الرئيسية / احدث التدوينات / قراءة لرواية “القرد الليبرالي” للكاتب التونسي سفيان رجب

قراءة لرواية “القرد الليبرالي” للكاتب التونسي سفيان رجب

CmLBeUHy

بقلم: فائز حسن

الإنسان لم يكن سوى قرد، ولكنه فقد ذيله في رحلته من الغابة إلى الحضارة. هذه فكرة مدهشة حقا وكتابة مختلفة تتبعت مسيرة هذا الإنسان عبر الزمن وفتحت قفص التفكير لطيور الأسئلة الوجودية المحبوسة منذ فجر التكوين والتي نحن اليوم في أمس الحوجة لطرحها ومطاردة الإجابات التي قد تعفينا من هذا القلق. ما هو أصلنا؟ وكيف صرنا هكذا؟ ولماذا نعتقد بأفضليتنا على الحيوان وهو الذي لم يصنع القنبلة ولم يشعل الحروب؟، هل نحن في قمة حضارة القرود ؟ أم أن القرد هو النسخة المتطورة من الإنسان؟، كل هذه الأسئلة وأخرى يزداد توهجها واشتعالها بين صفحات الرواية بينما داروين يشاهد من قبره هذا الحريق الذي أشعلته نظريته قبل عشرات السنين.

السخرية كحركة نقدية:

هي فعل موازي للنقد مساوي له في المقدار ومضاد له في الاتجاه. أعطى الكاتب بطل الرواية مقدرة عجيبة على السخرية حتى وهو يمر بأسوأ الظروف التي يمكن أن يمر بها شاب هرب من وضوح الريف وبساطته بحثاً عن ذاته، ليتفاجأ بقذارة المدينة وتعقيداتها فاختار السخرية مسكنًا لأوجاع هذه المعاناة، ابتداءً من اختياره لأن يعرف نفسه لتلك الجميلة التي قابلها عند تمثال بن خلدون باسم “دلول”، مرورًا بحكاياته عن المرأة المضطجعة والعجوز النائم، كل هذا الكم من السخرية والذي أضفى على أحداث الرواية نوعًا من اللطافة كان في الواقع مجموعة من الرسائل الخفية والنقد اللاذع لواقع الشخصيات والأحداث داخل الرواية، ونوع من السخرية المرة من واقع هذا الإنسان الساذج الذي صنع كذبته التي سماها جزافاً “الحضار ” وانبهر بها ونسي انه مازال يقشر الموز ويمارس الجنس تحت الأشجار كالقرد تمامًا.

لغة بسيطة وراوي مشاكس:

اللغة التي كتبت بها فصول الرواية تميزت بالبساطة والجزالة والوضوح فلا يمكنك بأي حال من الأحوال ان تشعر بالغرابة أو الغربة وأنت تبحر بعيدًا مع قارب الأحداث؛ بلاغة التشبيهات وجمال الاستعارات جاءت ملائمة لأحوال الشخوص ومواقفها  داخل أحداث السردية، أيضاً ما ميز لغة الكاتب أنه خلق نوعًا من التوازن في استخدامه للهجة التونسية فلم يسرف فيها وإنما جعل الباب مواربًا للقراء للدخول والحفر بحثًا عن جمال اللهجة التونسية، الكاتب حاول قدر الإمكان الابتعاد عن استخدام الكثير من الحواشي ونجح فعليًا في ذلك وهذا ما أضفى على الأحداث شيئًا من الغموض والتشويق وفتح للقارئ نوافذ التفكير في ماهية الكلمات الغريبة وتفاسيرها وفي اعتقادي هذه جرأة تحسب للكاتب ومغامرة محفوفة بالمخاطر لان السردية في رأيي ليست كتاب علمي يحتاج لقاموس جاهز من المعاني ليفسرها فهذا حتمًا يفسد الحبكة و يجعلها مكشوفة وأحادية التأويل أحيانا ثم إن اللغة حمالة أوجه لذلك من الأفضل الابتعاد عن الحواشي مسافة يمكن للقارئ من خلالها رؤية السردية من زاويته هو لا من زاوية الكاتب أو المترجم أو أي شخص آخر. كان صوت الراوي الناقل طاغيًا على بقية الأصوات داخل أحداث الرواية وهذا واضح وضوح الشمس في تعبير كل شخصية عن نفسها وسردها لما حدث معها من دون تدخل الكاتب وهذا جعل الحبكة تبدو متزنة إلى حد كبير وأبعدها عن الربكة واللبس الذي قد يصيبها جراء تقاطع الأصوات في السرد، أيضًا ما ميز اختيار الكاتب للأصوات مقدرته المهولة على جعل الحيوانات تتحدث بلسان الإنسان ومعايشة تفاصيله بل وسبقه بخطوات في تعامله مع الحضارة التي كان هو السبب في تشييدها، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على تمكن الكاتب من أدواته السردية ومخياله الخلاق.

القرد الليبرالي نافذة تفتحك على تونس:

وأنت تتبع بعينيك الأحداث تجلس في المقاهي الشعبية وتدخل من الباب الخلفي لحديقة قرطاج، تعبر شارع “الحبيب بورقيبة” لتستغل المترو من محطة برشلونة ، تتسكع في البارات ليلا لتصلي الفجر في احد مساجد قرطاج العتيقة، ومن على الراديو تأتيك الحكايات الشعبية التونسية دافئة من أفواه الجدات، في هذه الرواية يضيء لنا سفيان شوارع تونس المهملة ويفتح لنا صدور نسائها التي نسج فيها العنكبوت خيوط اليأس بفعل النسيان ورهبة المجتمع من الجنس، القرد الليبرالي يحملنا على ظهره ويصعد بنا على قمة شجرة مانجو ليرينا تونس التي لم نرها من قبل، ويرينا حقيقتنا حقيقة الإنسان بلا ربطة عنق أو مساحيق تجميل، ويهمس لنا أن تحسسوا ذيولكم يرحمكم الله.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة