جُثث نافِقة

معاذ

بقلم: معاذ أحمد أبو القاسم

(1)

     روائح الجُثث المكدسة تخترق أنفي، تتغلغل عميقاً في داخلي، وتشدني للنظر للأعلى، والبحث عن هواء نقي، أجول ببصري في الفضاء، فتتجلى لي حقيقة هيفيستوس* مُتربعاً على عرشه العظيم، يحرُسه فُرسان الجن ويُحَلِقُون حوله. يحملون سِهاماً نارية، وجزء منهم يحمل رِماح في مقدمتها الكثير من الرؤوس الملتهبة.

      سحبني فضولي إلى حيث يجلس، فجثوت على ركبتي وأحنيت رأسي. رمقني الحاجب بنظراته المتوجسة، ثم أمرني بالوقوف وقد قرأ ما أتطلع لمعرفته. نظر إلى داخل روحي، ونفث فيها كل الإجابات التي أبحث عنها. ثم أمر الجنود بكتبيل قدميَّ وقال موضحاً: “قريباً سوف يتضح لك الأمر، وتعرف الحقيقة، لذا علينا قتلك، لا يجب أن ترحل عن هذا العالم وفي حوزتك كل هذه المعلومات.”

     أي حقيقة يقصد؟! فأنا لم أفهم شيئاً منذ دخولي هذا المكان الغريب. هل أنا في الجحيم؟ ربما، فما رأيته يُؤكد هذا:

     رجال عُراة ذو رؤوس ضخمة كأنها قطع يقطين، لهم أذآن صغيرة وأفواه كبيرة، أجسادهم نحيفة عدا بطونهم المستديرة البالغة الإنتفاخ، تزداد إنتفاخاً كلما ابلتعوا حبيبات الجمر الشهية التي تُقدم لهم على أواني الزيف والخِداع، جالسين على كراسي من الجثث البشرية. يطوفون حول نار موقدة على الأحجار، يُسحَبون للأعلى ثم تُنزع أحشائهم وسط كثير من العويل والصراخ. وآخرين جالسين على سجادات رثه، شاخصين بأبصارهم نحو قمة عالية عليها ثور ضخم شاحب الوجه، يتكئ على عصاة غليظة بها جُمجمة مُحنطة مُثبته في أعلاها. فاتحين أفواههم يشربون الجهل بالكؤوس المقدسة.

     نساء أجسادهن منكشفه، ذوات شعر أشعث كأنهن خارجات من القبور، وجوههن مسودة، عيونهن غائرة، لهن أثداء ضخمة لا تتناسق مع حجمهن، وأعضاء تناسلية يغطيها شعر كثيف يسيل منها بول أبيض غامق، تنبعث منهن روائح نتنة. يقفن في صف طويل، يتحركن ببطء ويهوين في حفرة عميقة مثبتة بداخلها رِماح حادة: تقف الواحدة على حافة الهاوية، تركع ثم ترفع يديها لأعلى وتنكِّس رأسها، تهمهم بكلام ما وتزحف على بطنها إلى أن تهوي داخل الحفرة. لحظات ويصبح جسدها كخرقة مهترئة.

     الكثير من الأطفال يقفون على غيمة في الأعلى، يأمرونها: أن إنزلي قطراتك النقية على هؤلاء البؤساء. فتسقط حبيبات الماء على النار وتخمدها قليلاً، وتبعاً لها تقل الصرخات. تسقط على الرؤوس الحادة فتنحني ويتوقف الزحف. أصوات هادرة تأتي من شجرة هرِمة تقف بشموخ في الفراغ: أغصانها مُتيبسة، يجري في داخلها صديد البشر. يفزع الأطفال ويهربون بعيداً.

     تُرسل أغصانها فتؤجج بها النيران ويزداد العويل. تستن الرماح، وتتحرك الثكلات بوتيرة أسرع. بعضهن يفقدن السيطرة على حركة السير؛ فيخرجن من الصف، ويتدحرجن على الرمال الحارقة.

     رِماح مُلتهبة تسقط من الأعلى، تخترق أثدائهن؛ فيخرج منها لبن أسود يرشح في الفضاء، ثم يتحولن إلى رماد.

(2)

    تزدحم مخيلتي، وتضخ عشرات الأسئلة الفارغة. ضجيج حاد يملأ كياني، ويتملكني الزُعر، فما رأيته أشبه بالخيال وما نقرأه في القصص الخرافية.

     كيف أتيتُ إلى هنا؟ ما سبب ذلك؟ ولماذا هذا المكان اللعين؟

    إنقطع سيل أسئلتي حينما وجدتني مُعلقاً في الفضاء على حبل مُلتف حول عُنقي، في الأسفل تنتظرني ألسنة اللهب. صرختُ بكامل قوتي دون أن أُصدِر صوتاً، ثم صوب أحد الجنود سهمه على الحبل وهويت للأسفل.

     كان الفجر يلقي بأشعته الباهتة وبضوئه الفضي على غرفتي حينما إنتصبتُ فزِعاً من مرقدي، فقد كاد قلبي أن يتوقف إثر ما شاهدته أثناء نومي. تحسست جسدي حتى أتأكد من أن جميع أجزاءه مكتملة. زفير طويل خرج عبر أنفي؛ فها أنا حيٌّ أُرزق.

     أزحتُ الغطاء عني وإتجهتُ ناحية الحمام، تفحصتُ شكلي في المرآة ثم تكومت على حوض الإستحمام.

     إرتديت ملابسي بعد الإنتهاء وشغلتُ التلفاز ثم ذهبت لإعداد فطوري. ومن بعيد أتاني صوت مذيع الأخبار وهو يقول: إليكم أبرز العناوين: ثورة عارمة تشهدها البلاد، والحكومة تبدي قلقها من أن هذه قد تكون نهايتها.

ــــــــــــــ

*  إله النار لدى الشعوب الإغريقية القديمة

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة