مشوار

cb900162faa8acd0f9e68d90f55d8adb

 

(بينما تجري الحياة.. ثمة أغنية ما تدور في الخلفية.

بينما تدور أغنية ما.. ثمة حياة تجري في الخلفية)

عمر طاهر* – كتاب إذاعة الأغاني**

الساعة السابعة والنصف صباحاً لتوي وجدت مقعداً على الحافلة التي تقلني إلى مدرستي الثانوية؛ بعد صراع مُحتدمْ وعنيف عند الباب مع رفاقي الذين يشاركونني نفس المدرسة. هذا الصراع اليومي الذي اعتدنا عليه.. نتدافع بعنف، ونحن نطلقْ الضحكات الساخرة والجُمل البذيئة، حتى يستقر بنا الحال كلٌ في مقعده، نبتسم لبعضنا البعض، ثم نبدأ جولة جديدة من الصراع، وهذه المرة بالسخرية من بعضنا البعض وإطلاق النكات السخيفة، أو أي شيء نُبدّد به قسوة الطريق.

كنت أحبذ المقعدْ الذي يلي السائق مباشرةً حتى اشتهرت بذلك، لأبعد نفسي عن ضوضاء المقاعد الأخيرة واعزل نفسي تدريجياً عن صخبهم الكثيف… ولأستطيع معاينة الشارع بصورة جيدة، فمشهد الشارع يدهشني كل يوم بشيء جديد؛ رغم تكرار عبوري به للعام الثاني على التوالي.

وفي غمرة اندهاشي بتفاصيل الشارع وانهماكي في اكتشافه، نبهني جهاز التسجيل إلى صوت عذب وجميل ينبعث من خلاله. وبكلمات لا زلت أتذكرها جيداً:

سَلّم بي عُيونو

وما قال لي كلامْ..

رِدتا عُيونو اكتر

وعلّمني الغرامْ..

فغرتُ فاهي دهشةً بهذه الأبيات البسيطة والتي تمثل دارجيتنا في أجلّ صورها. أرخيتُ فَكّي الأسفل ذهولاً باللحن الراقص الطروب. الصوت كان لمغنّية أنثى، كانت تردد الأبيات بأسلوب غريب وسلس ومميز، وصوت ناعم ومتغنج.

لم اخرج من دهشتي إلا على صفعات رفقائي وهم ينبهونني لوصولنا إلى المدرسة. نزلت بتثاقل من باب الحافلة وكأن ّهناك شيئا يجذبني إلى المقعد لأجلس عليه. كنت مسحوراً بهذا اللحن الذي لم يكتمل الآن، أرهفت سمعي وأنا أخطو خطواتي الأولى داخل الحَرمْ المدرسي وأنا أحاول جاهداً تصيّد باقي اللحن. والذي ظل صداه يتردد في ذاكرتي حتى نهاية اليوم الدراسي…

.

سَلّم بي عُيونو

وما قال لي كلامْ.

 

رِدتا عُيونو اكتر

وعلّمني الغرامْ..

عبرت في ذهني مشاهد كثيرة كنت فوّتها على نفسي، لولا هذه الأغنية. مشهدّ جارتي التي تختلس النظر إليّ عصراً وأنا مُنهمكْ في عَجنْ الطين لبناء حائطنا الخلفي التي أسقطته الأمطار، تنظر إليّ وتذهب في حال سبيلها دون رفع يدها أو صوتها بالسلام.

مشهد الفتاة التي أقابلها في محطة المواصلات قبل معركة الصعود إلى الحافلة، والتي ترفع بصرها نحوي دون أن ألاحظ، وحين انتبه لها، تخفضه في حياء، وصويحباتها يضحكن في غنج.

****

في اليوم التالي حجزت مكاني بذات الطريقة، وطلبت من السائق تشغيل أغنية الأمس، حتى استطيع سماعها كاملة.

لأجد نفسي وقد حفظت المقطع التالي من أول مرة:

زي طَاوؤس تبخّتر

في حِلّتنا حَام ..

رِدتا عُيونو اكتر

وعلّمني الغرام.

وهكذا ظل اللحن يدور في ذهني كطاحونة هوائية مستمرة لا يوقفها شيء. ذهني يتّقدْ به منذ ذلك الحين والى الآن، لم يتغيّر بتقادمْ السنين ولا تعاقب الأيام. اذكره في كل حين، في عمق الحصص الدراسية، وربما في الصلاة أيضاً.

لم تقابلني الأغنية في أي مكان آخر. لا قناة تلفزيونية أو محطة إذاعية أو حفل شعبي. وعلى وجه الدقة لم ابحث عنها أبداً واكتفيت بسماعها من جهاز التسجيل كلما ركبت في الحافلة، اكتفيت بتسجيلها الذي اختزنته في ذاكرتي. بالطبع لا اعرف المغنية ولا كاتب الكلمات، ولكنها تظل من أجمل الأشياء التي حدثت لي وأنا لازلت طالباً بمدرسة عبد الله الحسن الثانوية بنين بشندي.

_____

*عمر طاهر:

كاتب صحفي وشاعر مصري من مواليد 1975. له مؤلفات عديدة في السينما والشعر والكتابة الساخرة.

**إذاعة الأغاني-سيرة شخصية للغناء:

أحد مؤلفات عمر طاهر ، صدر له في العام 2015 عن دار الكرمة، وهو كتاب يحوي قصص وحكايات عن المرات الأولى التي سمع فيها أغاني وعلقت في ذهنه. وحصد بهذا الكتاب جائزة أفضل كاتب في العام 2015.

عن عثمان الشيخ

mm
كاتب من السودان