الرئيسية / احدث التدوينات / سينما: هل يوجد إله في عوالم كريستوفر نولان ؟

سينما: هل يوجد إله في عوالم كريستوفر نولان ؟

 

4433131196166230

حسب فلم “تشكل“، الدخول في حلم يتطلب عدة أشياء: أولًا مهندسًا معماريًا قادرًا على بناء مكان في شكل متاهة بحيث لا يصل الحالم إلى حافة للمكان وبالتالي لا يشكك في حقيقة ما يراه، ثانيًا ممثل محتال قادر على تغيير هيئته وتقمص آخرين ليساعد في استخلاص معلومات من الحالم أو الإيحاء له بمعلومات حسب نوع المهمة، ثالثًا الشخص المضيف أو صاحب الحلم والذي يمكن أن يكون عدة أشخاص في نفس الوقت إذا كان الحلم ذا عدة مستويات أو بمعنى حلم داخل حلم داخل حلم .. إذا دققنا النظر في هذه الشروط فسنجد من الصعب توفرها في شخص واحد وخصوصًا إذا كان الحلم ذا عدة مستويات .. بمعنى أنه لو حاولنا البحث عن إله في بنية هذا الحلم فلن نجد سوى صفاته المقسمة على عدة أشخاص، المهندس ومتقمص الشخصيات وحتى الكيميائي .. سواءً كان إله أو قوى ما ورائية أو حتى شخص يمسك بجميع الخيوط ..

فرئيس المجموعة مثلاً في هذا الفلم “ديكابريو” – والمرشح أنه الممسك بجميع الخيوط- يبدو أكثر الأشخاص قلقًا وعدم قدرة على التحكم في حلمه نظرًا لوجود زوجته الدائم في أحلامه وإثارتها للمشاكل، والذي يجعل من نصف عمل ديكابريو الإشراف على الأحلام والنصف الآخر محاولة كبح المشاكل التي تثيرها زوجته، سؤالنا عن وجود إله/ قوى مسيطرة /حقيقة ثابتة/ في عوالم كريستوفر نولان يجعلنا ندقق النظر إلى علاقة ديكابريو وزوجته التي يبدو أن الفلم مبني عليها .. علاقة معقدة جدًا سأختصرها بقول أن ديكابريو هو المسؤول عن وفاتها بطريقة غير مقصودة .. وندمه على ذلك هو السبب المباشر في وجودها في لاوعيه وبالتالي وجودها في حلمه دائمًا مما حد من قدراته كإله مسيطر إلى النصف تمامًا مما يعطيها النصف الآخر .. وما يجعل عالم الحلم والفلم كذلك معتمدًا على الشد والجذب بينهما .. أو مقدار التوازن بينهما، فهل من الممكن أن نفترض أن وجودها غير حقيقي بل مجرد شيء يرمز إلى الندم الشديد الذي يعانيه، والندم مثله مثل الظلم والقهر كلها أنواع مشاعر مختلفة تجعل من يعانيها يبحث عن قوى أعلى أو نظام أو معنى بشكل ما لكي يطمئن بعض الشيء، ستنبثق الأسئلة كما الأحلام بلا نهاية و لكن .. هل من الممكن أن نقول أنه على الأقل  بالنسبة للشخصيتين الرئيسيتين في هذا الفلم أن الإله هو الشخص الآخر؟

في أول أفلام نولان (تتبع) تبدأ القصة بطريقة هادئة، كاتب يتتبع شخصًا جديدًا في كل يوم بعشوائية لكي يحصل على أفكار لقصصه، في أحد الأيام يتتبع لصًا ويتعرف عليه ويصبحان رفيقان وصديقان مع الأيام، وتتواصل القصة بسلاسة وخطوة بعد خطوة يبدو البطل مطمئنًا أكثر أنه ممسك بكل الخيوط إلى أن يسقط فجأة في الفخ ويكتشف مصدومًا لا حقيقية العالم الذي كان يعيش فيه .. فقد كان يعتقد أنه يتتبع الشخص الآخر والحقيقة أن الشخص الآخر هو من كان يتتبعه، وطوال الوقت كان يظن أن هو المسيطر على الدمية ولم يعرف أنه كان هو الدمية التي استعملها الشخص الآخر لينفذ بها سرقته الجديدة، وبطريقة أكثر تعقيدًا وغموضًا اختفى الشخص الآخر بينما صار البطل هو الشخص الآخر في أعين الشرطة مما جعل عالمه الجميل الحالم يتساقط أمامه بصورة مقززة إلى كابوس شنيع سوداوي ولم يكن يسيطر عليه سوى شخص آخر .. مجرد شخص آخر، بمعنى أنه نحن المشاهدين أيضًا كنا نتفرج على قصة أخرى غير القصة الحقيقية التي يسيطر فيها الشخص الآخر على كل شيء، في هذا الفلم يبدو نولان منطقيًا وسوداويًا تمامًا وهو يصف الحياة بهذه العبثية الشديدة وعدم وجود حقائق راسخة سواءً أخلاقيًا وقيميًا أو إجابات جيدة للأسئلة الوجودية .. بل مجرد عشوائية يمكننا أن ننجو من خلالها كنوع من الصدف وحسب .. وأنه لا وجود لحقائق ثابتة / قوى مسيطرة / إله إلا من خلال علاقتنا المعقدة الدائمة مع الشخص الآخر. ما هو هذا الشخص الآخر وهل يمكن أن يكون إلهنا الشخصي؟؟

في فلم (لحظات) يستعرض نولان ما يمكن أن يكونه هذا الشخص الآخر وما يمكن أن يكون شكل علاقتنا معه من خلال شخصية رئيسية تعاني من فقد الذاكرة القصيرة الأجل .. بمعنى أنه لن يتذكر أي شيء أو شخص أو حدث سيقابله في حياته مهما كان، بمعنى أن حياته عبثية تمامًا والحقيقة الثابتة فيها هي الماضي وحسب .. وبالأخص قبل خمس سنوات الحدث الذي أدى إلى حالته هذه ومقتل زوجته أيضًا والذي أقسم منذ ذلك الوقت على إيجاد قاتله، المثير أنه لا يتذكر أي شيء في الخمس سنوات ولن يتذكر مستقبلاً أي شيء .. بل يعتمد على قصاصات يكتبها أحيانًا على جسده .. لكن المشكلة الأكبر هم الأشخاص الذين على دراية بحالته وكيف يمكنهم استخدامه .. فبالنسبة لهم هو شخص فاقد للذاكرة تمامًا وعازم على قتل قاتل زوجته .. فحتى لو قتله اليوم فبعد خمس دقائق سينسى أنه قتله وسيقوم باحثًا عن قاتل زوجته من جديد، ومن هنا يتخذ صديقه مثلاً الذي يعرفه شكل هذا الشخص الآخر الذي يمكنه أن يكون في كل مرة يراه فيها شخصًا جديدًا تمامًا .. يمكنه أن يكون ضابطًا أو مجرمًا .. صديقًا أو أحد المارة في الشارع، طبيبه الشخصي مثلاً أو محاميه، وفاقد الذاكرة هذا مضطر أن يصدق في كل مرة هذا الشخص الآخر الذي جعلته هذه الظروف الاستثنائية العبثية “إلهًا” تمامًا بالنسبة له. في هذا الفلم يقدم لنا نولان مرة أخرى تعقيد العلاقة بين الشخصين وظلالها السوداوية جدًا دون أي ملمح تفاؤلي .. ودون أي معنى نهائي/ إله نهائي/ أو نظام معين، بل مجرد توازن مشبوه تمامًا بين قوتين تؤثران على ما حولهما بطريقة مشوهة.

في فيلمه التالي (أرق) يقدم لنا نولان قصة تساؤلية غريبة تمثل مرحلة انتقالية في تفاؤل/ تشاؤم كريستوفر نولان، فالشخصيات _شرطي وكاتب_ تبدو حية متفائلة مؤمنة بالكثير من المبادئ والقيم والعمل الجاد، ثم فجأة تقع في فخ الانكسار ولا يبقى أمامها سوى حل واحد، حل قبيح ولكن لإنقاذ عالمها الجميل، ليأت هنا سؤال الأخلاق الصعب، هل من الممكن فعل شيء سيء لغاية جيدة، يستمر الفلم وكلا الشخصيتين تحاول الحفاظ على عالميهما المستقرين إلى أن يلتقيا وكل منهما يعرف سر الآخر جيدًا، يهدد كليهما الآخر ثم يتصارعان ويحاولان إقصاء بعضهما ليحافظان على اتزان عالمهما، كلا الشخصان ارتكبا جريمة قتل وكلاهما يزعم أنه ارتكبها بطريق الخطأ، الشرطي يرفض الاعتراف أنه ارتكب الجريمة أساسًا والكاتب يزعم أنه مجرد خطأ ليس من المفترض أن يقلب سياق حياته الجيد، ثم يعطي الشرطي عرضًا بالسكوت مقابل السكوت، لكن قبول الشرطي للعرض يعني أنه يعترف بأنه قاتل وذلك ما يرفضه تمامًا، ونسبة لإيمان الشخصيتين بنفسيهما وإصرارهما على براءتهما فسيظلان يتصارعان حتى يموتان معًا، هذه تبدو نهاية منطقية لإيمان عبثي كهذا، فكل منهما كان يحاول إقصاء الآخر لإنقاذ عالمه/ إلهه/مبادئه/ خيط حياته العادي. لكن ماذا يعني موتهما ؟ .. في هذا الفلم يحاول نولان اختبار القيم التي يؤمن بها الشخص العادي ثم سقوطها في أول اختبار ليضع أمام الإنسان حقيقة أن إلهه /مبادئه /حقيقته النهائية / هي مجرد تمثال عجوة سيأكله في ساعة الجوع، ثم في موسم العجوة سيصنعه مجددًا، لكن ألا يعني موتهما الاثنين نوعًا من التفاؤل؟

 في فلم ثلاثية باتمان جوثام عبارة عن مدينة يحكمها قانون متعثر وقضاة مرتشين ويسيطر عليها لصوص كبار لا يستطيع أحد الوصول إليهم إلا باتمان بين الحين والآخر، لكن وصوله لا يعالج شيئًا، فاللص يخلفه لص آخر والشارع الذي تنظفه اليوم سيتسخ غدًا، لكن الناس تقبل بهذا النظام المتعثر طالما هو أفضل الخيارات المتاحة، إلى أن أتى الجوكر وسلبهم اطمئنانهم نهائيًا، ألغى كل الحقائق، الحتميات، الآلهة وجلب نظامًا جديدًا اسمه الفوضى والحظ، والوجودية التي تعطي للإنسان مسؤولية تغيير مصيره بيده، باتمان يبدو أول المقتنعين بالجوكر، لكن إيماناً قديمًا أنقذه من التأثر به وهو مشهد وفاة والده الذي غير حياته تمامًا وأعطاه انتقاماً لا نهائياً من كل مجرم يحوم ليلاً في شوارع جوثام، هل يستطيع باتمان تحقيق دور أكبر في ردع المجرمين، دور سياسي مثلاً أو اقتصادي أو أو، ربما ولكنه لا يفعل ذلك، ربما السبب الثاني عدم إيمانه بالنظام أيضًا / القوى العليا / المثل العليا / لذلك صراعه مع الجوكر كان شيئًا جديدًا بالنسبة له وضعه أمام الأسئلة المهمة، أسئلة الأخلاق والمبادئ، وما يجب أن نؤمن به، وضرورة افتراض حلول للمشاكل غير الضرب اليومي للمجرمين في الشوارع، ثم في نهاية الفلم وحين كان الجوكر على وشك الانتصار كان لابد لباتمان أن ينقذ العالم بشكله الحالي / الحقيقة /الإله العلى / المبادئ / حتى ولو لم تكن حقيقية / بعد وصول الفلم لخلاصة مهمة وهي أن الحقيقة غير كافية أبدًا، وأن فكرة الإله ضرورية حتى ولو لم تكن حقيقية، لذلك ارتضى باتمان لنفسه دور الشرير ناسبًا لنفسه كل الأشياء السيئة التي ارتكبها الناس. ليصير بذلك جوكر آخر مثلما بشره الجوكر نفسه بذلك في أول الفلم. الملاحظ في هذا الفلم هو التطور في فكرة الإله / الشخص الآخر/ فالشخصيتين في هذا الفلم الشريرة والطيبة تعاونا بغير قصد في تثبيت قيم إيجابية في المجتمع، فالجوكر حاول سلبهم إيمانهم وحين فعل نسب باتمان لنفسه كل الأشياء السيئة معيدًا لهم هذا الإيمان، هل من الممكن أن نقول أنه نوع من التكامل في حالة قبلنا أن الكمال هو احتواء التناقض، وهل احتواء التناقض هو إحدى صفات الإله ؟! .. وهل يحاول نولان هنا عبر الجوكر وباتمان والحبكة الرائعة، هل يحاول رسم إله مفهوم أكثر بالنسبة لنا، وعبر علاقاته الثنائية الرائعة التي قدمها لنا خلال أفلامه السابقة، هل كان نولان يحاول التوفيق بين شيئين متناقضين واصلاً عبرهما إلى مزيج متجانس عبر ظروف بيئية مختلفة ومعطيات متنوعة، هل كان يحاول تفكيك القوى الما ورائية/ الأوهام إلى مفرداتها وتراكيبها الصغيرة وإعادة صياغتها بطريقة أكثر عقلانية، بحيث الكمال هو المتاهة / تسير في أضيق مساحة لكنك لا تصل/ مثلما الحيرة عند المتصوفة / وبنسبية الزمن التي يمكن أن تجعلك أنت / آخر في نفس اللحظة، برغبات ودوافع مختلفة تمامًا، مثلما هو واضح في فلم (بين النجوم) ونسبية الزمكان التي جعلت الأب في مكانين وزمانين في نفس الوقت ليصير بالمعنى الفيزيائي إلهًا، والفرق بين الشخصين في “الزماكانين” هو أن الأول مجرد شخص عادي والثاني هو الأكمل الذي علق في المتاهة وأدرك باستحالة الوصول لذلك قام بعمل نفس الأشياء التي كان يستهجنها في زمن مضى، مما رقاه ذلك لمرتبة الإله، لكنه إله يعلم حقيقة أنه غير قادر على استرجاع ابنته لكنه قاد على إنقاذها لذلك يبكي، فهل ذلك يجعله إلهًا أم مجرد شخص آخر؟.

لكن الشيء المهم والواجب  ذكره في عالم كريستوفر نولان هو الوجود الطاغي للمشاعر والتي تشكل دوافع أساسية لتحركات الشخصيات، الندم مثلًا الذي يجعل شخصًا يسكن أحلامك غصبًا عنك، الذكرى الحزينة التي تجبر باتمان لأن يصير بطلاً طوال حياته، إرادة الانتقام التي تجعل فاقد الذاكرة يبحث عن قاتل زوجته ألف مرة ويقتله ألف مرة، الحب بين رائد الفضاء وابنته، الحب كطاقة غير مفهومة ولكنها مقاسة فيزيائيًا والتي أدت لإنقاذ العالم بأسره .. هذه المشاعر بصورتها العادية تبدو متاهات يمشي فيها الإنسان دون الوصول لشيء، لكن حبكات النولان تدرجت في إخراج هذه المشاعر عن صورتها المألوفة لتصنع مواقف أكثر عمقًا وتعقيدًا، مثلاً باتمان الذي صار شريرًا لنفس الأسباب التي جعلته يكون بطلًا، ومثلًا الأب الذي فعل بسبب الحب نفس الأشياء التي رفضها بسبب الحب فيما مضى، لذلك تبدو هذه المشاعر هنا أكثر كمالًا واحتواءً لمعنى الإله. والذي هو أنت / آخر.

 

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .