الرئيسية / احدث التدوينات / سيناريو طبيعي

سيناريو طبيعي

8be883931b6287f818f0fea4bb4fdb49 

  تكاثفتْ سُحب الماضي فوق رأسي؛ لتهطل أمطارَ ذكرى سحيقة، مرَّت سنواتٌ عديدة منذ آخر لقاء لنا، لا أذكرُ في أي تاريخ تعرَّفتُ به، ذاكرتي دائماً ما تتوقف عند نقطة ما في الماضي ولا تتجاوزها، كل ما أذكره أنِّي وجدتُ نفسي صديقاً له، كنا نسكن في الحي نفسه وندرسُ في ذات الصف بالمدرسة الابتدائية، كان في صغره أقصر قامة مِنَّا، بدين إلى حد ما وابتسامته الماكرة لا تفارق شفتيه أبداً، ورغم قِصَر القامة كان يجلس بالمقاعد الخلفية بالصف، مِن ذاك المكان يحلو له إطلاق النكات بصوتٍ خافت، لا يصل إلى مسامع المعلم؛ فيضجُّ الصف بالضحك وما أنْ يلتفت المعلم بنظرات عابسة متوعدة؛ حتى يرتدي صديقي ثوباً غير ثوبه، تنقلب ملامحه إلى الجد، ويمسك بكراسته ويخط عليها كأي طالب مُجِد. تدور عينا المعلم كأشعة ليزر، يتفحصنا واحداً واحداً، تتخطاه إلى أحدهم ما زالت بقايا ابتسامة عالقة بشفتيه؛ فيُعَاقب على ذنبٍ لم يقترفه، يتنفس المعلم الصعداء ويدور ليكمل درسه، فتصيب ورقة مُجَعَّدة ظهره؛ فيعود غاضباً يتفحَّصَنا بأعين ترمي بشرر. ويرتفع بكائي لأنَّ المعلم تخطَّى صديقي النجيب واصطفاني للعقاب.

  أفلام الكرتون التي ندمنها تدفعنا إلى الوقوف أمام بيت مهجور تميل جدرانه في أسى نحو الأرض، وتنمو الحشائش الكثيفة في باحته التي تتراءى لنا مِن خلف بوابته العتيقة، وتكثر الأحاديث عن أشباح وجِنَّة تجولُ بغرفه وعند منتصف كل ليلة تلتهمُ طفلاً ما. صديقي كالعادة صاحب هذه الفكرة. ندخلُ لنكتشفَ ما في البيت وإذا ما صادفنا الشبح فسنقطعه إرباً بأيدينا العارية. كانت الشمس تنحني نحو المغيب، وظلال الظلام تزحف ببطءٍ يثيرُ الأعصاب. أنا وبعض الأصدقاء وَجِلَتْ قلوبنا وآثرنا الرحيل، ضحك صديقي ساخراً مِن خوفنا، وكَالَ لنا لكمات مِن الكلمات الموجعة، توجَّسنا مِن لقب جبان الذي ستسير بذكره الركبان إذا ما تراجعنا؛ فتقدمنا. مُسْبَقَاً أحضر كل مِنَّا قَدْرَاً معلوماً مِن المال سنضعه بالقرب مِن البوابة، أشجعنا الذي سيخرجُ بعد كل الباقيين سيأخذ كل المال.

  انتشر الظلام مِن حولنا؛ ليزيد الرعب. أصر صديقي أنْ ندخلَ جميعاً؛ ليتأكد مِن أنَّنا لن نهرب. ولجنا وقلوبنا تدقُّ كألف طبل، حشائش عالية ونقيق ضفادع وصرير ينبعث مِن النوافذ الصدئة، وسحابة وحيدة تمارس هواية إخفاء القمر عَنَّا. لا شيء يُسْمَع إلا صوت أقدامنا، وهى تدوسُ على ورق الشجر الذابل، وفجأة صرخ أحدهم، وتدافع الجميع نحو البوابة، لا أعرفُ ماذا حدث بالضبط لكن الجميع عَدَا؛ فَعَدَوْتُ! وعند الناصية أخذنا نتفقد بعضنا البعض، ونحن نلهثُ والعرق الهطَّال شاهد على رعبنا. وجدناه. وجدناه منتظم الأنفاس كقط نائم. هادئ كقرصان لا يخشى المجاهل، وطفق الجميع يتحدث عَمَّا شاهده: تَحَدَّث أحدهم عن عجوز طائرة على مِكْنَسة، وآخر عن ملاءة تتحرك كإنسان، وأنا صامت أتابعُ صديقي يحكي عن مومياء تسير على أربع. تفرَّقنا ونحن نحمد الله على السلامة، وفي طريق العودة تذكرتُ النقود، وأنا ألحظُ انتفاخ جيب بنطاله. أخفاه بيده، وهو يجز على أسنانه مبتعداً نحو داره : ” مِن المؤكد أنَّ الأشباح أخذته، اذهب وحاسبهم “. فابتلعتُ ريقي ومعه لساني.

  وجاءت المرحلة الثانوية، ولم تتوقف سياط المعلمين على جسدي بدلاً عنه، وصديقي لم يتغيَّر، صار مُكَرَه أكثر فظاعة وجعلته حيوية المراهقة أكثر حركة واندفاعاً. كان يجرني خلفه نجوب الحي يومياً في رحلات “كولمبوسية” لا أرى طائل منها، بينما يؤمن هو أنَّ هذا التفتيش يجعلك تدرس كل أركان ملعبك وتراقبُ الآخرين، وتقتنص أخطاءهم فتحرز أهدافاً في شباكهم. وصار هذا الصياد يعلم خبايا الحي وفضائح ساكنيه ويوظفها لتحقيق مصالحه. أذكر أنَّه كان يحرز درجات ضعيفة بمادة الفيزياء، فشله هذا كان مصدر إزعاج له فربما يتأخر عاماً عن أقرانه.. وفي يوم التقطتْ أذناه ـ التي لا تُفَوِّت أمراً ـ حديث زميل لنا أنَّ معلم الفيزياء صار يأتي باكراً إلي المدرسة.. أخبرته أنَّه أمر عادي ولابد أنْ تجد أحدهم مثابراً كديك يصيح عند كل فجر، اتسعتْ ابتسامته الماكرة، وهو يُرَبِّت على كتفي كحكيم إغريقي قائلاً: ” ألم تسمع يا أصم. صار يأتي. صار “.

  وفي الأيام التالية أجبرني على الذهاب باكراً إلي المدرسة، وأنا أجاهد لأبقى عيني مفتوحتين. وقبل نهاية الأسبوع وقعتْ السمكة في الشبكة. أثمرتْ مراقبتنا أخيراً، وضبطنا المعلم وعاملة النظافة الشابة في أحضانه. أطلق صديقي ضحكة ساخرة فاجرة في وجهه بينما أطلقتُ أنا ساقيَّ للريح.

وكانتْ أول حصة في ذاك اليوم مع معلم الفيزياء نفسه، دخل إلى الفصل كريح عاصفة، جرَّنِي وصديقي إلى أول الصف، وانهال علينا بالسوط أمام دهشة الجميع. وعندما اكتفى مِنَّا وأعادنا إلى مقاعدنا قال صديقي في هدوء: ” إنها ثورة المرعوب “

وتبدَّلتْ درجات صديقي إلى الأبد، صارت علامات كاملة!

وافترقنا في الجامعة، ندرس في نفس الباحة، ولكن بكليتين مختلفتين؛ فضعفتْ أواصر صداقتنا. لم تتلاشَ نهائياً ولكن لم تعد كما كانت. صار ذاك الصبي البدين، طويل القامة، متين البنية، وتبدَّل وجهه المكتنز إلى ملامح رجولية وسيمة، واحتفظ بابتسامته الماكرة. تحلَّق مِن حوله عشرات مِن الأصدقاء بمختلف الميول، مغنون وشعراء الجامعة. شيوعيون واشتراكيون وإسلاميون، وآخرون يبحثون عن أي انتماء، وحده بالجامعة استطاع لَمَّ شمل الماء والنار.

وتَنَقَّل مِن حزب إلى آخر كزوج بين نسائه الأربع ـ غير أنَّ الأحزاب هنا لا تحصى ولا تعد! ـ كان يقضي وَطَرَه مِن الحزب؛ فينبذه دون أنْ يخسر أعضاءه نهائياً؛ ليلتحق بحزبٍ آخر.

وسامته وعذوبة لسانه جعلته كذكر الطاووس؛ فكل إناث البرية يتعرَّضن له؛ فيأخذ مَنْ يأخذ وينبذ مَنْ ينبذ. انتشرت أخبار مغامراته النسائية، وسَطْوِه على قلوب وأموال الفتيات دون أنْ يؤثر ذلك على تهافتهن عليه؛ فمنذ صغره والمكر وهو صنوان، يستطيع بمهارة ساحر في سيرك أنْ يسلب منا الحلوى دون أنْ ندري متى وكيف. ومنذ الأزل لم يترك دليلاً وراءه، لا لطخة حلوى على جانب فمه ولا شاهد يدينه.

لا أعلم لم تذكرتُ كل هذه الأحداث القديمة، وأنا جالس بغرفتي وقد تخطيت الأربعين بعامين. هرشتُ شعري الذي غزاه الشيب، ورَبَّتُ على كرشي المتهدلة وأنا أشاهد ذاك النابت مِن الماضِي بوسامته المعهودة وسحره الأخَّاذ وقوامه، المتين وابتسامته السرمدية. جمع غفير حوله، صحفيون ضاق بهم التلفاز، شريط أحمر يتقافز على الشاشة مذكراً المشاهدين كل حين عاجل:

معالي الوزير يفتتحُ المشروع التنموي بالمدينة!.

عن محمد حسن النحات

mm
قاص من السودان