الرئيسية / احدث التدوينات / مقالة نقدية لرواية جروح الذاكرة للكاتب تركي الحمد.

مقالة نقدية لرواية جروح الذاكرة للكاتب تركي الحمد.

جروح-الذاكرة

“إلى لعنة الظلام أهدي هذه الشمعة ، عسى أن تكون شمعة”.

              
استطاع الكاتب أن يصنع صورة غير نمطية للمجتمع السعودي ، غير تلك المألوفة التي تم تصديرها ، وذلك لأنه كتب للإنسان ثم دلف إلى عالم المرأة ، وتستطيع من خلال المرأة قياس نبض المجتمع. إن تغيّر الرجل العربي لا يعني أن المجتمع تغير ، وأما تغيّر المرأة فهو بالضرورة يعني أن المجتمع قد تغيّر ، وبالقياس نفهم إن كان تطور أم تدهور .. إن الرواية تتضمن سؤالاً قوياً: لماذا نكفر بالحقيقة؟

جروح الذاكرة رواية سردية في المقام الأول ، وأثناء قراءتي لها اندهشتُ حينما تجاوزت الصفحة العشرون بعد المائة ولا وجود للحوار بين أي من الشخصيات ، فما السر وراء ذلك؟ وهل طغيان السرد اختيار موفق من الكاتب؟ .. سوف نرى.

في افتتاحية الرواية امرأة تقف خلف شرفة بيتها بعد الرابعة فجراً ، ويتقلب ذهنها كصفحات كتاب ، صفحة تلو الأخرى: رؤيتها صدفةً لأبيها يجامع أمها ، والثور يعاشر البقرة ، محاولة اغتصابها ، ألعابها الفضولية مع ابن عمها وضبط أختها لهما ، دورتها الشهرية الأولى ، ليلة زواجها ، حبلها ، أول مخاض لها ، وذكريات أخرى عن قريتها نجد ، وانتقالها من نجد إلى الرياض ، وتحولهم من الطبقة الفقيرة للطبقة البرجوازية .. إن حبكة تلك الرواية تتكون من عناصر أساسية: الكبت ، الخوف ، الجنون .. شخصية لطيفة في هذه الرواية هي الشمس ومن حولها تطوّف الأحداث والتواريخ والشخصيات ، هي النقطة ، والدائرة هي التقاليد والعرف .. المكان: نجد والرياض والأردن ، الزمان غير محدد بأرقام ، وإنما استخدم الكاتب التأريخ للأحداث بذكر وقائع مثل: حرب العراق وإيران ، أحداث البوسنة والهرسك ، أحداث أيلول الأسود والحرب الأهلية في الأردن.

هي امرأة تقرأ أشعار المتنبي وامرؤ القيس ، تقرأ في الفلسفة والتاريخ ، ولها ميول فنية ، وذلك أمرٌ يتناقض مع نشأتها التي جاءت في سرد ذكرياتها ، وخصوصاً أنها تزوجت وهي لا تعرف القراءة ولا الكتابة ، ثم أنها تخبر ابنتها أن العلم يطلب لذاته لا لشيء آخر ، إن هذا التناقض هو ما أضاف للرواية جاذبية ناعمة ومؤرَّقة في آن ، ولعل هذا الشكل من السرد يمكنني تسميته: السرد اليتيم. لأنك لن تجد أجوبة أسئلتك إلا في الثلث الأخير منها.

هي المرأة الكاملة ، الأم المثالية ، الزوجة الصالحة ، لا تشتكي ولا تتذمر ، دائمة الصمت ، لا شيء يعكر حياتها .. يتغير كل شيء بوسواس كأنه العثة تنخر مخها ، حين شارفت على الخمسين من عمرها ، وجاءها وسواس من جارتها أثار فيها الشكوك والظنون ، وأنها لم تعد صالحة .. هي التي كانت زاهدة عن زوجها ، وجدت نفسها فجأة كأن أنوثتها اكتملت لتوها ، وهو رجل لا يعيبه شيء سوى جيبه ، وهي امرأة لها تاريخ صلاحية وسن يأس ، فلا مانع لو تزوج امرأة أخرى .. وجدت نفسها تتجسس عليه وتراقبه ، وتحاول أن تجعله يقلع عن شرب الخمر ظناً منها أن الخمر يجلب اشتهاء للنساء ، ولكي تفهم سبب شربه للخمر أخذت تقرأ لتفهم السبب ، فعلمت أن سبب شربه للخمر هو أنه لا يشعر بالسعادة والرضى ، ولكنها وضعت نفسها المتهمة الأولى المقصرة في حقه ، هي سبب تعاسته .. عندما يصل الشيء إلى أقصى مداه ينقلب إلى ضده الآخر ، فتوقفت عن قراءة الكتب كلها ، وراحت تقرأ في كتب مثل: عذاب القبر وأهوال الساعة والقيامة ، ومزّقتْ كل الكتب وأحرقتها ، وحطّمت التماثيل كلها ، وتحولت إلى امرأة أخرى .. وتدريجياً أصبحت مريضة نفسياً وحالتها مأزومة .. يعرض لنا الكاتب منازل تدهورها: الشك ، ثم الكبت ، ثم التطرف الديني ، ثم التبرج المفرط ، ثم الإنهيار. ولا أحد يفهمها .. تتضمن الرواية إشارة: أن الاستهانة بالأحلام تجلب فساد النفس .. وبمناسبة الأحلام ، كنت قد قرأت تفسير الأحلام لفرويد ورأيت أن هذا الكتاب له أهمية كبيرة ، وها هو تركي الحمد يخبرنا أن للأحلام قيمتها ، واستعان الكاتب بنفس المنهج الفرويدي ، فمثلاً روي لها حلماً فيه العناصر التالية: مرج أخضر ، بقعة أرض جدباء ، ابنها ، زوجها ، أخا زوجها ، ثعبان برأس ثور ، مضرب حديدي. وحلم آخر لها: تركض وراء أختها تحاول اللحاق بها. ذلك الركض في منهج فرويد معناه فارق في السن لا يمكن إغفاله ، وكذلك الفرق بينها وبين زوجها خمسة عشرة سنة.

وعندما ساءت حالة لطيفة تماماً ، وبعد أن كادت تموت تحت يد الدجال الذي قال أنها مسحورة وأخذ يضرب فيها بخيزرانة قاسية ، لأن زوجها رغم قناعته بحاجتها للعلاج النفسي ولكنه تساءل: ماذا سيقول الناس إن علموا أن زوجة الشيخ صالح مجنونة؟ ، وبعد رفض المصح الأمريكي في أمريكا لها لأن المعالج يستحسن أن يكون من نفس نشأتها وعلى نفس لغتها ، لأن علاجها يكون بالتحليل النفسي ؛ قرر أن يعالجها في مصح في الأردن حسب نصيحة الطبيب الأمريكي.

فهمتُ الآن سر طغيان السرد ، فهي عندما بدأت بالتحدث مع معالجها النفسي وأخذت تتكلم وتخرج كل ما هو مكبوت فيها ، بدأت حالتها في التحسن .. إن هذه لفتة قوية من الكاتب ، الكبت يجلب المرض ، والكلام يريح صاحبه .. وعلى أي حال ، فإن هذه الرواية تناقش أربعة قضايا أساسية:

أولاً: الطفرة .. طفرة سوق العمل ، والذهب الأسود ..

ثانياً: صراع بين العلم والخرافة ..

ثالثاً: صراع بين سياسة المألوف والجديد ..

رابعاً: المرأة في المجتمع العربي بوجه عام ، والمجتمع السعودي بوجه خاص.

في الثلث الأخير من الرواية تتصاعد لغة الحوار بشكل لافت ، وتقترب لطيفة من الشفاء كلما زادت لغة الحوار .. ولأنني من أصحاب مذهب: لا تحرق الأحداث ، فسوف أكتفي بتلك اللفتة الخافتة عن الرواية.

إن الكاتب بحكم ظروف هو عاينها وعانى منها استطاع صياغة شخصية لطيفة لتكون هي الإسقاط الرمزي القوي على أمور كثيرة في المجتمع.

 

عن رجب منى السيد

mm
قاص من مصر