الرئيسية / احدث التدوينات / الرواية ما بعد الكولونيالية: رؤية حداثية (1-2)

الرواية ما بعد الكولونيالية: رؤية حداثية (1-2)

الجزولي

بقلم: الجزولي إبراهيم

      ثمة علاقة واشجة بين الرواية الحديثة والرواية ما بعد الكولونيالية؛ رغم أن الثانية تتبع الأولى من ناحية الوقت الكرونولوجي، ولكن إذا تمعنا في الجزور الأولية للحداثة سنجد أن النحت الأفريقي، والتنوع الثقافي، والتعدد اللغوي، له تأثير كبير على أعمال الفنانيين الذين أسسوا الحداثة الإبداعية، وأيضاً وجود ثقافات متعددة خلاقة مبدعة واصيلة، تضيف للحركة الجمالية ألقاً وإثارة. أيضاً ساهم في بروز هذه الحداثة، رغم تخوفات المركزية الثقافية، لكن الحركة الحداثية الجديدة هي التي دفعت هذه الثقافات وأحدثت توازن .

     في كتابة سابقة تناولنا هذه العلاقة بشكل تفصيلي نظري، أما في هذه السانحة سنختبر رواية “شعب يوليو” للروائية الجنوب أفريقية نادين غورديمر، كنموزج مهم للعلاقة والتقاطعات بين الرواية الحديثة والرواية ما بعد الكولونيالية، الرواية مستلهمة من التاريخ الحديث لجنوب أفريقيا مع بعض الخيال، ورؤية الكاتبة الذاتية لتعريف كثير من الأشياء .

     “- هل تريد كوبا من الشاي؟

     إنحنى يوليو عند المدخل، مبتدئاً ذلك اليوم كما يفعل دائماً من هم على شاكلته، لمن هم على شاكلتهم.”

     إفتتحت نادين غورديمير روايتها “شعب يوليو” بهذه العاهة، وهذه الوصمة التي لم تبارح جبين البشرية عبر تاريخها الطويل، بكل حضاراتها وأديانها ونظمها القيمية، وحتى القانون الأخلاقي الداخلي للفرد، تنبهنا بأن الكائن البشري أكثر ضراوة وفتكاً وبربرية من باقي رفاقه الحيوانات، يوليو هو رجل أسود، يعمل خادماً لدى أسرة من البيض أبان حقبة الإبارتهايد في جنوب أفريقيا، والإفتتاحية الصادمة هذه والمدهشة والتي تبدو عادية في وهلتها الأولى هي نمط وطريقة نمت مع ظهور الحداثة الروائية، وأصبحت تقليد مفارق للبدايات الكلاسيكية، لنرى إفتتاحية رواية صورة الفنان في شبابه ل جيمس جويس :”في يوم من الأيام، وكان يوماً جميلاً، كانت هناك بقرة قادمة عبر الطريق، وقابلت هذه البقرة القادمة عبر الطريق صبياً صغيراً لطيفاً جداً اسمه الطفل تاكو.”

    قبل الحداثة في مجال الرواية كان التتابع والتسلسل في الأحداث هو النمط السائد، فيكون الإنتقال منتظم ومرتب، لكن الحداثة عملت على تمزيق هذا التتابع والترابط، فأصبح البناء السردي في حالة تشظي وتفكك، مما يجعل القارئ في حالة إرتباك وتركيز محاولاً إقتناص منطقة السرد لترتيب معالم الرواية بمجملها، وفي هذه الرواية نماذج لا تحصى لهذا القفز والتشظي.

    لنرى ما حصل في صفحة 24 ، حيث كان الحكي يختص بعاملة النظافة، صديقة يوليو، التي يستقبلها إسبوعياً في منزل بام ومورين حيث يعمل لديهما، حيث دار حوار بين هذه العاملة ومورين يختص بتفصيلات المدينة وتعقيدها، بداً بدراسة إبنها على نفقتها، حتى إجرائها لعملية جراحية أدت إلى عقمها، ثم ينهمر السرد بشكل فجائي إلى حياة أخرى وجزئية مختلفة تماماً، إلى قرية يوليو في وصف يدل على بساطة الحياة ونقاء الناس، هذه الحيوات والرؤى التعددية هي إنعكاسات وشواهد على الإختلاف، وعلى أنه من طبيعة الحياه وجمالها.

     وفي هذا الإختلاف تكمن فكرة أساسية في هذه الرواية، عند إندلاع الإضطرابات في جنوب أفريقيا ضد أقلية البيض الحاكمة إنهارت أسرة بام ومورين وأبنائهما الثلاثة، فالقتل والعنف تجاه البيض شل تفكيرهم، ولم يعرفوا ماذا يفعلون، فتصدى يوليو خادمهم لإنقاذ حياتهم وتهريبهم إلى قريته حيث الأمان، فهناك تولى رعايتهم وحمايتهم، وهو الخادم المطيع الذي لا حول له ولا قوة. وهنا تتجسد الفكرة الما بعد كلونيالية المتعالية الصحية. أدركت الأسرة البيضاء أن الحياة سياقات مختلفة، وعليها أن تغير نظرتها وتفكيرها إزاء ذلك الخادم الأسود بأنه أكثر كمالاً وإنسانية.

     مما وجب التنبيه به هو أن الرواية لم تكن تتعاطف مع السود أبداً بقدر ما كانت تضع الحياة المتهالكة حينها بكلياتها في مواجهة الأفكار المسبقة التي كانت سائدة عن الأشياء والعقول والوجدان، وعن نمط الحياة عموماً.

     من سمات الحداثة الأبرز هي رصد العمليات النفسية للشخوص وتتبع تقلباتها، الرواية التقليدية لم تتطرق كثيراً إلى هذه الجوانب، إنني أرى أن التطور الهائل في مجال السايكولوجي دفع الروائيون إلى الإهتمام بالداخل الإنساني، وتحول الواقع إلى شيء خرافي ذائب يتملص من التعريف أيضاً هو سبب كافي، غورديمر تابعت عن كثب شعورات أشخاص هذه الرواية في كل المواقف والتجارب التي وجدوا أنفسهم في خضمها، كما رصدت كل التفاصيل الحياتية الصغيرة التي من شانها إحداث تغيير نفسي، مثل طريقة إشعال النار، وطريقة قضاء الحاجة، ولعق الأصابع المتسخة لدى الأطفال، وعفونة الجسد، والتجوال بأرجل عارية، والإنتقال إلى سياق حياتي مختلف، كل هذه التفاصيل تحدث جلبة وتشظي سايكولوجي وتحول نفسي كبير، فيتشظى السرد أيضاً، ففي كثير من الروايات الحداثية نجد أن هناك جمل ومقاطع غير متسقة، وعبارات محشورة، وروايتنا تحفل بهذه التقنية، “من أكثر الأمور غرابة أن تجد نفسك كل ليلة أمام بحر من العتمة يبتلع في جوفه كل نشاط إنساني، في هذه الليلة فقط، ليلة السبت، ينهضون من النوم، يمتطون ظهور الخيال، ومثل النسور تنشر أجنحتها محلقة في الفضاء عالياً، وينتزعون أنفسهم بعيداً، متوسلين بأنوار بطارية صغيرة، تضيء حفلهم المقام في حضرة الكون واللا نهاية” ص59.

    هذه الرؤى الحديثة ليست ترفاً، أو تنطع سردي، أو تعقيداً تافهاً كما يرى البعض، بل هي مساوقة تماماً لهذه العالم المضطرب والواقع المتشظي، يقول ت. إس. اليوت: تشهد حضارتنا تنوعاً وتعقيداً عظيمين، وإن هذا التنوع والتعقيد متى ما لامسا قدرات الإحساس المهذبة، فسيقودان حتماً وبالضرورة إلى أنماط كتابية متنوعة ومعقدة.” يستنبط جيسي ماتز من هذه المقولة: “شعر الكثير من الكتاب إن من الضروري للغاية جعل الرواية الحديثة صعبة الإدراك على القراء بحيث لا يجدون فيها متعة رخيصة، وذلك إبتغاء لخلخلة قناعاتهم الراسخة في ذواتهم، ومن ثم إرغامهم على رؤية الأشياء بطرق جديدة.”

     إذا أبدينا بعض الملاحظة سنجد أن الروائيين القدامى، أي ما قبل الحداثة، يجنحون إلى تحليل الواقع والحياة، وكثيراً ما ينتجون لنا إجابات خلاصية لكثير من القضايا والموضوعات، أي أنهم ينخرطون في فعل الكتابة من فكرة أنهم يعرفون، ولكن بعدما إقتحمت الحداثة المشهد الروائي خيمت عليه الحيرة والدهشة، وتلاشت الإجابات، وأصبح الكتاب محاصرين بالأسئلة المعلقة، وإماطة اللثام عن الأفكار الراسخة، والحقائق التي تدعي الإطلاق، كانت حقبة ذات ميول تشككية، ورؤية نسبية للأشياء، فروايتنا شعب يوليو تنتهي ولم نعرف مصير أبطالها وشخوصها وقضاياها، ولم نعرف ما أسفرت عنه تلك الثورة؟ وما هو مصير البلد؟ ماذا سيحل بعائلة بام ومورين البيضاء وهم بتوسطون شعب يوليو الأسود؟

     في هذا الزمن الجحيمي أصبحت هذه الأسئلة هي محور الأهمية، لأن الروائيون أصبحوا يتعاملوا مع الواقع كإشكال دائم محدق بهم، لا يستطيعون النفاذ إلى ما سيحصل تحديداً، ولو أسقطنا هذه الفكرة على حياتنا الخاصة في تفاعلها مع الواقع والأشياء سنجدها تحاكيها تماماً، وهذه النهايات المفتوحة والأسئلة الحائرة ليست بتراً عشوائياً، إنما هي ركن ركين من المنظومة السردية .

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة