الرئيسية / احدث التدوينات / فلك المؤلفين

فلك المؤلفين

 

بورخيس

بقلم: الحارث علي عدلان

يقول ميلتن في الفردوس المفقود: ” كان بوسع آدم في عهد براءته في النعيم الذي كان يعيشه قبل أن يعرف الخير و الشر و يطرد من الجنة- أن يصل إلى جوهر كل شيء أو كائن يسميه فيكشف باللغة حقيقة العالم. و بعد السقوط انفصلت الكلمات عن الأشياء و باتت اللغة جملة من العلامات الاعتباطية.”

حسب كلام ميلتن، كان هناك تماثل تام بين الدال و المدلول، أي كانا شيئًا واحدًا ثم انفصلا. يرى معظم الناس أن هذا الانفصال من أوجه قصور اللغة.

في قصة لبورخيس، يقوم كاتب اسمه بيير مينار بكتابة “دون كيخوته” ليس دون كيخوته آخر- و هو أمر سهل- إنما دون كيخوته نفسه الذي كتبه ميغيل دي ثيربانتس. لم يقم مطلقًا بنسخ الأصل حرفيًا. بنهاية السرد البورخيسي للقصة ينجح في ذلك و يضيف بورخيس بأن كتابه أكثر ثراءً من كتاب ثيربانتس.

حسنًا ما أريده هو الربط بين مقولة ميلتن و قصة بورخيس معتبرين كتاب ثيربانتس “مدلولاً” و كتاب مينار “دالا” للوصول للآتي: الانفصال بين الكلمات و ما تدل عليه أمر مفرغ منه، و مهمة الكاتب ليست محاولة المطابقة أو حتى التقريب بينهما.

مهمة الكاتب هي خلق عمل من هذه الكلمات “يثير مشاعر معينة مبنية على استجابات داخلية” حسب عبارة أندريه تاركوفسكي و الذي يعد من أشهر المخرجين في تاريخ السينما.

مع هذا المثال من رواية ساعي بريد نيرودا لأنطونيو سكارميتا سيتوضح ما أقصد حيث تقول الأم لابنتها التي يغويها ساعي البريد الشاب بأشعار بابلو نيرودا: ” احذري الكلمات، إنها تجعل من نادلة في مطعم تشعر بأنها أميرة فينيسية.”

لاحظ “تشعر” و ليس “جعلها أميرة فينيسية” و هذا تأكيد على النقطة السابقة و عبارة تاركوفسكي.

و على ذكر تاركوفسكي، سأذكر عبارته كاملة لأنها تمس موضوعًا آخر يثير اهتمامي ” يسألونني دائمًا عن معنى الأشياء في أفلامي. هذا مخيف، الفنان لا يجب أن يكون مسؤولًا عن المعاني. شخصيًا لا أعرف ما يمكن أن تمثله رموزي. ما يهم هو أن تثير أعمالي مشاعر معينة مبنية على استجابات داخلية.”

مقولة تاركوفسكي هذه تناسب الأدب بشكل أكبر، تحديدًا ذلك النوع من الكتابة الذي كان يقصده ساباتو حين قال: ” بعض الحقائق لا يمكن التعبير عنها إلا بصورة غامضة.” هذه المقولة صاغها كاتب آخر بطريقة أكثر شعرية “…. اللسان الذي نستخدمه عندما لا نريد من المعاني الغامضة أن تلجمنا.”

لا أقصد هنا الغموض اللفظي و التعبير عن أفكار بسيطة بطرق معقدة كما كان شوبنهاور يقول عن هيغل. فكرتي أقرب ما تكون عما عناه ساباتو في قوله: ” عمل كافكا بكامله هو ما يشكل لغة جديدة و ليس معجمه التقليدي و نحوه السلس.” و لا في اختيار مواضيع ميتافيزيقية أو غامضة أو معقدة. فكاتب مثل شكسبير كان يستقي موضوعاته من كتَّاب الدرجة الرابعة. لا أود أن أطيل الشرح، فأي قارئ للأدب سيفهم ما قصدت.

عمل شكسبير أعلاه يقودني إلى موضوع آخر، و هو الفكرة القائلة بأنه من المستحيل بالنسبة للكاتب أن يكتب أعمالًا أدبية أصلية، و هو ما يدعى بأدب الاستنزاف “Exhaustion literature” و هي مقالة للروائي الأمريكي جون بارث و التي اعتبرت كمانيفستو ما بعد الحداثة، و فيها يقترح بارث أن الأنماط التقليدية في الأدب قد تم ابتذالها مع كثرة الاستخدام. نجد هذه الفكرة عند عدد من الأدباء، أبرزهم بورخيس و الأمريكي جون بارث بذاته و نابكوف. و أعتقد أن عنترة هو أول من صرح بهذه الفكرة في صدر معلقته في قوله: ” هل غادر الشعراء من متردم“.

هذا الكلام يتناول عدة جوانب، سأتناول منها جانبين. جانب صغير لا أثر له، فمثلاً بيت المتنبي ” راميات بأسهم ريشها الهدب تشق القلوب قبل الجلود” الذي كتبه بعد بيت يزيد بن معاوية ” و نبل مقلتها ترمي به كبدي” فصياغة المتنبي للمعنى المطروق من قبل لا يعني شيئًا، و كان سيكتب نفس البيت حتى لو لم يكتب يزيد بيته.

و الجانب الأكثر أهمية هو تأثير كتاب أو قصيدة ملحمية أو عمل كاتب بأكمله على كاتب آخر بحيث سيغيره بالكامل و لن نستطيع فهم عمله إلا بعد قراءة الأول. فمثلًا لا نستطيع فهم السيّاب دون قراءة كيتس كما قال سركون بولص. و في قصة بيير مينار مؤلف الكيخوته هناك هذه العبارة القصيرة “…. من عاشق لبو أساسًا، من قام بإنجاب بودلير، من قام بإنجاب مالارميه، من قام بإنجاب فاليري، من قام بإنجاب إدموند تيست.”

عبارة بورخيس تدل على أنه ما كانت لتكون كتابة كل واحد منهم على ما هي عليه لولا الكاتب الذي يسبقه.

هناك حوار تلفزيوني مع جيل دولوز في عدة حلقات، قام بترجمته أحمد حسان و ضمّنه في كتاب تحت عنوان “الألف باء” فيه فقرة تنص على الآتي:

” بيكيت كاد أن لا يُنشر- بديهي أن شيئًا لن يُفتقد. بالتعريف، المؤلف العظيم أو العبقري هو شخص يجلب شيئًا جديدًا. و إذا لم يظهر هذا التجديد، فلن يُزعج هذا أحدًا، لن يفتقده أحد لأن لا أحد لديه أدنى فكرة. إذا لم يكن بورست و إذا لم يكن كافكا قد نُشرا أبدًا، فلن يستطيع أحد أن يقول أن كافكا سيُفتقد. إذا كان شخص ما قد أحرق كل كتابات كافكا، فلن يستطيع أحد أن يقول: ” آه، إننا حقًا نفتقد ذلك!” حيث أن أحدًا لن تكون لديه فكرة عما قد اختفى…”

ما أغفله دولوز أنه إذا لم يُنشر كافكا فلن يفتقده أحد لكن ما كان ليكون هنالك ماركيز و لا مئة عام من العزلة، و إذا لم يكن هناك كافكا و ماركيز فلن يكون هنالك …. و …..

صحيح لن يفتقده أحد لكن سيتغير شكل الأدب كله.

 

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة