الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: كيف كان قدماء المصريين يحنطون مومياواتهم في سبعين يومًا ؟!

ترجمات خاصة: كيف كان قدماء المصريين يحنطون مومياواتهم في سبعين يومًا ؟!

mummies-opener.adapt.676.1

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

بقلم : Milagros Àlvarez Sosa

منذ آلاف السنين، برع قدماء المصريون في خلق مزيج عجيب من السحر والعلم، سعيًا وراء تحقيق الإتحاد بين الروح والجسد في العالم الآخر . . .

على مدار القرن التاسع عشر، أخذ النظام الأثري لعلم المصريات يلبي شهية العوام بمزيد من القصص والحكايات المثيرة حول أسرار الأهرامات وألغاز المومياوات و… ؛ ومن أمثلة تلك القصص المؤججة للخيال رواية ” مفقود في الهرم ” للويزا ماي آلكوت والتي كتبتها عام 1869 ، تدور تلك الرواية حول عالم آثار يصاب بلعنة جراء تدميره لمومياء فتاة صغيرة 🙁 إنني أحمل الخرافة بداخلي، ومازالت تلك المومياء الصغيرة تلاحقني وتطارد أحلامي ).

ومنذ ذلك الحين ظلت المومياوات ” تطارد” الثقافات الشعبية في كل مكان، وحينما اكتشف هيوارد كارتر مقبرة الملك توت عنخ آمون عام1922  كانت فكرة ” لعنة المومياء” قد ترسخت بالفعل في الوجدان الشعبي الإنساني وعلى  شاشات السينما !، فصارت تيمة سينمائية أساسية وبارزة، وخاصة منذ أن لعب نجم  الرعب ” بوريس كارلوف” دوره الشهير في فيلم ” المومياء” عام 1932

وفي عام 1999  جاء فيلم ” المومياء” الآخر، وجزئه الثاني” عودة المومياء” ليلعب على نفس التيمة المشوقة والتي لا ينضب معينها : تيمة المومياء المعذبة، الغاضبة، المنتقمة، العالقة في مكان ما بين الحياة والموت .

إعادة الإتحاد المقدس:

كان المصريون القدماء هم من ابتكروا فن تحنيط جثث الموتى وحفظها من التحلل، لتظل شاهدًا باقيًا، ضمن شواهد عدة، على وجه من أوجه براعتهم وعظمة ما وصلوا إليه من علوم ومعارف بقي الكثير منها غامضًا حتى يومنا هذا، ولتثير شغف علماء المصريات، وخيال الكتاب والمؤلفين، وشهية محبي الألغاز وغوامض الأمور!

ولكن، لماذا ابتكر قدماء المصريون فن التحنيط ؟ ولماذا سعوا لاستحداث ذلك النوع من الطقوس” المكلفة “، والتي قد تبدو في أعيننا نحن أبناء الزمن الحالي، مرعبة؟

للإجابة عن تلك الأسئلة، علينا أولاً أن نفهم ونستوعب الفكرة الكبرى التي تقف وراء ابتكار فن التحنيط، ولكي يتحقق لنا ذلك فعلينا أن نتجرد تمامًا من مفاهيمنا المعاصرة وبنائنا النظري الموجه لأفكارنا وأحكامنا العقلية، بكلمات أخرى، علينا أن نحرر تفكيرنا من قيود الزمن الحاضر التي تحول بين عقولنا وبين استيعاب آلية ونسق تفكير الأقدمين؛ فإن نحن نجحنا في ذلك، فسندرك حينها ” جوهر التحنيط” .

انبثقت فكرة تحنيط الموتى – شأنها في ذلك شأن كل الجوانب الغامضة في الحضارة المصرية القديمة – بدافع من تقديس الآلهة واحترام المتوفى، واعتبرت عملية التحنيط بمثابة عملية مفصلية وبوابة يمر عبرها الإنسان ليكمل رحلته إلى عالم ما بعد الموت.

وللتحنيط أصول بعيدة تضرب بجذورها في عمق مناخ مصر وجغرافيتها، حيث يعود تاريخ أقدم المومياوات المكتشفة إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد؛ ولم تكن تلك المومياوات قد مرت بأية إجراءات لتحنيطها، أي لم يتدخل البشر في حفظها، وإنما هي الطبيعة التي تكفلت بذلك! ، ففي ذلك الزمن الغابر، كان يتم دفن الموتى في الصحراء القاحلة دون تابوت، حيث تتكفل الظروف المناخية والطبيعية بتجفيفها وحفظ بقاياها.

ومع تغير عادات المجتمع المصري المبكر، تغيرت طرق الدفن، فصارت الجثامين توضع في توابيت ثم تدفن في المقابر، ومن ثم فقد حال انفصال الجثة عن الأرض دون تجفيفها وحفظها طبيعيًا، وهنا شرع المصريون في ابتكار وسائل حفظ الجثث قبل دفنها .

وقد ارتبطت تلك الوسائل ارتباطاً وثيقًا بالمعتقدات الدينية للمصريين القدماء، وهي المعتقدات التي كانت تنظر للإنسان على أنه مزيج من العناصر، بعضها مادي متمثل في جسد الإنسان، وبعضها الآخر مرتبط بالروح:  ” كا” أو الطاقة الكونية التي يتلقاها اﻹنسان عند ميلاده، ” عنخ” أو النفس الحيوي، و ” با” أو الشخصية الفردانية . عند موت الإنسان تتفسخ تلك العناصر وتنفصل عن بعضها البعض، وهو الأمر الذي لطالما أرق المصري القديم وأضنى وجدانه، مما أفضى به إلى ابتكار فن التحنيط والذي يسمح، وفقًا للتفكير المصري القديم، للروح بالتعرف على  جسد صاحبها  وإعادة الإتحاد معه من جديد .

وقد انعكست قصة ” أوزوريس”، إله العالم السفلي، إلى حد بعيد على عملية التحنيط؛ حيث تروي الأسطورة أن “أوزوريس”  قد قتل على يد أخيه ” ست” الذي قام بتقطيع جسده وتفريق أجزائه في أنحاء مصر، هنا تدخلت ” إيزيس” الزوجة الوفية، حيث جابت مصر لتجمع أشلاء زوجها المغدور ثم تقوم بدفنها معًا … هنا فقط عاد ” أوزوريس” إلى الحياة .

فلو أننا أعدنا النظر إلى جوهر عملية التحنيط لوجدناها عبارة عن إعادة تمثيل لطقوس حفظ جسد أوزوريس تمهيدًا لعودته للحياة، حيث تتمحور فكرة التحنيط برمتها حول حفظ الجسد وتكامله والحول دون تفسخه بحيث يدفن على هيئته الكاملة التي كان عليها قبل الموت، فقط ليتمكن من العودة للحياة واتخاذ سبيله نحو الخلود.

والحق أن أسطورة أوزوريس تعد بمثابة أبلغ وأوضح مثال يؤكد على قوة اعتقاد المصريين وإيمانهم الراسخ في استحالة استئناف الروح لرحلتها إلى الخلود ما لم يكن الجسد كاملاً سليمًا .

عملية التحنيط:

في بداياته، كان تحنيط الموتى مقتصرًا فقط على الملوك وأعضاء البلاط الحاكم والنخبة، وخلال عصر المملكة القديمة ( 2130-2575  قبل الميلاد ) لم يكن يوجد سوى جماعة واحدة فقط لاغير هي المنوط بها القيام بأعمال التحنيط، حيث كانت مهمتها تقتصر على تحنيط أجساد الأسرة الحاكمة والحاشية الملكية والمسؤولين رفيعي المستوى من الذين منحهم الفرعون امتيازات خاصة.

ثم في زمن لاحق، أصبح التحنيط أكثر انتشارًا وإتاحة، وسرعان ما ظهرت ورش التحنيط الخاصة، متعددة المستويات من حيث المهارة الحرفية، حتى صار للتحنيط أبعاد تجارية تخضع لاعتبارات السوق، وصارت جودة عملية حفظ الجثامين واحترافيتها تتوقف على مدى قدرة الزبون على الدفع!

لكن، وعلى الرغم من ذلك، ظل الاحترام والتقدير مكفولين للممتهنين بمهنة التحنيط، حتى بعدما اتخذت طابعًا تجاريًا إلى حد ما، وظل الجميع ينظر إليهم بعين التبجيل، ولا عجب في ذلك، فقد امتلك هؤلاء معرفة عظيمة بفن التشريح، كما كانوا على دراية تامة بالطقوس الواجب إقامتها والملائمة لكل خطوة من خطوات عملية التحنيط، لذا فقد كان لابد وأن ينظر إلى تلك الطائفة كأطباء وفي نفس الوقت كأعضاء في الطبقة الكهنوتية.

في مجموعة من البرديات التي كان قد عثر عليها، وجد العلماء بعض التفاصيل عن القائمين على طقوس التحنيط : كان أبرزهم هو الكاهن الأعلى، الذي كان يؤدي ويشرف على الطقوس مرتديا قناع ” آنوبيس” إله التحنيط – الذي كان قدماء المصريين يعتقدون أنه هو الذي قام بتحنيط جيد أوزوريس – وقد كان يطلق على ذلك الكاهن لقب ” سيد الأسرار” .

كما كانت الطقوس تتضمن أيضًا مجموعة من الكهنة ” القارئين” والذين يتمثل دورهم في تلاوة التعاويذ والتعاليم المقدسة خلال عملية التحنيط ولف الضمادات حول المومياء.

أما الطبقة الأدنى التي تشملها مجموعة القائمين على التحنيط فكانت العمال المسؤولين عن قطع الأنسجة واستخراج  الأحشاء الداخلية للمتوفى .

وكانت عملية التحنيط تستغرق فترة ليست بالقصيرة قد تمتد لسبعين يومًا أو أكثر، منذ وقوع الوفاة وحتى الدفن، ومع ذلك فقد ورد في سجلات المصريين القدماء أن بعض الأشخاص قد استغرقت عملية تحنيطهم فترة زمنية أطول بكثير؛ على سبيل المثال،  جاء في سجلات الأسرة الرابعة أن الملكة ” ميريس عنخ الثالثة ” زوجة الفرعون خفرع – صاحب الهرم الثاني من أهرامات الجيزة العظيمة- لم تدفن إلا بعد مضي  274 يومًا كاملاً على وفاتها !

في القرن الخامس قبل الميلاد، سجل المؤرخ اليوناني الشهير ” هيرودوت” الكثير مما عرفه عن التحنيط، حيث ورد في تأريخه أنه،وبعد الانتهاء من فترة الحداد، يتم تسليم الجثمان إلى القائمين على التحنيط. حيث تبدأ المرحلة الأولى من إجراءات التحنيط سريعًا قبل أن يدب الفساد والتحلل في الجثمان، خاصة في ظل المناخ المصري الحار الذي يساعد على سرعة تحلل الجثث، وتتلخص تلك المرحلة في تطهير الجسد بالكامل وتنقيته وغسله، وهي عملية تستغرق مدة ثلاثة أيام وتتم في مبنى مؤقت يدعى ” إيبو” .

وبمجرد انتهاء تلك المرحلة، يتم نقل الجثمان إلى مكان آخر يدعى ” بير نفر” ومعناها ” المكان الطاهر ” أو ” بيت الجمال”، حيث تبدأ المرحلة الثانية : مرحلة التحنيط الفعلي؛ وفقا لما أورده هيرودوت، يبدأ المحنطون عملهم أولًا بإفراغ رأس الجثة من المخ عبر إدخال خطاف طويل عبر الأنف إلى داخل الجمجمة بحيث يقوم الخطاف بتفتيت وتسييل المخ، بحيث ينسكب خارجًا في وعاء، ولا عجب في ذلك أيضًا، حيث لم يكن المصريون القدماء يعلقون أي أهمية على المخ أو يرون فيه مركزًا للتفكير والعقلانية، لذا لم يهتموا بتحنيطه وحفظه .

بعد ذلك تبدأ عملية إزالة الأعضاء الداخلية للجثة عبر شق يتم إحداثه في الجانب الأيسر من البطن؛ أما القلب، ونظرًا لأهميته العظمى في المعتقدات المصرية القديمة والإيمان بأنه مركز الحكمة في الإنسان، فقد كان يتم تركه في مكانه داخل الجثمان، وتشير فقرات عديدة من النصوص الجنائزية المعروفة حاليًا باسم ” كتاب الموتى ” إلى مكانة ذلك العضو وأهمية إبقائه في جسد المتوفى .

بعد الانتهاء من تلك الخطوات، تأتي خطوة تجفيف الجثمان، وهي خطوة شديدة الأهمية في عملية التحنيط، حيث كان يتم غمرالجثمان في مادة النطرون الصلبة – وهي عبارة عن كربونات الصوديوم المائية ، وتتواجد غالبا بالقرب من البحيرات المالحة – لمدة أربعين يوما كاملة ، بحيث تمتلئ تجاويف الجسد بالنطرون وتجف تماما من الداخل؛ وقد اكتشف كل من عالم المصريات ” بوب برير” ودكتور ” رونالد  واد”، في تجربة أجرياها عام  1994  أن عملية تجفيف جثة واحدة تحتاج إلى 580  رطل كاملة من النطرون.

وبعد انتهاء أعمال التجفيف، تأتي خطوة دهان الجثمان وتدليكه بمجموعة من الزيوت المتنوعة والراتنج السائل، وغالبًا ما كان يتم إجراء تلك الخطوة لإخفاء رائحة التحلل ولمنع أو تأخير افتراس الحشرات لأنسجة المومياء؛ ويوضح لنا المؤرخ اليوناني ” ديودور الصقلي ” – القرن الأول قبل الميلاد – الكثير عن تلك الخطوة، من خلال ما قام بتدوينه من ملاحظات حول ما شاهده في إحدى عمليات التحنيط : ( لقد كانوا يعتنون بكامل الجسد ويعكفون على تدليكه بأنواع عدة من المواد والزيوت العطرية على مدار أكثر من ثلاثين يوم، فكانوا يدهنونه أولاً بزيت خشب الأرز وبعض المستحضرات الأخرى، ثم يدلكونه بالمر والقرفة ومزيج من مواد العطارة والمطيبات التي تعمل على حفظ الجثمان لمدة طويلة وفي نفس الوقت تمنحه رائحة طيبة عطرة ) .

. . .  إلى بيت الأبدية ! :

عقب انتهاء خطوات التحنيط بكل تفاصيلها الدقيقة، تأتي المرحلة الأخيرة من تلك العملية المعقدة لتعلن قرب تشييع الجثمان إلى مثواه الأخير: مرحلة لف المومياء في لفائف الكتان وتكفينها .

تعد تلك المرحلة بمثابة الخطوة النهائية في عملية التحنيط، وهي لا تقل أهمية وخطورة عن الخطوات السابقة، حيث كان يتم تنفيذها بكثير من العناية والجدية وعلى مدار عدة أيام؛ وكانت كمية اللفائف الكتانية المستخدمة تختلف من مومياء إلى أخرى على حسب المستوى المادي للمتوفى .

ولكل خطوة من خطوات لف المومياء تعاويذها الخاصة التي كانت تتلى أثناء التكفين، كما كان يتم وضع مجموعات متنوعة من التمائم بين طيات اللفائف لتوفير أكبر قدر ممكن من الحماية للميت، بالإضافة لمجموعة من التعاويذ المكتوبة على ورق البردي والتي كان يتم وضعها داخل قبر الميت .

وفي حال كان الميت ينتمي إلى طبقة النخبة، كان يتم تغطية موميائه بقناع، ثم توضع في نعش فاخر يوضع بدوره في تابوت، حيث  يحمله الموكب الجنائزي في مشهد مهيب، مشيعًا إياه إلى مثواه الأخير :  القبر …” بيت الأبدية ” … لتعاود روحه اﻹتحاد بجسده من جديد، فينطلق في رحلته إلى حيث عالم الخلود.

 

 

 

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر