جذع النسيان

1619436_588618404552686_1146707874_n

 (إلى يس المك)

تأوي كل الكائنات إليكِ

حتى كائنات الظل ترسم أشكالها

متحدية كل قبائل الضوء

مجاهد الدومة

لطالما رأيت التحسر والشكوى من الشيء، رؤية من منظور المشكلة التي يبحث صاحبها عن حل، لكن بكفك عن ذلك ومعايشتك للتجربة على أنها حقيقة تنتفي لديك رغبة التذمر. وإن كان الأمر الذي أعنيه هنا هو الوحدة، فحينها لا تحاول عبثًا إيجاد حل وهمي مؤقت. تكتفي بذاتك وتتكيف مع الوحدة بحيث تكاد تضمها وهي حقيقة مفروضة عليك إلى عزلتك المنتقاة وأنت بينهم. حينها أجدني أخلق معنى آخر للصداقة بحيث تكون كل ذات جديدة في الحياة بمثابة باب لذاتي القديمة، وهكذا تتكاثر وحدتي مع كل واحدة منهن. ابدأ برؤية الوحدة في كل شيء من حولي. وأنا إذ أتجه إلى الخارج متلمسة لها، أخطو نحوي.

أخذتني بعد الزوال إلى النهر حيث يندمج هنا فرعي النيل الأبيض والأزرق ليصبحا نيلاً ممتدًا باتساع مريح. مشينا بين المزارع في دروب خضراء تمتد من قلبينا و تفترش أرض الشمال. لم أعلم أن لتراب الوطن رائحة حتى مشيت رفقتك، لطالما تصورته خاطرة عالقة في خيال الشعراء يزينون بها قصائدهم الغارقة في زرقتها. اقتربنا من جسم ملقى على حافة أحد البساتين كجريمة غير مكتملة فَرّ مرتكبوها قبل إخفاء فعلتهم. كانت تقود خطاي التي انحرفت عن الدرب قوة مبهمة لم أدرك معها ذاتي إلا و أنا أقف متسمرة أمامه بينما سكن النسيم و خف حفيف الأشجار من حولنا، و كما يخبرك حدسك بصورة مباغتة أنك أمام لحظة مصيرية، اتجهت عيناي دون رغبة مني تجاه ندبة كانت لي في طفولتي، ترقد الآن على لحاء جثة الشجرة. أخذتُ نفسًا عميقًا، مغمضة عيناي وأرسلت صلاة صمود لذاتي القديمة فيها. و رفيقي يقف بجانبي مقوس الظهر ظانًا أنه تسبب في حزني دون قدرة لي على إخباره بما جرى للتو، أو تطمينه بأن الأمر لا يعنيه وأن المسافة بين أقدامنا خادعة.

كان قد مر من الوقت ما لا أدركه، و أنت كعادتك لا تحاول استعجالي أبدًا. حين انتبهت أخيرًا، و قبل أن نباشر سيرنا انحنيتُ على الجذع أمسح على لحائه فانتابتني حكة خِلتُ سببها خشونة الجذع الناشف لكن عروق يدي الخضراء بدأت تتبدل عن مواضعها كغصن ينوء بحمل أوراقه الخضراء و مالت نهايات شعيراتي الدموية في ذراعي الأيمن، و المتشكلة على هيئة وحمة الفراولة تجاه الجذع فرجوته أن يتركني على حالي. لكن الكَرَب تناست ترتيبها المتناسق تحت بعضها و ابتدأت تتجمع في شكل دائري حتى ازداد انحدارها للخارج بما يسمح لها بالانقضاض على حُبيبات الفراولة، و مع كل نتوء متعمد للكرب يسيل شيء من دمي على التراب أسفلنا. ها أنا أستحيل قطرة دم حمراء نازفة تحمل هويتها في لونها و لا نواة. يستحيل نزيفي كونا أحمر يتسرب من خلايا جسدي زاحفا ببطء يغطي سماء العالم كل غروب. يتيح لكم ارتكاب البوح و فتنة الشر المقيم. هو الدم، مانح الستر و لا حامي له، أعزل السلاح يحتويكم في قطراته اللزجة المثقلة بحياة تنفلت مني. ما كان للجذع أن يدعني و شأني حتى تقدم باتفاق كان شرطه أن أتنازل عن ظلي لديه.

..

جمدتني فكرته في مكاني، و أخذ الدم يبتعد عن عقلي و بدت أشجار الحقل تتراقص أمامي و العشب يهتز أسفل مني ثم عم المكان سكون دافئ و أخذني البياض إليه. تخففت عن الوعي و تحررت من هويتي بعودتي إلى اللحظة الأبدية، القابعة دوما داخلنا

و أدركت حينها أن لا حاجة لي في أن أكون ذاتا معيّنة، عدت إلى المجهول في صورته الأولى تاركة ورائي حلم الوصول، و اتجهت ذاهبة إلى اللامكان، حيث “لن يُفلِت منك شيء، ستُفلت من كل شيء“.*

أعدتني إلى الحقل بشربة ماء و تقطيبة حاجبيك تزيد من حدة الشمس و تنفر السحاب من فوقنا. استأذنتك لأرتاح قليلا على العشب و بدأت أسراب النمل المتجمعة حول الجذع  في الابتعاد مع اتحاد ظلينا فزادت استطالة الظل المرسوم أسفله من هيبة عزلته، كراهب بوذي يتدرب على الارتقاء عن الأرض.

اندمج ظلينا دون تنافر يذكر. كانت وحدتي في تمامها بينما أنسلخ عن ظلي الذي تتكئ عليه أحزاني. فما حاجتي للظل و قد كنت دوما عابرة في العلاقات، بينما يتشبث الآخرون على حواف الذاكرة، يسحبونها للأسفل، فتجثم خلفي كظل ثاني. و ما عساي أكون بلا ذاكرة؟ لا شيء.. انتصار صغير على ماهية الوجود. فردت شاليتي و لففت بها جسدي متذرعة ببرودة النسيم الذي بدأ يهب فجأة أو ربما وعيت به للتو، و قماشها الثخين يسعفني بما يكفي لإخفاء ذراعي النازفة عن ناظريك يا رفيقي، بينما ندّت من عيون النخل نسغ حين الوداع.

نهضت متجهة إليك بكامل نقصاني  تاركة ظلي لديه، فالظلال تتمدد في العصرية بطول أحزاننا و أنا لا أحتمل رؤية ضميرك المؤنب في مشيتك المتعثرة. كنتُ قد تناسيت الأمر مع اقترابنا إلى النهر حين وضعت إصبعك على طرف أنفك بينما أخذ صدرك يتسع في فرح و لفتَ انتباهي لانتشار ما يشبه رائحة الفراولة في الجو رغم أنها لا تزرع في هذه الأنحاء. انتبهت لتوقف السيلان و عودة الحُبيبات إلى حالها الأول. ابتسمت لك و أنا ألتقط أنفاسي من الداخل سعيدة لانتهاء الأمر و رجوع الدماء لحركتها المعتادة على ذراعي. صرت من يومها أحتضنكم بكامل هشاشتي حين تلفكم سماء الأصيل، و أذوي من جديد مع أول شعاع للشمس المبتسمة في كراسة رسم الصغار.

..

منذ إيابي إلى ما وراء البحر، يعيّرني الآخرون لذاتي الناقصة، في بلاد لا تكف شمسها عن التحديق بك و تضخيم أناهم في ظلالهم الممتدة بخنوع خلفهم. و في المقابل، أنظر في تحد نحو قرص الشمس دون أن تؤثر فيني أشعتها، فأنا منذورة لغير الضياء.

و أنت يا رفيقي، عنقود البلح الذي كنت ألاحقه منذ صباي، فقد كنت معك أغوص بجذوري إلى أعماق في تربتي لم أكن عرفتها من قبل، أكتشف بعدا فيني كمدينة أثرية تحت الأرض لازالت تحتفظ بحجارة مبانيها مصفوفة بعضها فوق بعض بعيدة عن أيدي الزمن، بينما تتمدد شروخ الحياة اليومية على سطح ذراعي عاكسة مرآة لحظية. و بينما يعبر الآخرون خلالي، يظل وجودك شلخًا أبديًا ينير عتمة جذع النسيان.

* قصيدة لعنة القماش، أحجية الجدول، ميدو جمال، مجلة اكسير الكراسة الثانية، مارس 2013، ص45

 

عن دعاء خليفة

mm
كاتبة و مترجمة من السودان