الرئيسية / احدث التدوينات / (سَالم) يحملُ (نَعش المطر)

(سَالم) يحملُ (نَعش المطر)

PicsArt_09-11-07.21.11

 

(1)

ديوان ( نعشُ المطر ) للشاعر/ محمد سالم مهدي. يمثل تجربة جديدة ومُلفتة، على مستوى الإنتاج الكِتابي، الشعري أو الإنتاج الورقي. فمن جانب نجد أن الشاعر صغير السن(مواليد العام 1998) ومع ذلك أنجز ديوان شعري به 26 قصيدة تتفاوت طولاً وقِصراً. كُتبتْ بلغة عالية ومُتماسكة وجيّدة، وسَبكْ لغوي بديع ومميّز، ناقش من خلالها أسئلته الخاصة نحو الوجود، الحياة، الحب، الوطن والموت.

– ومن جانب آخر فتجربته متميّزة أيضاً في إخراج الديوان ورقياً، حيث قام سالم بكسر عُقدة النشر وحلّق بعيداً عن ابتزاز الناشرين وجشعهم وأساليبهم القذرة، وأستطرد هنا أنه -ليس كل الناشرين كذلك- وقام بإنتاج الديوان بنفسه، بدايةً بالتصّميم الداخلي وتصميم الغلاف والتدقيق اللغوي، وحتى طباعته النهائية بالتعاون مع مطبعة تجارية. وهو أمر أتمنّى أن يتكرر في وسطنا الأدبي، وتجربة يجب أن تعزز بتجارب أخرى مُشابِهة إلى حين حُصولنا على دُور نشر بمواصفات ممتازة تتعامل مع أمر الطباعة كشأن ثقافي ومعرفي وليس كسلعة سُوقية تخضع لمعايير الربح والخسارة -على مشروعيتها-، يحقق لنا إنتاج ورقي كثيف لا يخضع لتلكؤ مؤسسات الدولة الثقافية، ولا لجشع أصحاب دُور النشر.

(2)

الديوان من 61 صفحة وبه ستة وعشرون قصيدة يحمل رقم إيداع، وقدّم له الدكتور/ مصطفى الصاوي – الناقد والمحاضر بالجامعات السودانية والذي ذكر في مقدمته ( تلمحُ في تضاعِيف نُصوصه شاعرية لافتة للإنتباه؛ يتكأ فيها على معرفة تتحرى رؤية الكون والوجود) وأضاف أيضاً (… إنها فلسفة في ثوب شعري شفاف).

لوحة الغلاف للفنان الجنوب سوداني/ دينق ماجد شول وهي لوحة بديعة وجميلة على مستوى التفاصيل والألوان.

– يباغتك الشاعر محمد سالم منذ الصفحة السادسة بسؤال عادي ومعروف ومستهلك، وبإجابة جريئة ومشاكسة ومختلفة حين يقول:

(ما الشعر؟

في أول صباح عالمي شهدته الحياة؛ كان العقل البشري يريد أن يفض بُكارته بنفسه ولكنه لم يقدر وكانت عدم القدرة هذه أوّل خطوة عناء في طريق الحياة الداخلية العصيبة؛ هذه الحياة التي لا تعرف عن العالم الخارجي سوى صُوره المجردة الثمينة.. سوى الشعر.)

أما قصيدة (نعش المطر) والتي تحمل عنوان الديوان نقرأ فيها:

حلّق القلب القيامة البهيجة

حلّق الموت من هنا

فالحياة للأبد

حلّق الطريق للبيوت

أزهرت منازل كثيفة

حلّق البشر

فوحدنا إلى الأبد.

(3)

يمكنني القول إن ثيمة السؤال هي ما حرك الشاعر لكتابة هذا الديوان وهو ما وجدته عند د.الصاوي حين قال (ترى الشغف بالمفردة غير المستهلكة وبأسئلة حائرة لا تبحث عن إجابات، بل هي رهينة بالتأمل وهذا ما ميّز نصوصه). نقرأ مثلًا في نص (جمجمة الريح الحرة):

أسئلتي تَكبُرْ.

أدمغتي تكثُر.

وفي نص (معابر التورد):

فبأي ضحكة نفاوض العواصف

فبأي كذبة نُبدّد السفر

فبأي ليلة نعانق المذنّب القديم.

أما نص (ماكينة القلب) فكأنه حوار بين الشاعر وذاته الأخرى أو ذواته المتعددة، فكانت الأسئلة تُقذف بقوة والإجابات تتدفق بعذوبة (ماذا يفعل الطير؟) ( ماذا على منقاره والذرى؟) ( كيف فَنّتك العصافير؟).

وهكذا إذا تتبعنا قصائد الديوان نجدها تطرح أسئلةً مستمرة، وحتى الإجابات ذاتها تُحيلك إلى أسئلة أخرى، وهكذا تجد نفسك منغمساً داخل متاهة جميلة ومدهشة.

أذكر هنا تعريفاً للشعر ظلّ يردده الشاعر السوداني/ عثمان بشرى وهو شاعر له تَجريبه الخاص ومدرسته المعروفة في كتابة الشعر، ويقول فيه أن الشعر الذي لا يطرح الأسئلة لا يمكن أن نسميه شعراً.

(4)

 

محمد سالم كاتب مُتكامل وأعني أنه ( كاتب صحفي، وسارد، وشاعر) وقبل ذلك هو قارئ ممتاز، وأظن هذا الأمر جعل من -بالنسبة لي- نِسبته إلى أيّ مدرسة شعرية أو مقاربته مع تجربة معينة أمراً صعباً. والمقاربة دائماً ما تُذكر في صياغ التفضيل، ولكني بحثتُ عنها في صِياغ التكامل الذي نجده في أمر الكتابة والشعر تحديداً، ويحضرني قول الشاعر الفلسطيني العظيم/ محمود درويش:

أنا للطريق…

هناك من سبقت خُطاه خُطاي

من أملى رؤاه على رؤاي.

وأجدني فشلت في خلق مقاربة بين سالم وأي تجربة أخرى مما يجعلني أقول وبكل شجاعة أنني أمام تجربة شعرية مميزة وفريدة. فبين قصيدة وأخرى نجدُ شاعراً وسارداً وناثراً ومفكراً وفيلسوفاً. ولعل اقترابه من حقل السرد اكسب كثير من قصائد الديوان سلاسةً وتسلسلاً جميلاً.

من المقاطع التي استرعت انتباهي من قصيدة ( سينما القلب) وهو عنوان ذكي ومرواغ وجديد، قوله:

حلمٌ يعلّمك السفر

حلمٌ من الذكر العجوز

حلمٌ من الصُدف القديمة والقُبل

حلمٌ من الزمن المخبأ فيك

حلمٌ من المنسي من فوضى الكلام

حلمٌ من الطير المغرد في النجوم الآفلات

حلمٌ من الأسوار أبداً يعتريك.

(5)

وبالمرور على نصوص قوية ومتماسكة مثل (الموت والرغبة) ( الوَعي الليلي) (جفن الحديقة) (فناء الذات) ( تبخّر الضّحك) (صُور الحياة النائمة). نجد أننا أمام نُصوص مُراوغة، تخاطب الموت والحياة في آن واحد، تخاطب الليل والأشياء معاً. وتجمع بين القفشة ومهرجان الحب، بين وحشة مرعبة وشاعر عجوز، وبين الواقع اليومي والوَهم المُعاش.

ربما من إجحاف الكتابة أنّها مهما اتسعت لن تفي كتابة مماثلة لها، ومهما كانت قريبة فهي أبعد ما تكون عن خلق مقاربة مع كِتابة أخرى، ومهما كانت مُحبّة فإنها تَضِن على رصيفتها. وربما هو الشعر، الكتابة عنه قد تكون مجحفة ولا تكاد تصل إلى سماواته العليّة.

عن عثمان الشيخ

mm
كاتب من السودان