها عن طريق الإصرار على الربط التعسفي للمعرفة الإنسانية بالماورائيات أو اللاهوت وهي بذلك أيضاً تنسف الأساس العلمي لموضوعات الكتب من أساسه، والقائم على عقلية النقد وروح البحث ونسبية الحقيقة العلمية. هذا في الجوانب الابستمولوجية والمنهجية المتعلقة بهذا المنهج، ويتمثل الجانب العنصري في التحيز لدين بعينه دون الأديان الأخرى، وهو شكل من أشكال الاستبعاد Exclusion الديني، والذي هو وبالضرورة يفضي إلى كافة أشكال الإستعبادات الأخرى اجتماعية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية”2 (التجياني الحاج ، مداخل لفهم العنصرية في السودان )

و الأكثر وحشية هو أن يتربى الطفل علي تضخيم ذاته كعربي ناطق بالعربية فنجد ” تضخيم الذات العربية في هذه المناهج والتي ترد في أكثر من مثال وبطرق مختلف بغرض التكرار لترسيخ الفكرة الرئيسية ألا وهي (مركزة الذات العربية)في أذهان التلاميذ حتى وإن كان ذلك على حساب صحة الوقائع التاريخية إما بإنكارها تارة أو بالسكوت عنها تارة أخرى. وقد رأينا ذلك من خلال نماذج دراسة الهجرات والنماذج الأدبية التي ترسخ للنخيل أو النخلة أو مناقشة مسألة الذين قطنوا السودان من أقوام ومن هم السودانيين ومن هو الوافدين والإشارات الضمنية السالبة في هذا الموضوع”3 ( نفس المرجع السابق )

4

لا يمنكن لنا عزل قضية الوطنية دون فتح قضية أسلمة المعرفة فمنذ 1994 مع انطلاق ثورة التعليم العالي بدأت عملية الاسلمة التي استمرت وعاد مجددا عندما ظهر في خطة وضعها مركز تطوير المناهج (حكومي) عام 2013، كانت تهدف إلى تأصيل (أسلمة) مناهج التعليم العام

ومنذ ذلك الحين تواجه وزارة التربية عراقيل واسعة النطاق من قبل معلمين ليبراليين في سعيها لتطبيق الخطة. وتطرح الخطة إعادة صياغة أهداف المقررات بطريقة تتفق وتتسق مع التوجه الإسلامي للأمة من خلال الاستشهاد بالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في متن المادة العلمية، في منهج الأحياء المقرر على المرحلة الثانية من الثانوية العامة

وفي قسم اللغة العربية تقول الخطة إن التأصيل (الأسلمة) عملية ملحة لأنه يحول دون الغزو الفكري وآثار العولمة”، واقترح الاقتباس من كتب “الرحيق المختوم” تأليف صفي الرحمن المباركافوري، و”ثقافة الداعية” من تأليف الداعية المتشدد يوسف القرضاوي و”قبسات من السنة” للكاتب الإسلامي الراحل محمد قطب، و”المعلم الداعية” من تأليف عبد المنعم صبير الذي يشغل منصب مدير المعهد العالي للدراسات الشرعية بالخرطوم. كما اقترحت الخطة لتطوير منهج التاريخ “اعتماد القرآن والسنة كمصدرين للتاريخ، وأسلمة المصطلح التاريخي واعتماد التقويم الهجري وترسيخه مقابل التقويم الميلادي، والتركيز على التاريخ الإسلامي

وامتد نهج الأسلمة إلى الجغرافيا والدراسات البيئية، التي طالبت الخطة بتزويد مناهجها بدروس تتناول “التوحيد والرضاء بالقضاء والقدر والصبر على الابتلاء” عند وقوع كارثة طبيعية. وتنتشر اليوم في السودان مدارس تحمل أسماء ذات طابع ديني كـ”الفرقان” و”الهدى والنور” و”التقوى والصلاح”، كما أضيفت إليها صفات “الإسلامية” و”القرآنية” إلى جانب “العالمية” و”الحديثة”.

5

إن أردنا أجيال معفاة من كل هذه الأزمات علينا ببناء منهج تربوي تعليمي يقوم علي أسس الاستيعاب الكاملة لكل هذا التعدد و المزيج المتشعب من هذا الخليط السكاني و القبلي

عن حسان الناصر

mm
كاتب من السودان