الرئيسية / احدث التدوينات / كوب من اللبن المقنّن: قراءة في نص “وسواس”

كوب من اللبن المقنّن: قراءة في نص “وسواس”

36610613

صدرت المجموعة القصصية “صائد الوزين ” للكاتب إبراهيم جعفر مكرم ،إلكترونياً في أكتوبر من العام الماضي مرفقة بمجلة “جيل جديد” ، ومكوّنة من تسع عشرة قصة . سبقت هذه المجموعة إصدارة إلكترونية وورقية لمجموعة قصصية معنونة ب “ملاحم ” كانت هي الإصدارة الأولى للكاتب ، لم يحالفني الحظ بقراءة ملاحم وبالتالي تكوين ملاحظة عامة على آثار الكاتب، لكنني أرى أن مجموعة “صائد الوزّين ” وضعت مكرم باستحقاق بين قائمة أفضل كُتّاب القصة القصيرة من الشباب في السودان وربما في العالم العربي . جميع قصص المجموعة جيدة جداً من حيث اللغة ،تقنية السرد، وحتى الموضوعات التي تناولتها القصص، لكنني سأعلق في هذا المقال على نص “وسواس” تحديداً لأنه استحوذ على إعجابي ،ولأنني أرى فيه تجلي عبقرية الكاتب وفرادة أسلوبه . لكنني مجرد قارئة وليس مقدوري تقديم تعليقات على أسس علمية ترقى لمنزلة النقد ، لكنني سأستعرض هنا الملاحظات التي جالت في خاطري عند قراءة النص.

الراوي :

بدأ النص براوي عليم ،ليحكي في مشهد يشابه الكاميرا المتحركة مسار حميدتي منذ خروجه من البيت ، ثم وصف أفكاره الداخلية “راودته فكرة ثاقبة ومؤرقة للضمير ” ،لكنه تحول ليقول “زوجته فطين تخونه معي” ليحول ضمير المتكلم السارد إلى شخصية، وهي شخصية صديق حميدتي مجهول الاسم ،ليعود الراوي العليم ليصف كيفية عودة حميدتي إلى البيت ،ثم شخصية الصديق مرة أخرى ” لكنه تفاجأ بي جالساً قرب فطين ” . يتم التبادل بين الرواة بكل سلاسة ،ودون أي فواصل أو إشارات ليشعر القارئ باختلاف منظور السرد، حتى تأتي النقطة التي يقتل فيها حميدتي صديقه، لكن بدلاً من اختفاء الصوت كما هو متوقع تواصل ليحكي من خلال الجسد الميت ” وما إن نظر إلى جسدي المسجى وملامح وجهي الميتة” ،ليعود ويتبدل الموقع الذي يشغله الراوي في علاقته بالمكان الذي تدور فيه القصة التي يرويها لنا ،فقد استطاع الكاتب ببراعة جعل الراوي كلي المعرفة يتحدث بصيغة الأنا.

الزمن :

عند بداية النص كان الزمن الذي يوجد به الراوي بعد زمن الحدث ” حينما خرج الحاج حميدتي كان الوقت لا يزال مبكراً على موعد الصلاة ..”،النص دائري يبدأ بالشك ،محاولة التحقق ،القتل ،الشك ثانية ،ومحاولة التحقق . لذلك بدأ السرد بصيغة الماضي دعم دائرية النص بشكل أقوى . كان الزمن متباطئاً أحياناً عند وصف عودة حميدتي أو اللحظات الأولى لدخوله البيت ومراقبة الراوي وارتباك وخوف فطين ، ثم متسارعاً قليلاً عند المواجهة بين الراوي وحميدتي ” ،متقافزاً إلى حد ما بعد جريمة القتل ،ثم تأنيب الضمير ،وعدم “نسيان الأيام التي قضيناها معاً كرفيقين ” ..التغير في سرعة السرد زاد من تشويق القصة .

البناء :

كل عبارات النص قصيرة ،موجزة ،مباشرة ، لم تتخللها الكثير من الجمل الاعتراضية ،لذلك كان السرد قوياً وملائماً جداً لطبيعة الأحداث . “الندم وعي أخير ، فكيف للإنسان أن ينهي حياة الإنسان ” ربما كنت أفضل لو لم تكن هذه العبارة موجودة ، كان ليكون سحر النص أقوى ؛ إن أفضل النصوص بالنسبة لي هي التي لا أستطيع اقتباس عبارة واحدة منها ووضعها بين علامتي تنصيص ، سواء كانت عبارة تلخص فكرة النص الجوهرية أو جاءت عرضاً على لسان إحدى الشخوص، بالعموم لا أحب الجُمل المكثّفة التي يتداولها الناس على شكل حكم وخلاصات، فهي تقلل من جودة النص، بينما الأفضل لو كان النص كله ذائباً حد استحالة الاقتباس منه، ويحفز القارئ لصنع خلاصاته الخاصة بدلاً عن تقديمها بين طيات النص.

الشخوص :

– من غير الواضح إذا كان لقب الحاج الذي سبق اسم حميدتي نتج عن أدائه فريضة الحج -أحد أركان الدين الإسلامي ،أم أنه كعادة البعض ترفق بالاسم حين تقدم المنادى في العمر، وربما يكون كذلك مادام يملك أبناء، لكن في كلا الحالتين فهو لا يناقض كون حميدتي يصلي في مسيد أو ضريح أحد الأولياء الصالحين، وليس المسجد، ويذهب إلى الإنداية، فهذه عادات اجتماعية لا تناقض الدين بحسب اعتقاد الناس . عند تأكد حميدتي من خيانة زوجته له شرع في البكاء ،وبعد أن أستفزه صديقه ولحق به حاملاً السكين ارتبك حين رآه وتردد في قتله ،يهاب التجمعات ،شعر بالندم مباشرة عقب قتل الصديق رغم المبرر القوي لفعل ذلك ،عندما وضحت له زوجته أنها لم تخنه صدّقها ، كل هذه الصفات رسمت حميدتي كشخص ضعيف ،مضطرب، ويعاني خللاً نفسياً .

– على النقيض تماماً يظهر صديق حميدتي خائناً ،وقحاً ،ضحك على غباء صديقه بدلاً من أن يخجل من فعلته ،” لو إتدايرني مابتغباني ،أنا في السوق ” أكد أن حميدتي بعرف تحركاته ومكان تواجده ،لكن عاد وأكد على موقعه ،إمعاناً في استفزاز صديقه .

– أما فطين فشخصية ضبابيه إلى حد ما ،تهاب زوجها حد أنها ترتجف عندما بدأ يراقبها ،لكنها لم توضح له الحقيقة إلا بعد أن قتل حميدتي صديقه.

تشظي الذات:

 

كان القبر موجوداً منذ البداية عند وصف خروج حميدتي للصلاة ، قبل أن يقتل رفيقه ،”قاطعاً خرابة العشر حيث القبر ” ،وبعد أن قتله حميدتي ودفنه نهض في اليوم التالي وترك القبر خالياً، كأن الصديق كان ميتاً قبل قتله ،أو لم يمت أبداً !! . “لقد كنت أطابقه تماماً كانعكاسه مرآة ..وهذا جعله ينتبه إلى أنه لم يقتل سوى نفسه ” لم يستخدم الراوي مفردة يظن أو أي مفردة مشابهه تدل على الشك والتردد لكنه قال “ينتبه” مؤكداً بذلك حقيقة أن حميدتي وصديقه هما الشخص ذاته .

دائماً تتقافز الشكوك إلى عقل حميدتي حين يشرع في الصلاة ، ربما لأنه يصلي في ضريح ،مما يذكره بالقبر الذي يضم صديقه، وربما لأنها الوقت الذي يخلو حميدتي إلى نفسه ،ويهدأ ضجيج الأصوات الخارجية ،فيتمكن الشخص من التحدث إلى نفسه .

من الواضح أن حميدتي وصديقه هما الشخص ذاته رغم تضاد الشخصيتين الظاهري ،وكل الأحداث عبارة عن تخيل في عقل حاج حميدتي ،لكنني بنهاية النص خطر لي بأن الصديق مجهول الاسم /الراوي هو الحقيقي وحميدتي ليس إلا فكرة في عقله !! .

عن رهام حبيب

mm
كاتبة من السودان