الرئيسية / احدث التدوينات / نضاﻻت أغفلها التاريخ

نضاﻻت أغفلها التاريخ

33-2-411x330

موهبة مدهشة تلك الصياغة ، أي براعة وصف بها فترة السجن التي قضاها المحامي “اللاعب” بالفندق إلى حد اختلال عقله ، حمى لعب ، حمى تحريك ! إن أي كلمة سطرها مقدم الكتاب بمقدمة “ﻻعب الشطرنج” بحق أدب زفايج لهي حقًا تليق بحرفه وإنسانه وإن طالها الغلو.

لو أمعنا النظر حول خلفية حياة البطل القروي لرأينا أن زفايج لم يكن رحيمًا ببطله ، فالطبع الجاف لزينتوفيك إنما كان وسيلة يداري بها خواءه ، فهو ابن لأب بائس فقير ، وحين ذاع صيته ـ وقبله ـ أراد أن يوقظ تلك الهوة . حاله هذه ترافق تمامًا وصف موم لأحد أبطاله “ولم يكن لها من الملاحة سوى ما يضيفه الشباب ” فزينتوفيك منذ صغره قليل التركيز وقد بذل قسيس القرية معه ما بذل ” يحني ميركو جبهته الفسيحة على سطور سبق شرحها له أكثر من مئة مرة ويظل يحملق فيها بعين خالية من الفهم بل إنه بعد أن بلغ الرابعة عشر ظل لا يعد إلا على أصابعه ، لا يقرأ صحيفة أو كتابًا إلا بمشقة بالغة وما كان لأحد أن يتهمه بأنه لا يبذل غاية جهده ” أي أنه كان هناك جهدًا من جانب الصبي ومع ذلك كان حصاده ” لا شيء” أو ضعيفًا جدًا إن صح . المهام الجسدية أهل لها أما الفكرية فلا .

” ينطق منظره بغياب الذهن ……… لا يلقي باله أبدًا إلى شيء يحدث أمامه ” هذا هو زينتوفيك اللاعب العالمي ، كبر وازدادت لامبالاته وازداد غياب ذهنه ” لم يفلح الصحفيون قط في أن ينتزعوا من فمه كلمة واحدة تنفع مقالاتهم عنه “

السؤال الذي يطرح نفسه هنا : هل الموهبة وحدها تكفي للصعود ؟ وقد صعد زفايج رغم فكره المغلق إذا ، هل الموهبة وحدها تكفي للصمود !

على القارئ ألا يغفل أن الحديث عن زينتوفيك إنما جاء على لسان صديق الراوي . أي أن الشخصية المتخيلة لزينتوفيك بذهن القارئ إنما هي خيال شخصية أخرى ولا ريب أنه لم يكن معجبًا به إذ يصفه بالبجاحة والصلف وفراغ الرأس بلا أدنى تعاطف.

في الجانب الآخر ، لاعب الشطرنج الثاني ، سرد قصته بنفسه وجاء تعاطف القارئ معه أكبر وهو ما كان ليحدث مع زينتوفيك لو أن سيرته لم يروها غيره . يتبدى واضحًا للقارئ من سرد السيد “ب” لقصته مقارنة بالسرد الآخر عن زينتوفيك أن هناك حذفًا في قصة هذا الأخير ، ليس كذبًا عن طريق الحذف وإنما عن طريق الجهل .

المثال الذي يعرضه اللاعب الثاني : هو الموهبة الممزوجة بالفكر ، فالابتكار ، هل تصعد وتصمد ! وقد جاء تحاور الموهبتين حول حلبة الشطرنج شافيًا بالرد .

أما بنص محمد الخير حامد” نضاﻻت أغفلها التاريخ “وهي تحكي قصة شاب يدعى عبده ، شب عن الطوق واكتشف أنه ابن لذة عابرة وما أبلغ العبارة التي استخدمها الكاتب ” حتى وعى الحياة وفهم اﻷمر ” موجزة ، تحوي الكثير عن والده.كان يعتقد أن أمثال اﻷغنياء وأصحاب السيارات هم من أخذوا حقه ، صار يحقد عليهم وقرر اﻻنتقام منهم بشتى الطرق من سطو وترويع وإتلاف .

هنا الراوي اختار المكان المناسب والزمن العصيب لسرد قصة عبده ؛ مجرى مياه متعفن ، يقف بقدمه اليمنى على طرف نتوء جانبي واليسرى على الجانب اﻵخر للمجرى بينما الشرطة فوقه تبحث عنه . بهذا المكان النتن يحدثنا الراوي عن عبده بينما أخبار زينتوفيك كانت تروى على سطح السفينة بالهواء الطلق . ورغم حيادية السرد إﻻ أن القارئ يؤمن لنضاﻻته ، ف”عبده” غير مقتنع بأنه مجرم “هل هو مجرم فعلا…. لماذا تضايقه الشرطة وتسعى وراءه … كم من المرات طرح السؤال على نفسه ولم يجد له إجابة تقنعه “

حينما قبض عليه كان مزهوًا باﻻنتصار وعجزت اﻷقلام عن معرفة معنى تلويحته بعلامة النصر وهو في طريقه للسجن . زينتوفيك كذلك كان مناضلا إﻻ أن الكاتب تجنى على البطل !

عن مريم خميس

mm
كاتبة من السودان