حبيب يتذكر

دهب

     عندما تمر الأيام من تلك الحقبة الزمنية تترك دراجتين هوائيتين تحت تصرف حبيب الصغير، وحين يتولى هو ذلك لم يفكر بأنه يوماً سوف يتحدث اللغة الفرنسية؛ لأن ذلك يتطلب لسان أضخم مما يملك، ولأنه لا يعد التطفل على لغات الاخرين أمراً لائقاً لم يحب دروس اللغة الإنجليزية، فهو يحب أشياء كثيرة من بينها أسراب الحمام، ودراجتيه اللائي علمنه الإنتصار على المسافة، لذلك حتى عندما كانت توقفه رمال الخيران كان يجاهد في الضغط على البدال، وأحياناً يترجل مهزوماً، وعلى باله عالق زوج حمام مستحيل يسمى ب “الكرو كرو”، يبيض ثلاث بيضات كل أسبوع، لم يكن حبيب عصبي المزاج، أو أحمقاً للدرجة التي تجعله يتخلى للرمال عن إحدى دراجتيه، لذلك إحتفظ بهما – رغم مكائد الرمال – إلى وقت ذهاب بريقهما. لحبيب الصغير شغف آخر مماثل لجنون حُب الحمام يسمى الأماني، كان حبيب بجانب حلمه الأساسي “والذي هو سر خاص لا يحق حتى للرواي العليم الإطلاع عليه” حلماً كبيراً في أن يصير لاعب كرة مشهور، ربما إستلهم ذلك الحب من “أنس النور” لاعب نادي الهلال الذي حقق تقدماً تاريخياً في بطولة أبطال العرب في تلك الأيام، أو من قصة شعر الظاهرة البرازيلية “رونالدو” أو من أي لاعب مغمور في فريق حي الوحدة، من يدري! ما يهم هو ذلك الفتون الكروي الذي ظهر على عينيه الصغيرتين وهو يزعج مدير مدرسة الغزالي الأساسية بأعماله التنكرية بعد الدوام الرسمي ليحصد ثمارها ثاني يوم، ولحبيب بجانب ذلك أعمال جليلة ليس أقلها إكتشاف البوادي البعيدة جوار وادي سندو، وحب العجول الصغيرة “كجميع أولاد المدن”

     حبيب الصغير بعد أن ترك مدرسة الغزالي موسعاً من سلطات الدراجتين بمقدار المساحة  التي بين بيتهم ومدرسة السراج المنير، وجد أن الأمر يحتاج إلى تفاصيل أخرى من بينها الإستماع إلى بعض الكلمات الإنحليزية المعقدة التي يتفوه بها أستاذ “أبكر إحيمر” وبذلك شهدت الحياة أول إنتظام موسمي لحضور حصص اللغة الإنجليزية – التي لم تكفيه عن الحاجة للفرنسية في أيامه اللاحقة – ليجد نفسه يجيد قراءة الجُمل بالإنجليزية، وينطق حرف الp  بصورته الصحيحة، ربما ذلك الموقف نبهه إلى أن الإنسان لا يحتاج لزيادة حجم لسانه من أجل أن يتحدث اللغة الفرنسية بطلاقة، ليؤمن – لاحقاً – بأن المرء يستطيع تحدث الفرنسية بصورة أفضل إذا لامست عيناه أنوار برج إيفيل.

     مرت سنوات طويلة قبل أن توخز حبيب الكبير تلك الذكرى القديمة، وهو مستغرق بالنظر إلى سرب الحمام المستأنس بالعشاق في براحات باريس؛ تذكر حبيب زوج معين من حمامه الذي أكله قط بري متربص بباب الغرفة الصغيرة التي تفنن في أن يجعل دخول القطط عبر بابها شبه مستحيل عند حالة كتلك، وأيضاً مر على حبيب في جلسته تلك حنين عابر للدراجتين الذابلتين، وفريق الأمل الرياضي  فقال بفرنسية حزينة: “يالهما من دراجتين جميلتين.” ولم يذكر سيرة الحمام.

     قيل في الأثر أنه حلم ذات يوم بأن له قدرة خارقة على إصطياد الحمائم وحبسها أزواجاً أزواجاً في غرف خاصة، بغرض عقد قرانها الطيري المقدس، وتلك القدرة سببها شرك هوائي جاذب لكل حمامة جيدة التبييض بزوج له مظهر مدهش عندما يهدل؛ فما على حبيب الصغير سوى أن يذهب إلى سوق العيش داخل سوق جبرونة لينصب شركه الهوائي الذي بحجم الفراغ، كان حبيب يثق في رؤياه، لذلك عندما صحا الصبح لم ينتظر أن تنهره والدته منوهة إلى غسل وجهه قبل المطالبة بحليب الصباح، شرب الحليب وإحتقب كرتونة كان قد أخذها من صاحب الدكان المقابل لمنزلهم بعد إجادة دور المسكنة وكل صنوف “التحنيس”، متوجهاً نحو سوق العيش حيث تراءى له سرب الحمام في الحلم الأكيد، وبذلك كتشف حبيب الصغير بأن زحمة الأسواق تموت في الصباحات كما أوهام الشراك الهوائية.

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان