فتاة المترو

eb148cebbcbaa256ada8f5a890d9f9c1
كنتُ أتأملُ ضحكتها، في كل مرة تضحك فيها. منذ عام ونصف لم أسمع ضحكتها، وبرغم البون الزمني البعيد عنها، لا زلت أسمع ضحكتها حتى الآن. ها هو هسيسه! صوتها يتردد صداه في جمجمتي، هو ذاك الصدى، هو نفسه، والقرقعة، والحزن المسال من ضحكتها. ضحكتها كانت تنثر حزناً، كانت تقول: أنا أتألم، أنا مسكينة، أنا ممتنة لتلك الضحكة.. هل كانت ضحكتها عرضًا لمرض؟ يقولون أن هناك مريضاً يضحك لأن شيئاً ما في مخه قد فسدَ فصار يضحك عن غير عمد. ولكن هذا التشخيص لا يناسبها، فهي تتحكم في لجام ضحكتها، تدعوها كما تشاء، وتردعها وقتما شاءت.

فهل ضحكتها تستحق كل تلك التأملات؟ – نعم تستحق. لأن وراء ضحكتها قصة عبثية.

– قتلتُ نوال.. كلمتان خفيفتان على اللسان، متلازمتان للسان هند، ثقيلتان في قلب هند، مؤلمتان، معبرتان عن سجل خفي من الألم.. ولم تكن نوال إلا فراشة ترفرف في الجحيم. لم تسعفها قوتها لتكون مثل عنقاء الرماد فتنجو بنفسها من فتنة الرجال.

– أماه، إني حزينة..

– اسكتي يا نوال.. اسكتي.. دعيني أخيط لأخيكِ قميصاً جديداً

فتنزوي نوال إلى ركن البيت، تحتضن نفسها بنفسها، وعلى وجهها بلَهْ المسافر التائه.. تتفرس ملامح المستقبل: هي الآن في السادسة عشر من عمرها، سيأتي يوم وتتزوج، وتنجب، ولا تعلم إلى أين المفرُ والمقر، وفي أي مكان ستلتقي بحتفها الدامي. نوال لا تعرف إلا شيئا واحدا: ستتغير حياتها عندما تتزوج، الزواج هو فك الكربة.

– تعالي يا نوال، أريد أن أحدثك في شأن خطير

– نعم يا أماه؟

– هناك رجل!

– لمن؟

فتغضب أمها وتشيح بيدها بعنجهية، وتصدها عن خيالاتها بقولها: ليَّ أنا طبعاً، لا زلتِ صغيرة يا قطتي على أن يلتفت إليك الرجال دوناً عني.

– من هو يا أماه؟

– هو صاحب الوظيفة.

– أعرفه يا أماه.. رجلٌ طيب. تزوجيه

– كيف يا حمقاء؟ .. ألا تعلمين أن زواجي الآن خطرٌ عليكِ! سيأخذك مني أهل أبوكِ.

– آه .. وما العمل يا أماه؟

– الأمر بيدي الله يا فتاتي الصغيرة.. المهم الآن، اسمعيني جيداً.. سأخرج للقائه، وسأعود بعد ساعة، أو ساعتين.

– لن أخبر أحداً يا أماه.

وصاحب الوظيفة يفتقر لكل شيء.. أهمهم الجنس. وهند امرأة ناضجة الأنوثة، تؤكل دفعة واحدة حيناً، وحيناً آخر تُشرب ككأس نبيذ. وتفنن صاحب الوظيفة في مهمته. أتمَّ دوره بإتقان، حتى أن هند فرحتْ به، فأعطته من مالها كل ما يطلب، ليعطيها ما تطلب.

– يا صاحب الوظيفة، تعجبني آلتك

– يا امرأة، تأدبي!

– هاتها هنا، أرجوك، أحب أن أقبضها بيدي.

– ستتأخرين؟

– لا تهتم.. أريد أن أشبع منكَ

– متى نتزوج يا هند؟

– لا داعي لهذا الكلام الآن.. الويل لي، لقد تسارع نبض آلتك!

– تعالي يا لبؤتي.. هنا.. مكانكِ هنا.. أسفل مني، أنا سيدك يا عاهرة آلتي.

– الرحمة يا حياتي.

– سأشقكِ نصفين

– دمرني.

يتألم صاحب الوظيفة، يشعر بالذنب، لقد أغضب ربه.. زنيت يا رجل! اللعنة! كفّر عن ذنبك، تزوجها. ولكن صراعاً غبياً نشب بين قبيلتين، صيَّر زواجي منها إلى خانة المستحيلات. إلى متى ستظلُّ ماشياً على خيط دخانك؟ إلى متى!

– يا صاحب الوظيفة.. أزفُّ إليك خبراً عظيماً

– بشَّريني يا هند

– جاء رجل!

– حقاً؟

– نعم.. وهو لائق جداً بنوال، يكبرها فقط بستة أعوام. وأنت تعرفه!

– من هو يا امرأة؟

– هو الأبله!

– الأبله! هو صديقي منذ عشرة سنوات.. وهو رجل كريم من بيت كريم، ضخم الدسيعة.

– غداً سيذهب إلى أهل أبيها.. إجراءات شكلية لزوم الأصول. وإنما الأمر، فالأمر بيدي طبعاً

– أخيراً يا هند.. أخيراً، سوف أغوص في معدنك يا امرأة دون أن أحس بالذنب.

– يا صاحب الوظيفة لا تؤلمني.. أنا وأنت تزوجنا أمام الله، شرعاً، فلا تنظر لي كأنني عاهرة.

– ولكنها الشبهات يا امرأة.. المهم الآن، كيف عرف الأبله نوال؟ أين رآها؟

– رآها صدفة أمام بيتهم، فتعلق بها من أول نظرة.. هذا ما أخبرني به

– نعم، أصدق ما يقوله.. تلك فعلاً صفات الأبله الذي أعرفه.. اسمعي يا امرأة..

– ماذا؟

– لا تخبري الأبله شيئاً عن علاقتنا الآن، أتفهمين؟

– طبعاً أفهم.. لا حاجة بأن تخبرني أمراً خطيراً مثل هذا.

تتذكر هند كل الصواعق التي نزلت عليها، تتذكر كل اللعنات، تتذكر دون إرادة منها.. فحتى لو فقدتْ ذاكرتها تماماً، سيظل عقلها البعيد محتفظاً بتلك الرواسب. أي رواسب؟ – هند تشتهي المحظور، تروم شهوتها إلى كل محرم.. هند تحب أن تُهان أسفل أي رجل يمتلك آلةً.. ولقد أوقعتْ بنفسها في وحلٍ لا عاصم منه. سقطتْ في عينيْ الأبله، فعشقته، وأخذت ترسم له صوراً في خيالها وهو يعتليها، ويشقها بعنفوان شبابه. هو شاب يافع، سليم الجوهر، وهو أشد قوة من صاحب الوظيفة الذي بلغ الخمسين من عمره.

إن صوتاً في جوف هند يخبرها: سيصير زوج ابنتك يا فاجرة!.. فيرد عليه صوت آخر في جوفها: لن يعرف أحدٌ شيئاً.. فيقول الأجوف: حرام.. فيرد الأجوف الآخر: الله سيغفر لي.. فيضحك الأجوف بسخرية، ويبادله الأجوف الآخر الضحك، وتبكي هند حظها. محرومة؟ – لا، لستِ محرومة.. وإنما أنتِ على غير هدى، أنتِ محطمة، جعلوكِ مريضة.. يا هند، متى تنفصلين عن الماضي، متى تنسين الإذلال الذي تعذبت منه على يد أباكِ حينما ربطك ثلاث ليالٍ بقوائم السرير، متى تنسين صفعاته المتكررة، متى؟. ومتى تغيب عن ذاكرتك تلك الصورة: صورة اغتصابك القديم.. إن كل قضاة العالم في صراع وخلاف نشب حول مسألة هند، هل هي جانيةٌ أم مجني عليها؟

– لا يجوز يا أمي!

– دعك من ابنتي.. لن يعرف أحد.. ولا تقل لي أمي ! كلمة قبيحة منك !

– غطي نفسك يا امرأة، سأصير يوما ما زوج ابنتك !

– قلت لك دعك منها.. انظر هنا، انظر، اشتهيني

– أرجوكِ

– لا تقل تلك الكلمة.. هي كلمتي أنا فقط.. أريد أن أترجاك

– أي رجاء؟

– أن تشقني يا أبله

– لا أستطيع.. أرجوكِ، ارتدي ملابسكِ، استري جسدك.

– آلتك! إني أراها بعين شهوتي، وأعلم بخبرتي أنك تشتهيني أيها الأبله.

– ولكن، نوال؟

– انسها الآن

ووقع المحظور.

هربت نوال، ولم يعرف أحدٌ إلى أين ذهبتْ.. هربت بعد أن رأت الأبله يشقُّ أمها أسفله.. وهرب الأبله ولا أحد يعلم إلى أين ذهب.. أما هند، فقد تم احتجازها في مستشفى الأمراض العقلية.

عندما سمعتْ هند عن الخبر الأسود، ذهب عقلها تماماً، وجُنَّتْ.. ومذَّاك وهي تضحك!.. فتاة تنتحر في محطة المترو.. تلك الفتاة ابنتها.

ابنتي! لا أصدقكم، أنت أيها التلفاز تكذب، سأحطمك بالمطرقة.. لا، اسكتوا أيها الكذبة، لا تخبروني أن تلك المفرومة أسفل عجلات القطار، ابنتي!.. لا أصدقكم، أنتم كذبة، أنتم حثالة، أنتم تخدعوني.. أنا! أنا عاهرة، أعترف بذلك! نعم، أنا قتلتُ ابنتي، أنا التي رميتها أمام القطار. أنا من قلتُ لعجلات القطار مزَّقي جسدها. اسجنوني، اقتلوني لأستريح وتؤجروا.

عن رجب منى السيد

mm
قاص من مصر