المتشرد

34983864_642923559379952_8311138132988788736_n

بقلم: ولاء الصديق سليمان

شيء ما يشبه في قوته وسطوعه ( أضواء المدينة ) المبتهجة في ظلام ليل نسعى أن نختبئ فيه عن مشاعر نعرف تماماً كيف نتجاهلها نهاراً بمساعدة ( العصر الحديث ) وكل ما فيه من وسائل تجعل من السهل إسكات كل صوت قادم من الداخل بضجيج الآلات والمحركات لكن للطبيعة سلطتها وقانونها فحين تشير عقارب الساعة إلى ( الواحدة صباحاً ) وبالرغم مما تبذله الأضواء من جهد لتخدير مشاعرنا يصبح كل منا ( مغامر ) بطريقته للهروب من ضجيج مشاعره .. وبعد ساعات من التجول والركض بين ممرات شوارعك الداخلية ينتهي بك الأمر على قارعة الطريق متعباً منهكاً ( متشرداً ) .. ما إن يأتي الصباح حتى يصر ذلك ( الدكتاتور ) الموجود بداخل كل منا على إسكات صوت ذكريات الليلة الماضية ويعود مجدداً بفرح وأمل وإقبال على الحياة ك ( طفل ) يرى بأن الحياة بما فيها من مخاطر وضوضاء ومفاجآت ما هي إلا ( سيرك ) على الجميع أن يستمتع به … ( أضواء المدينة ) ( العصر الحديث ) ( الواحدة صباحاً ) ( المغامر ) ( الدكتاتور ) ( المتشرد ) ( الطفل ) ( السيرك) ما هي إلا فصول من قصة طويلة على الجميع أن يقف عندها ويقف لصاحبها ويصفق بحرارة وبرد عشرون عاماً من المنفى قضاها العجوز الذي وقف له الجميع متأخراً ..متأخراُ جداً .. قصة عبقري السينما بل عبقري الحياة شارلي شابلن .. نرويها لنرى من خلال أحداثها إجابات عن تساؤلين اثنين ما هي عوامل صناعة فنان ناجح ومن الذي يكرم الفن ؟ في زمن تتداخل فيه حدود الفنان المزيف والحقيقي وتبعاً لهذا التداخل تتبعثر أوسمة التكريم .. وقبل أن نسرد مقتطفات من حكايته نشير إلى أن آلاف الأوراق التي كتبت من قبل وستكتب من بعد ستظل قاصرة عن احتواء ( فنان حياة ) …

في عام 1972 تلقى شابلن رسالة من أمريكا البلد الذي فارقه منذ عام 1952 أي قبل عشرين عام ليعيش في منزل بسويسرا مع زوجته ( أونا ) وأطفاله الثمانية .. رسالة تدعو عجوزًا في 82 من عمره لتسلم جائزة الأوسكار لجعله الصور المتحركة الفن الأبرز في هذا القرن ..بعد تردد طويل بطول عشرين عامًا بكل ما تحويه من ذكريات ومشاعر قرر العودة إلى أمريكا .. وعلى منصة التكريم امتزجت بداخله الكثير من المشاعر والتي لم يجد طريقة للتعبير عنها سوى البكاء والقليل من الكلمات ( تبدو الكلمات عاجزة وقاصرة كل ما أستطيع قوله هو شكراً لكم لمنحي هذا الشرف أنتم أشخاص رائعون ) ليعود بعدها مباشرة إلى الفندق ويطلب من زوجته العودة بسرعة إلى سويسرا .. بعد مشهد التكريم هذا سنعود بكم إلى الوراء قليلاً ..نتخطى سويسرا وأمريكا ونستقر في بريطانيا البلد الأم لبطلنا لنجد العديد من الإجابات عن سؤالنا الأول ما هي عوامل صناعة فنان ناجح ؟ ما هي العوامل التي إن توفرت لكل منا فستصنع منه تحفة فنية لا يمكن تزييفها أو شراؤها بمقابل مادي , تحفة تظل قيمتها محفوظة في جوهرها وإن دفنت تحت أكوام من الرمال التي لا تدرك قيمتها فالوقت كفيل بأن يظهر تلك القيمة ولو بعد حين .. تلك العوامل أعزائي سنفتتح بها فصولاً من حكايته حيناً وستتخلل أحداث الحكاية حيناً ..

 ولنبدأ أولى الفصول من لندن والعامل الرئيسي الذي سنتحدث عنه هناك هو ( المعاناة ) … المعاناة في ذلك الحي من أحياء لندن كانت تحيط بمنزل الأخوين سيدني وشارلي ووالدتهما الشابة الجميلة والفنانة المسرحية التي هجرها زوجها ليعيش مع عشيقته التي ما لبثت أن هجرته هي الأخرى ليقضي حياته سكيراً متنقلاً بين الحانات ..في ذلك المنزل عاش بطلنا ترعاه والدته التي لم تجد ما تقدمه له ولأخيه سوى حكايات ومسرحيات يقضون بها ليالي الفقر وفقدان العمل والاكتئاب ولاحقاً المرض العقلي الذي نقلت بسببه ( هانا ) الجميلة إلى مشفى للأمراض العقلية في العام 1898 , وانتقل شارلي إلى دار الأيتام إلى حين تحسن والدته ، مبكراً جدًا في عمر الثانية عشر عاش اليتم قبل أوانه ..بين والدة في المشفى ووالد يراه صدفة في أحد الشوارع وقد انتفخت بطنه بسبب مرض تليف الكبد وشاخ هو الآخر قبل أوانه في عمر السابعة والثلاثين، عانقه شارلي يومها وكان ذلك آخر لقاء لهما إذ توفي والده بعدها بثلاثة أسابيع، في الميتم عانى ماعاناه والذي لم تسجله سوى عينيه الصغيرتين ليغادره بعد أشهر بعد عودة والدته من المشفى، عادا مجددا ً إلى منزلهما وعاد شارلي طفلاً يلعب مع أقرانه في الشارع ليناديه أحدهم يوما بأن والدته المجنونة توزع الفحم على المارة، وفي عمر الرابعة عشر قام بإرجاع والدته بنفسه إلى مشفى الأمراض العقلية ..في هذا العمر الصغير أدرك شارلي معنى أنك قد تضطر للتخلي عن أشخاص ومشاعر تثقل قلبك ليصبح خفيفاً ولا يقعدك عن إكمال الطريق … بعد فراقهما الثاني رفض شارلي أن يعود إلى الميتم وقضى طفولته متنقلاً من عمل لآخر ينام أحياناً على أرصفة شوارع لندن دون أن يعلم بأن حكايته وأوجاعه ستصبحان دون غيرهما مصدر إلهام لأجيال قادمة .. دون أن يعرف بأن الأحلام التي يراها سيوقظها أخوه ( سيدني ) بعد عودته من البحرية بجنوب أفريقيا ليدعمه مادياُ ويساعده في الحصول على أول عمل له في المسرح ….. لن نقول بأن المعاناة قد انتهت بانتهاء هذا الفصل فلو كان بالإمكان اختيار عامل واحد من عوامل صناعة الفنان ونجعل منه سببًا لتكوين شارلي شابلن لاخترنا المعاناة والتي سنجد أنها تتكرر حتى نهاية القصة وفي كل مرة تساهم في فطر قلب بطلنا ليخرج منه نور يريه ويري كل من يقرأ قصته طريق النجاح المتستر خلف المعاناة .. لم يبق شارلي إذاً منتظراً جوار المشفى لحين قدوم والدته ولم يجلس على الحانات التي كان يجلس عليها والده ليتذكره ويلعن الحياة ولكنه ظل يتذكر خوفه من الإسراف في شرب الكحول وحركات السكير التي برع في تقليد والده فيها ..وأغلق هذه الصفحة ..ومضى ..

لنكتفي إذا بأخذ الوقود من لندن ولنبدأ فصلاً آخر، هذه المرة سنجد عوامل صناعة الفنان التي نتتبعها متخللة لتفاصيل تحكي عن حياته العملية والشخصية، بداية هذا الفصل ستكون من أمريكا في العام 1912 عمر شارلي حينها 23 عام كان وقتها ممثل مبتدئ في مسرحية موسيقية يلعب فيها دور السكير لم يكن يعلم أن براعته في هذا الدور القادمة من معاناته ستكون سببًا في وصول رسالة من لوس أنجلوس إلى نيويورك تقدم له فيها إحدى شركات الأفلام عرضًا بأجر أكبر فما كان منه إلا أن حزم حقيبته مجدداً ليبدأ من جديد ولنتحدث هنا عن عامل آخر ( حب المغامرة ) فلو كان شارلي حبيساً لمخاوفه التي عاشها في لندن لاكتفى بالعمل الذي حصل عليه في نيويورك واكتفى بالطعام والمأوى اللذان افتقد لوجودهما في طفولته ولكن حب المغامرة هذا يجعل الشخص مبادراً لاستغلال الفرص التي بلا شك لا يضعها القدر بطريقنا مصادفة، استغل شارلي هذه الفرصة لتشكل نقلة أساسية في طريقه إلى القمة، مدفوعاً بالحماس شارك بأول دور له مع الشركة وكعادة المغامرات فإنها تهدينا في البداية فشلاً لتختبر صدق محبتنا لها، بعد فشل دوره الأول فكر المنتج أن يطلق له العنان ليرتجل شخصية حتى يتمكن من معرفة أي الأدوار التي سيؤديها ببراعة، اندفع شارلي إلى غرفة تبديل الملابس بسرعة لم يجد زياً بمقاسه فارتدى ملابس بمقاسات مختلفة ووضع شارباً مستعاراً وقبعة وعصا ومجدداً بدأ بتقليد حركات السكير ولنحفظ هذا التاريخ 1914 حيث كانت ولادة شخصية المتشرد والتي ستظل راسخة في أذهان الجميع حتى اليوم، بعد ابتكار شخصية المتشرد بثلاث سنوات أي في عام 1917 أصبحت سلسلة أفلام المتشرد الأولى على شباك التذاكر في هوليود ..

وكالعادة لم يتوقف عند هذا النجاح بل استمر بعدها بتصوير ستين فيلماً قصيراً وحين نقرأ هذا العدد ستون فيلم لشاب عشريني مصقول بالمعاناة فعلينا أن نتخيل كل ما يصحب ذلك من سهر وإجهاد ومشاعر وفشل ونجاح حيث أن الفنان بخلاف غيره من أصحاب المهن لا يمكن أن يحصل على إجازة فيصبح الفن حينها أسلوب حياة .. وسط هذه الضغوطات اتصل شارلي بأخيه ( سيدني ) في لندن يطلب منع العمل معه لإدارة أعماله فقد كان على علم بعدم استطاعته على الجمع بين الفن وإدارة الفن، وهنا يتراءى لنا عامل آخر من عوامل صناعة الفنان وهو ( روح المشاركة ) فلكي يصل الفن إلى أبعاد أخرى غير التي يدركها صاحبها عليه أن يكون مستعد لمشاركة جزء من أفكاره وربما ماله لشخص يتفوق عليه في جانب من الجوانب التي يحتاجها في عمله محاولا ً بذلك ضمان شيء من الاستمرارية لفنه، ولكي يكون الشخص مستعدًا للمشاركة عليه أن يتحرر من وهم الكمال والأنا .. جاء ( سيدني ) إذاً إلى الولايات المتحدة ليستلم إدارة أعمال شقيقه وبمجرد وصوله اتصلت شركة إنتاج لتصوير 8 أفلام مع شارلي فتوجها إلى نيويورك على متن قطار تفاجأ حينها شارلي بالتفاف الحشود حوله وأدرك وقتها بأن لموهبته قيمة كبيرة .. كبيرة جدًا .. بعد وصولهما توجها إلى فندق لتتم المفاوضة مع الشركة وهناك بدأ شارلي بالعزف على الكمان وأوكل مهمة التفاوض لأخيه الذي قضى وقتاً طويلاً بين طاقم الشركة وأخيه بخصوص تحديد قيمة الأجر، ليخبره شارلي المستمر بالعزف على الكمان ( أخبرهم أني فنان وأني لا أعرف شيئاً عن المال كل ما أريده هو مليون دولار ) بهذه العبارة حصل شارلي على مبتغاه، ولنتحدث مجدداً على عامل آخر وهو ( تقدير الذات ) لكي تكتمل صناعة الفنان عليه أن يتعلم احترام ما يقدمه يظن الكثير بأن هذا الاحترام قد يؤدي إلى الغرور ومن ثم التكاسل ولكن على العكس فتقدير الذات يعني أن تعلم بأن بإمكانها أن تقدم الكثير مما يعني بذل مجهود أكثر كما أنك إن لم تتعلم أن تحترم ما تقدمه وتنشئ معه عاطفة خاصة تجعلك ترى بأنك تستحق ال ( مليون دولار على سبيل المثال ) فبالتأكيد لن يحترمه أحد .. . صار بحوزة شارلي مليون دولار ولكنه كان متعطشاً لشيء أكبر لذا لم يكتف بأخذها وصرفها على كل الأشياء التي حرم منها يوماً بل استغلها في بناء أستوديو خاص به ليصور ويخرج ويدير أفلامه بنفسه فلا يكون بذلك تحت سلطة شيء غير رؤيته الخاصة ولنستنبط هنا عاملاً آخر وهو ( حب الاستقلالية والتطور) وبالتأكيد ليست كل استقلالية وإنما تلك المبنية على أسس ثابتة من الخبرة والموهبة والطموح والمثابرة، ولكي يصل الفنان بفنه إلى أبعاد أخرى عليه أن يتخلى في مرحلة ما عن الأمان الذي يوفره وجود شخص آخر يوفر الرعاية والاحتضان لما يقدمه، وأن ينطلق بفنه ليس لمجرد الانطلاق فقط ولكن الانطلاق المبني على رؤية مسبقة يريد أن يصل بفنه إليها …بذلك بدأ شارلي بناء قواعد راسخة له مادية وشعبية في البلد التي ظل يرفض أخذ جنسيتها وبدأت أولى مصادماته مع نظامها في فيلمه ( المهاجر ) والذي كان يسخر فيه من وظيفة مراقب الأجانب التي أوكلت لرجل يسمى ( جون هوفان ) ولنحفظ هذا الاسم جيداً …. لكي تكتمل ملحمة الإنسان الموجودة خلف كل قصة لابد من وجود ( نقطة ضعف ) داخل كل بطل تجعل من قصته شيئًا قابلًا للتصديق، نقطة الضعف لا يمكن إضافتها لعوامل صناعة الفنان لأن بإمكانها أن تساهم في صناعته ( في حين أدرك الشخص بوجودها وتعلم من الأذى الذي تلحقه به في تقويم مساره ) أو تحطيمه ( إذا علم بها شخص آخر واستغلها لتحطيمه ) سنتحدث في البدء عن تلك النقطة ثم ستجدون في ثنايا الحكاية كيف أسهمت في صناعته وتحطيمه، نقطة ضعف شارلي كانت تجاربه العاطفية الكثيرة مع المراهقات والتي يرجعها الكثيرين لأسباب تمتد جذورها في العقل اللاواعي والذي تصعب الإحاطة بجميع أسبابه .

أولى تلك التجارب كانت مع ( ميلدريت هاريس ) ذات ال 16 عام والتي انجذب لجمالها وتزوجها لاحقاً بسبب كذبها عليه بشأن حملها وخوفه من التبعات القانونية كونها لا تزال قاصر ..كان زواجهما فاشلًا بامتياز وبسببه وصفت هذه الفترة بأنها الأقل إبداعاً في مسيرته الفنية ولكنه اعتاد على خلق ظروف للنجاح من معاناته فأنشأ في العام 1919 شركة فنية ليدعم قواعده، أثمر زواجه عن إنجاب طفل توفي بعد ثلاثة أيام من ولادته، ومجدداً وظف الحزن العميق الذي أصابه جراء ذلك في كتابة أول فيلم روائي له والذي سماه ( الطفل )، وبحلول عام 1920 بدأ بوضع اللمسات الأخيرة لفيلمه في هذه الأثناء بدأت زوجته برفع دعوى للطلاق وللوصول إلى التسوية المادية بينهما أراد المحامون إلحاق سيناريو فيلم الطفل ضمن تلك التسوية ومصادرته من قبل المحكمة باعتباره من ممتلكات المجتمع مما دفعه إلى تهريب فيلمه بين المدن والتنكر أحياناً إلى حين حدوث الطلاق والذي انتهى بحصول زوجته على نصف ممتلكاته ومبلغ مالي كبير وتمكن هو من الاحتفاظ بفيلمه .. بحلول العام 1921 عرض فيلم الطفل والذي نجح أكثر من أي فيلم قبله وعرض في الكثير من أنحاء العالم لطبيعته الصامتة . ولنشير هنا إلى عامل آخر وهو ( فن اختيار الذكريات ) والذي سيخدم الفنان كثيراً في مسيرته لأنه سيسعى إلى ردم كل هوة تنشأ من ذكرى سيئة بعمل فني فلو سألنا شارلي بعد سنوات عما جرى له في العام 1920 سيكون بإمكانه تذكر أنجح أفلامه ليخفف بذلك من شعوره بالفشل في زواجه ..

بحلول العام 1924 بدأ بإنتاج فيلم طويل وضخم سماه ( حمى الذهب ) وأثناء فترة تصويره وقع في الحب مجدداً من ( ليتا جراي ) ذات ال15 عام والتي أسند لها دور في فيلمه وبنفس سيناريو زواجه السابق تزوج من ليتا بعد اكتشاف حملها ومجدداً لم يكن زواجهما ناجحاً فقد طلبت الطلاق في السن ال 18 بعد إنجابها طفلين . فترة العشرينيات تلك كانت بداية الأزمة المالية العالمية التي دفعت بالكثير من استوديوهات هوليود إلى إغلاق أبوابها كما أنها كانت الفترة التي تصاعد فيها نجم الرجل الذي كان يضمر العداء للإنجليزي الذي يفسد أخلاق الأمريكيين ( جون هوفان ) والذي أصبح رئيسًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي ومن نقطة ضعف شارلي بدأ في حياكة نهاية له قبل أكثر من سبع سنوات، في العام 1928 أطلق فيلمه ( السيرك ) والذي لم يحقق نجاحاً كبيراً للظروف السائدة وبدء دخول عصر اندثار الأفلام الصامتة، وسط هذه الاضطرابات اقترح ( سيدني ) على أخيه أن يكتفيان بما جمعاه خلال 15 عام والذي يمكنهما من العيش برخاء لبقية حياتهما بعيداً عن تهديدات الأزمة المالية، رفض شارلي الاقتراح فسافر سيدني ليواجه بطلنا مصيره المجهول هذه المرة ولنشير إلى عامل آخر وهو ( فن الثبات ) فلكي يمتد أمد ما تقدمه من فن تحتاج لوجود هذه الصفة والتي ستشكل وقوداً داخلياً لك يعينك على الاستمرار في الظروف التي يتراجع فيها الآخرون، بالتأكيد كان بإمكان شارلي حينها الانسحاب والعيش برفاهية لبقية حياته لكنه آثر البقاء في المجهول، الثبات لا يعني المكابرة والعناد بل الإخلاص لما تقدمه، فشارلي لم يكن تاجراً مثلاً ليحسب بمقياس الربح والخسارة بل كان فنانًا، والفنان الذي لم يتعلم الثبات ولم يتعلم متى يتعين عليه الثبات فالأجدر به أن يهتم بالتجارة فالخسارات في سبيل الفن كثيرة .. بقي شارلي على موقفه إذاً بل وبدأ بالتحضير لفيلم صامت أيضاً رغم بداية نهاية السينما الصامتة إلا أنه أصر على أن يضع النهاية بنفسه وأن لا ينجرف دون دراسة منه إلى الأفلام الناطقة فقط لأن العصر والظروف قد فرضت ذلك، وفي عام 1931 انطلق فيلمه ( أضواء المدينة ) الذي يحكي قصة حب بين المتشرد وبائعة ورد حقق الفيلم أعلى ثالث إيرادات في ذلك العام، هل كان ليصل إلى ذلك النجاح لو غادر مع سيدني ؟ في أول عرض للفيلم في نيويورك دعا صديقه ألبرت آينشتاين لحضوره، وفي هذه الدعوة ذكاء من قبل شارلي لا أقول بأنه استغل صداقته ب آينشتاين ليروج لفيلمه فلم يكن بحاجة لذلك لكنه جمع بين موهبته في كتابة الفيلم والاستفادة من وجود رجل بحجم آينشتاين ليس لأنه استغلالي في علاقته ولكنه كان ذكياً في اختيار الفيلم الوحيد الذي سيدعو صديقه المشهور لحضوره هل يمكن أن نطلق على هذا الفعل أنه عامل من عوامل صناعة الفنان ونسميه ( الذكاء الاجتماعي ) ؟ .

بعد نجاح هذا الفيلم لم يكن شارلي مقتنعًا بما حققه بالإضافة إلى كثرة الضغوطات المحيطة به فيما يخص المواصلة مع الأفلام الصامتة أم السير مع موجة التجديد لذلك آثر أن يتوقف عن إنتاج المزيد من الأفلام ولنسمي عاملاً أخر وهو ( فن الابتعاد ) وهو يشبه فن الابتعاد في تعلق كليهما بالظروف المحيطة إذ تتغير حولك الظروف ويسير الجميع إلى حيث ما تفرضه عليهم الظروف وتختار حينها إما الثبات على موقفك أو الابتعاد قليلاً لتعطي نفسك فرصة للفهم وإعادة التقييم واتخاذ الموقف المناسب، وكما أن الثبات يساء فهمه بخلطه بالعناد والمكابرة فالابتعاد يساء فهمه بخلطه مع مفهوم الانسحاب والاستسلام، ولكي تكون فنانًا ناجحًا يجب أن تدرك مفهوم فن الابتعاد وتتصالح مع أننا كثيراً ما نحتاج إليه لرؤية التفاصيل بصورة أوضح، اختار شارلي إذاً أن يبتعد وسافر في جولة إلى أوروبا للترويج لفيلمه ( أضواء المدينة ) يمكننا القول بأنها الرحلة التي غيرت مسار حياته، توجه في البداية إلى لندن في العام 1931 واستقبل استقبالاً حافلاً وطلب كل من تشرشل والمهاتاما غاندي أن يلتقيا به وبوجوده مع تلك الشخصيات البارزة زاد من البريق الموجود أصلاً في اسمه، خلال جولته تلك أدرك مدى انتشار الكساد الاقتصادي والأزمة المالية التي ألقت بتبعاتها على جميع المجتمعات فازداد وعيه أكثر بقضايا العالم وأدرك الكثير من الأبعاد السياسية، بعدها توجه إلى برلين وهناك شكل وصوله ظاهرة فشارلي كان محسوباً على معسكر اليهودية رغم أنه لا يمكن أن لا يطلق عليه يهودياً لكنه ظل متحفظاً حيال هذا الوصف لأنه يرى بأن إنكار يهوديته سيجعله في صف المعاديين للسامية، في برلين انقسم الناس بين محتفي بقدومه وبين قوميين وموالين للنازية أطلقوا عليه العديد من الشتائم في صحفهم، كما أشارت الصحف إلى وجه الشبه بينه وبين هتلر الذي ولد معه في نفس العام، لم يستطع البقاء في برلين كثيراً بسبب الأجواء المشحونة ضده فغادرها ..

في ذات العام 1936 استلم هتلر السلطة في ألمانيا لم يلتفت شخص لهذا الحدث سوى شارلي الذي كان فطناً جداً إلى أن وجه الشبه بينه وبين هتلر سيفيده كثيراً في تقديم رسالته فبدأ بجمع العديد من الصور لهتلر ليدرس العديد من حركاته ويوظفها في كتابة أول فيلم ناطق له فيلم ( الدكتاتور العظيم ) وهنا نلاحظ عاملًا من عوامل صناعة الفنان وهو ( مرونة الفكر ) لم يصر على رأيه كما في فيلمه أضواء المدينة بالاستمرار في التمثيل الصامت بل تنازل عن صمته هذه المرة لأنه كان قد أعد نفسه جيداً على المستوى الذهني ليتمكن من القيام بهكذا خطوة، استغرق العمل على هذا الفيلم عامين وهنا يبرز لنا عامل جديد وهو ( التأني ) وعدم التهور في المراحل الانتقالية والموازنة بين المرونة الفكرية والتأني، وفي عام 1939 بدأ بتصوير فيلمه في تلك الفترة أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا في حين رفضت أمريكا المشاركة فسبب فيلم شارلي الذي يجسد فيه شخصية هتلر الحرج لأمريكا إلا أنه أصر على إكمال التصوير بالرغم من الضغوط المالية والسياسية، وفي أكتوبر عام 1940 تم العرض الأول للفيلم في نيويورك ورشح حينها لعدد من جوائز الأوسكار وباعتقادي الخاص أن تلك الكلمات التي صاغها في شكل خطاب في إحدى مشاهد الفيلم هي خير دليل على نجاحه وعلى إيصال رسالة لا نزال بحاجة لقراءتها كثيرًا بعد سنوات من كتابتها اقتبس منها ( أنتم لستم آلات أنتم لستم خراف أنتم رجال لديكم في قلوبكم حب للبشرية أنتم لا تكرهون .. فلنقاتل من أجل عالم المنطق من أجل عالم سيقود فيه العلم والتطور إلى سعادة الإنسان أيها الجنود باسم الديمقراطية فلنتوحد جميعا ً) ، عام 1942 كان عام يحمل ذكرى مأساوية لشارلي فقد فشل زواجه مجدداً من بوليت وبعد طلاقهما بمدة ابتدأ قصة جديدة بطلتها ( أونا أونيل ) ذات ال 17 عام كان عمر بطلنا حينها 54 عام وبوصولنا إلى محطة أونا يمكننا القول بأن شارلي قد وجد حب حياته أخيراً ( كما يقال عادة حين ننجح في العثور على حب بعد فشل مرير ) …. تنفس شارلي الصعداء أخيراً بانتهاء متلازمة الفشل العاطفي، وفي اللحظة التي ظن فيها بأن من حقه الحصول على استراحة محارب ابتدأت معركة ( جون هوفان ) التي كان يعد لها منذ سنوات جمع خلالها بين نقطة ضعف شارلي المتمثلة في الجانب العاطفي من حياته ونقطة قوته وهي الفن المحتوي على رسالة ليشكل منهما شبكة يتم بواسطتها الإيقاع بشارلي بتوريطه في فضائح أخلاقية أو اتهامه بالشيوعية والتجسس عليه, في بداية زواجه من ( آنا ) ظهرت فضيحة ( جوان ماري ) التي ادعت في المحكمة بأن شارلي هو والد ابنتها، وبعد سجالات طويلة وتجييش الصحف والمنظمات النسائية ضده وبعد أن عين جون هوفان قاضياً في المحكمة بنفسه ليدين شارلي إلا أن هيئة المحلفين لم تخدع فقد أعادت النظر في القضية في العام 1944 وتمت تبرئته وكالعادة حاول التخلص من تلك الذكرى السيئة بفيلمه الذي يسخر فيه من المحكمة ( سيد فيدرو ) في العام 1947 بالرغم من الحكم ببراءة شارلي إلا أنه بحلول العام 1950 كانت جهود جان هوفان قد كللت بالنجاح فقد نجح في تحويل شارلي إلى شخصية مرفوضة في المجتمع، شيوعي عجوز يريد أن يفسد أخلاق الأمريكيين وبالفعل انعزل شارلي داخل منزله بصحبة زوجته أونا وأطفاله الثمانية .. وكعادته في توظيف مآسيه قام بكتابة فيلمه ( تحت الأضواء) وبالطبع لم يتمكن من الترويج له في أمريكا فسافر إلى بريطانيا في العام 1952 سراً خوفاً من أن يمنع من السفر، إلا أن جان هوفان لم يكن يخطط لمنعه مباشرة وفي أثناء تواجد شارلي في السفينة وصلته رسالة تفيده بأنه قد تم إلغاء تأشيرة دخوله إلى الولايات المتحدة وبأن عليه الحصول على تأشيرة جديدة إذا ما أراد العودة مما يعني دخوله في دوامة من استجوابات مكتب التحقيقات في مقابل عودته ونشر خصوصياته للعلن مجدداً ، بوصوله إلى لندن استقبل استقبالاً حافلاً وروج لفيلمه الذي لم يعرض إلا في مدن قليلة بأمريكا، وفي هذه المحطة كان على شارلي أن يختار بين العودة لأمريكا وتبعاتها على حياته العائلية وتاريخه الفني وبين المنفى، علينا أن نكون فطنين إلا أنه في مرحلة ما سواءً كنت فنانًا أو غير ذلك ستكون مضطراً لأن تختار بين شيئين محوريين في حياتك قد يكون الفن أحدهما، الانتباه لهذه النقطة مبكراً يجعلك تتفانى في سبيل الفن وبالتالي تشعر بالرضا إن اخترت التفريط فيه لأجل خيار آخر، هل يمكننا القول بأن شارلي في هذه المحطة بعد أن ترك خلفه تاريخًا عظيماً قد اختار عائلته ؟ قد يبدو ذلك ظاهرياً لكن تأكد بأنك إذا أخلصت وتفانيت في كل مرحلة كما ينبغي فلن تشعر بمرارة وحسرة يصاحبان عملية الاختيار وستشعر بأن الأمر ما هو إلا انتقال طبيعي من مرحلة إلى أخرى …. توجهت زوجته ( أونا ) بعد أن حول الممتلكات باسمها إلى أمريكا لسحب ممتلكاتهم من هناك كما اضطرت للتخلي عن جوازها الأمريكي وعادت إلى منزلهم الجديد الذي اختار شارلي أن يكون في سويسرا وبحلول العام 1954 اكتمل انتقالهم إلى هناك ..عجوز في عمر ال 66 بدأ فصلاً جديداً ومختلفاً كلياً في حياته ..فصل يشبه القصص الخيالية فقد احتفظت زوجته بالكثير من الأفلام المصورة ليوميات العائلة وسفرياتها والرفاهية والحب والحفلات التي جعلت منهم عائلة سعيدة ، عاش شارلي بسعادة لأنه كان على يقين بأنه فعل كل ما بوسعه واستغل جميع الفرص التي أتيحت له، الفشل والمعاناة اللذان عاشهما في بداية حياته وظفهما ليجلس بهدوء ورضا وسط أفراد عائلته .

إلا أنه لم يستطع تجاوز فكرة أنه فنان ففي عام 1957 كتب وأخرج فيلمه ( ملك من نيويورك ) الذي كان مناهضًا لأمريكا وبالطبع لم يعرض فيها، وفي عام 1967 كتب آخر أفلامه ( قبيلة من هونغ كونغ ) الذي ثابر في كتابته وتأليف الموسيقى الخاصة به، ظل وفياً للفن حتى نهاية القصة فهكذا هو الفنان وإن توهمنا بأنه اختار شيئًا آخر غير الفن فسيظل وفيًا دائمًا له …أمضى عشرين عامًا في منفاه وبحلول السبعينيات بدأ العالم يعترف بفنه وتلقى الدعوات من جميع أنحاء العالم لتسلم الجوائز من بينها وسام الفارس الذي قلدته إياه ملكة بريطانيا وجائزة الأوسكار التي افتتحنا بها القصة .. وبحلول العام 1977 فقد شارلي الكثير من ذكرياته السابقة ولكنه ظل متمسكاً بحدثين حبه للسيرك الذي حرص على حضوره دائمًا حتى وهو على كرسي متحرك وكرهه ليوم عيد الميلاد الذي كان لا يشارك في الاحتفال به أبداً حتى توفي في إحدى أعياد الميلاد في 25 من ديسمبر عام 1977 وهو يغط في نوم عميق يشبه نوم الفتى المتشرد على أرصفة شوارع لندن ….

أخيراً بقي لنا أن نسأل من الذي يكرم الفنان ؟ لربما حصل شارلي في نهاية المطاف على العديد من الجوائز التي اعترفت بإنجازاته لكن ما يجعل شارلي عالقاً بذاكرة وقلوب الملايين باختلاف معتقداتهم ليس عدد الجوائز التي حصل عليها، الذي كرم شارلي وأنصفه هو الفن الذي ظل مخلصاً له ومجتهداً في سبيله حتى آخر حياته، لاشيء قادر على احتواء معاناة الفنان وحزنه وأوجاعه ومنحه الرضا والحياة السعيدة والأمل سوى أعماله الفنية .. لذا أكرموها بصدق وتفاني ..فسيأتي ذلك اليوم الذي تكرمكم فيه أعمالكم وإن عشتم في المنفى ….

 

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة