النار

ايمن

      النار التي تركتِها تأكل الجريد، النار التي تمضغ قلبي، تشتعل تحت موقد الطين، وصدري يطقطق، طق، طرق، طق، وكل شرارة تقفز بالقرب من يديكِ تختفي عند بياض العجين، أنا والنهار نتمسك بذلك اليوم، هو يمرر ضوءه بين فتحات سقف صالة، تبدو المُروق جديدة كما لو كان سقفنا ينبت، رزاز الأشعة يتناثر على طرف ثوبك، وأنا أطارد الجعارين الصغيرة بالقرب من الموقد، كل قطعة زلابية ذهبية ترميها، نتخطفها وتتبعنا اللعنات، المشوطنين.

      النار التي أحرقت بها حجاب العقرب، لم أكن أعرف لما فعلت ذلك، لكن اللهب يتقد، وكل الكون ينبع من (تُكل) جدتي. إسمي ألف، نجوت من الإسهالات المائية، ولقاحات شلل الأطفال الفاسدة، والتسمم بالمانجو المتعفن، ومن ضعف النظر في الثانوي العام، نجوت من التجنيد الإجباري، أبي ذاته ألِف كل ذلك، عاش وهو يعبر مقابر الجدري القديمة للمدرسة، نجا من التساب العظيم، ودعس الحجاج في الحج، عمري أربعة وعشرين حكاية حكتها جدتي، أنا لا أملك لساناً؛ أكل القط لساني، لكني أملك عشرة ألسنة في أصابعي.

     لدي أيام ناقصة، لقد أحصيتها بنفسي، أظنها أربعة سنوات فقط، وكل عامين عندما ننطلق في الإجازة لقريتنا، أتعرض للّدغ، أحسست بلمسة طفلة حينما قابلتك، أحصيت ما يقارب عشرين عين في فستانك الصغير، أبصرتهم بحنان، وكان وجوداً لا يحصى عدده يفلت مني، تعمدتُ الإلتفات، وفي كل زاوية رؤية ثمة لحظة مجصصة، يوم أن مسحت طين البحر بفستانك، إشتهيت الغرق، وركضتي كمن يحرض موج النهر.

     في تلك الأيام الناقصة كُنتُ أقصُ إبهامي بفمي، أحسستُ به يطول، ولربما لجزع بداخلي بدأت بعادتي تلك، وكأنه سيلتف في غصنك، إن كنتِ قد أدركتِ ذلك الشعور بالإختباء، بإخفاء كلمة في حوار، في كل الأماكن التي تقابلنا فيها، لم يلحظ أحد منا ورود الجهنمية التي تستند عند جدران الطين.

     النار التي وسمت يدي لم تكن أقل من التي تضطرم في جسمي، كل سوط كان يسم ظهري كان لأجلك، في كل حفلة أخترق دائرة الرقص، ويتوتد جسدي، كل شئ يصير كجزع نيم، ويعدو صوت المغني كحفيف شجرة.

     لطالما إشتهيت كتابة إسمك في طلسم محبة، أنتِ ذات الشفتين كوردة الكركدي، تجعليني أستحيل لقلعة سحيقة، لبلع قرود السحرة التي تدلت من خلال خُصل شعرك، يقولون مِدي شعيراتك لأماتك، وأقاتل لأجل شبال واحد، أقفز في بركة الجماهير والغنايين، أقفز فاقداً الأكسجين سمكة دابشوك أخرى، يقولون الزار يقتله، وأطير في وسطهم، يطير صبي أخر، ثم أتشكل ساق نبق ذات أشواك معقوفة، وعندما يهبط طائره ذلك أجرحه، أميّل جسدي عند صف البنات، أحرك يداي داخل جلابيتي فتطيران، أخاف أن أستحيل لمدفع باشبوزق، فأتوقف بقربها، وكل شئ يتوقف، ما عدا رائحتها المتمددة، ترمي ضفائر شعرها على صدري، وتمر بجانبي بقدم واحدة، ترمي قلبي محل حجر الحجلة، المربع الأول ثم الثاني، أتبعها عند المنتصف، يتبعنها البنات، الزُهرة والنجمة الحمراء والصبَاحة.

    يضغطان على بعضهما كطفلين في سوتيانة، لو لم تقفز عيناي وأنا أتلصص من فوق الجدار لقلت إنه يوم كذبة، فأنا نجوت من السقوط في البئر، محمولاً بالجاثوم. كنت أفتش عنكِ في حقيبة قديمة، وكانوا قد أخفوك في غيابة سحيقة.

     لا يمكنك أن تخفي حكاية قديمة، فهي كالندوب. اسمي ألف، وأنا أملك ألف علامة جلد، طمرتها بالويكة الجافة، ودفنت مشطك في حقل برسيم، فتشت عن فستانك الذي طار لما جاء الغبار الأحمر المعتم، وتهت حتى وصلت الصحراء، مسحت تفاصيل باهتة فرأيت كل شيء. اسمي ألف، وأنا عود ثقاب، كنت يافعاً حينما كشطت قلبي شرارتك، وكانت النار غير النار التي تعرفونها، لم تكن تأكل شيئاً، أو تفيض لهباً أحمر، كانت تجري في دمي.

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان