الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: جميس ثيربر “أكتب على قبري هذه الكلمات: هنا يرقد من قتلته الأحلام”.

ترجمات خاصة: جميس ثيربر “أكتب على قبري هذه الكلمات: هنا يرقد من قتلته الأحلام”.

42589107_1860683247346189_7426428209211637760_n

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

 

كتب المحلل النفسي آدم فيليبس في دراسته الرائعة عن التناقض النفسي للوقوع في الحب: “الشخص الذي تحبه: هو ذلك الرجل الذي تحلمين به, أو تلك المرأة التي تحلم بها، لقد حلمنا بذلك الرجل أو تلك المرأة قبل أن نقابلهما، ليس من فراغ ــــ فلا يأتي شيء من فراغ ـــ ولكن من التجارب السابقة الحقيقية والمرغوبة“.

قبل قرنين من الزمان حدد الكاتب الفرنسي ستندال الآليات النفسية لهذه الأحلام في دراسته الخالدة والثاقبة في عام 1822 عن الحب، واصفًا المراحل السبعة “للبلورة”، وهي العملية التي نحب من خلالها ونسقط أوهامنا على الحبيب المنتظر، ثم ينتهي بنا المطاف بخيبة الأمل الشديدة وانفطار القلب عندما لا يرقى الشخص الحقيقي للوهم الذي تخيلناه.

وبعض درجات هذا “التبلور” ضرورية بطبيعة الحال من أجل علاقة حب دائمة، فالمقدمة المنطقية للحب ذاتها ناهيك عن أسطورة “الحبيب المنتظر” تقوم على أساس الاستسلام لعالم من الاحتمالات المأمولة التي ليس لها دليل يشير إلى طبيعة الشخص الآخر بالفعل، وكيف يتناغم مع القيم الأساسية لدينا وما يمكنه إضافته إلى حياتنا، إن الفارق بين الإسقاط والاحتمال هو الفارق بين الافتتان والحب، ولعل عدم القدرة على معرفة ذلك الفارق بوضوح وسمو هو السبب في ذلك الألم الذي يصيب القلب البشري ويعد أقدم أنواع الألم: إنه المادة الخام لأعظم المآسي والأغاني الشعبية عن انفطار القلب والقصائد التي تتناول الحب غير المتبادل.

فعندما كان رسام الكرتون والكاتب والفكاهي المحبوب جيمس ثيربر (08 ديسمبر 1894 – 02 نوفمبر 1961) في الخامسة والعشرين وجد نفسه واقعًا في ذلك الفارق بلا حيلة عندما أحب مغنية وممثلة شابة تدعى إيفا براوت، وكانت زميلته في المدرسة الابتدائية، واتصل بها من جديد بعد إحدى عشر عامًا بما يشبه الصدفة، بعد أن رأى أحد الإعلانات لأحد عروضها المسرحية.

يقول ثيربر حينها في رسالة طويلة كتبها في عام 1920 لصديقه المقرب في الجامعة وعُثر عليها بعد ذلك في ذلك الكتاب الرائع : خطابات ثيربر: ذكاء ثيربر وحكمته وحياته المدهشة (المكتبة العامة)، يقول:

لن أعرف أبدًا المعنى الصحيح للجنس والزواج والحس والسراب.

[…]

أحبها ودوما ما أحببتها وسأحبها، أحببتها عندما رأيتها، وأحسست “بضربات القلب السريعة” وكل تلك المشاعر، جلست وحدقت إليها كما لم أجلس, ولم أحدق في أي شخص من قبل، لم يكن يهمني الحديث في البداية، لم أكن أعرف ما قلت ولا ما قالت هي…

لا أعرف بماذا أبدأ أو بماذا كان عليّ أن أبدأ، ولكن ثمة الإحساس ذاته بعد مضي إحدى عشر عامًا والذي كنت أشعر به منذ كنت طفلاً، لقد قلت لها: “إلى اللقاء”، واعتصرت قبعتي، وشعرت بألم وبإلحاح في قلبي الذي كان أكبر من سني بكثير، لكنه كان حبًا من الخلود والقوة فلا يمكن تصنيفه بأنه “حب المراهقة” أو أي نوع آخر، كانت هي فتاة أحلامي، وشعرت به ثانية، بذلك الشيء الذي لا تفسير له، فعندما جلست أمامها بعد العشاء في منزلها كنا للمرة الأولى بمفردنا بكل ما في الكلمة من معنى، وكنت أريدها، وهذا كل شيء”.

ولكن بعد أسبوعين من ذلك يكتشف ثيربر أن جانبًا كبيرًا من رغباته كانت وهمًا من نسج خياله ولا تمت بأي صلة لإيفا الحقيقية، فيكتب واضعًا نصب عينية الروائي الأمريكي هنري جيمس:

“لا طائل من إنكار أن الفتاة إيفا ليست على أية حال فتاة أحلامي، وأنني تمكنت على مر السنوات بالفعل من تكوين صورة لامعة أساسها تلك الفتاة الجميلة ذات الشعر القصير، إنها صورة كانت شديدة الروعة لكنها لم تتمكن على الأرجح من أن ترقى إليها، وعندما لم تتمكن من ذلك  لا يزال ثمة ما يسميه هنري ج. ب “السقطة”، لقد اختفى شيء عظيم من حياتي، ولربما بعد برهة من الزمن سيحل محله شيء أكبر منه، ولكن الأميرة الصغيرة التي أحبها والتي كانت تلعب حول أشجار الصفصاف على نبات الحزنبل لا تزال هناك، ولم أتمكن من العثور عليها مطلقًا، ولن أعثر عليها أبدًا، وثمة شيء في قصتي كان سيسعد هنري جيمس  العجوز الذي كان يحب اللعب والمراوغة بالصعوبات النفسية والاجتماعية والخيالية، وكان سيجد فيها مثلكم شيء أعلى من العاطفية وأقوى من الوهم وأخلص من العواطف، شيء أجمل من كل ذلك بل وأعظم…ولن أجعل ذلك يسيطر على حياتي كلها أو يشوه تصوراتي لها، ولكن لابد أنه كان دائمًا أعظم بالنسبة لي من أعظم الأشياء، ولكن طبيعتي تمنعني من أن أجعل حياتي المهنية أو عملي أعظم من الصداقة أو الحب”.

ولكن رغم هذا الإدراك الفكري لذلك الافتتان المنحوس، يظل ثيربر واقعًا في شرك حب إيفا، وهي شهادة على التفاعل بين الإحباط والرضا في العلاقات الغرامية. فبعد شهر يكتب لها وهو يستشيط غضبًا:

“إنني أحبك بشدة وعنف يا إيفا”

ويستمر عذابه بسبب انفصال مشاعره عند إدراكه العقلاني بأن إيفا لا يمكنها مطلقًا أن تبادله العواطف بطريقة واقعية، ففي خطابه التالي يتذبذب بين الاشتياق والغيظ وبين الاستسلام الساخط:

“هل تظنين أنه من البساطة أن يتخلى الشخص عن قلبه بالكامل، كيانه بالكامل، ذاته بالكامل لفتاة تحب على الأرجح أن تتسلى وتستمتع قليلاً ولا تدرك إلا في بعض الأحيان جدّية ما أعطيه لها من شعور؟

سأثور ضدك في كل أسبوع، أو أكثر من ذلك حتى تحبينني، فإذا لم تحبينني مطلقًا سأقول حسنًا لقد حظيت بوقت طيب، وسأقتنع بأنك لم تستولي بعد على كل قلبي وتلقي بكل البهجة بعيدًا معه.

المرأة شيء رائع دائمًا، وأنت كذلك، لكنك تملكين ـــــ مثلهن جميعًا ــــ لا مبالاة كارمن، والبهجة في القسوة التي تتمتع بها كليوباترا، وتحجر القلب والطغيان عند كاثرين دي ميديس، والبريق البارد عند جميع الطغاة عديمي العواطف الذين يقهرون الأرواح المتقدة للبشر منذ أن نشأ الجنس، منذ أن كسرت حواء قلب البشرية إلى الأبد واستهزأت ببهجة سادية من آدم الذي كان يتصبب دمًا على آلة التعذيب التي صنعتها له، فمعظم تلك الأشياء بداخلك الآن، إن تلك الأشياء تهيمن على المرأة التي ثمة من يحبها بعنف لكنها على العكس تحب نفسها فقط ,إن مثل تلك المرأة تهتم بشدة بمعاناة المحب، فتلك المعاناة ستمثل لها مجرد مسرحية، أو مناسبة تستمتع فيها بعذاب الآخرين، أو مهرجان للعواطف المثيرة ليس إلا.

[…]

إن حب الإنسان الحقيقي والوحيد أمر حساس، إنه يفسد بسهولة، وعندما يحدث ذلك فإنه يُفسد كل ما هو خير حوله وكل شيء”.

كان ثيربر مصابًا بذلك الجنون المؤقت، جنون الافتتان، ولهذا قدم لنا نقطة أخرى واضحة: إنها دعوى لوضع جميع الأشياء في اختبار حقيقي، وهو الاختبار الذي يجب أن يدمج بالضرورة العقل مع الجسم، وخاصًة أن حبهما كان في الأساس عن طريق الرسائل فكان بالتالي يمثل علاقة حب لا جسد لها, فكتب:

“إن الكثيرين ممن يحبون الروح ضعفاء متيمون، والكثيرين ممن يحبون الجسد بهائم، ولكن عندما يندمج الاثنين، فإن الإنسان يحب بحماس وعاطفة الشاعر ورجل الكهف…لو أمكنني تقبيلك ستعرفين ذلك، وستعرفين مدى روعة ذلك الحب الذي أكنّه لك، فالقبلات ليست أمرًا جللاً نوعًا ما، لكنها بطريقة أو بأخرى تعبر عن مليون معنى لا يمكن للكلمات أن تعبر عنها…إن الفتاة الحقيقية لا تهتم كثيرًا بأن يقبلها أحد إلا إذا كانت القبلات مصحوبة بحب حقيقي”.

ليصدر بعد ذلك صرخته الحزينة والنهائية عن تبادل العواطف:

“كما ترين فأنا أحبك في كل مرة أكثر من سابقتها، وأريدك بشدة في كل مرة، وأتلف وترًا جديدًا من أوتار القلب كلما ذَهبت بعيدًا، إلى أن تدركين في نهاية الأمر أن حياتي هي أن تكوني دومًا قريبةً مني، فأنا لا يمكنني أن أكون لطيفًا وغير ساخر وسعيدًا عندما لا تكونين قريبة مني…

فعندما أفكر أحيانًا أنك ربما ستتزوجين شخصًا آخرًا وأنا على الأرجح سأكون وقتها مستلقياً يقظًا في الليل في الظلام والهدوء والغموض أفكر فيك، أتساءل كيف يمكنني أن أتحمل ذلك الإدراك بأن عينيك الزرقاوتين أصبحتا ملك شخص آخر  وأنني لا يمكنني حتى لمس يديك…أرجوك لا تغضبي مني يا إيفا، وأحبيني أكثر من ذلك، أرجوك، أرجوك، أرجوك، أرجوك يا إيفا”.

ولكن إيفا لم يكن بإمكانها مطلقًا تحويل الاشتياق المشترك بينهما إلى علاقة حقيقة تتميز بالعواطف المتبادلة، لتكتب في النهاية رسالة لثيربر تقول له فيها إنهما كانا مخطئين في حق بعضها بعضًا، فمزق الرسالة على الفور في غضب.

ليكتب بدوره رسالة لصديقه المقرب بعد ثلاثة أسابيع يصف فيها ذلك الألم الذي اعتاد عليه كل من جرب الحزن العميق بسبب التخلي عن وهم عاطفي في مواجهة الواقع المحبط:

“أكتب على قبري هذه الكلمات: هنا يرقد من قتلته الأحلام”

 

 

 

عن علي زين

mm
كاتب ومترجم من اليمن