الرئيسية / احدث التدوينات / في شأن البقعة

في شأن البقعة

kuDgEo8l

بقلم: الصادق يوسف

 

 ساقوها مع حتوفهم يقيدون حبها ويطرزونه في مدارع الدمور التي  حكنها بنات نول ،حين ندرك أننا في ليل البقعة المدينة التي يصغي لها الوجدان نبتدر الأشياء التي نحتفل بها وتحاول تصاريف الزمان أن تقودها للتلاشي .

أم درمان تلك التي يتملكنا مزاجها ويأسرنا مبتدأ أمرها .أراها تسقط بكاملها في ذاتها وعلى غرار الأشخاص الذين أصادفهم وألمحهم بلا وجوه، تغرق حبيبتي في ذاتها، تحتضن وجهها بكفيها تود نزعه .. أفزعتني فكرة أن انظر إليها فتكون بلا وجه أو تكون بوجهها الأخير ..

بعد زوال الاحتلال التركي المسنود بالجنرالات الأوروبيين  والموظفين المصريين والذي انتهت بزواله دولة الجباية  والفظائع التي مارسها الأتراك ومعاونيهم من جامعي الضرائب  ” طلبة” “دقنية” استشرف السودانيون عهدًا جديدًا مثلت فيه المهدية حركة للخلاص من تسلط الدخيل وبراغماتية العميل  وإنهاءً لمغامرات جنرالات الحرب الأوروبيين .

بعد  تحرير الخرطوم، عبر المهدي  إلى الشاطئ الغربي واختار أن تكون أم درمان هي قاعدة انطلاقة لتحقيق مقاصد المهدية  التي عبر عنها بقوله ” مهديتنا إحياء الكتاب والسنة المقبورين حتى يستقيما ” متخذًاً منها  معسكرًاً لتربية الكيان السوداني الجديد، الذي اختير لنشر رسالة المهدية  في العالم .فالمهدية لم تكن تريد أن تأخذ طابع  التمدن الثابت بل أرادت أن تؤسس لمركزية رسالية  ولذلك فإن أم درمان أسست لتكون دارًاً للهجرة . يؤهل فيها الوجدان السوداني ليتقبل تنوعه  بروافع روحية عظيمة  مثلتها المعاني المتضمنة في راتب الإمام المهدي  .
عبر عن منتوج هذه التربية  شيخ الشعراء عبد الله الشيخ البشير في ملحمته أبطال بلا زاد  وهو يصف حال مدينة أم درمان وأنماط الناس فيها

جبين حر شامخ وضاء
مهيأ للسلم والهيجاء

إلى حد وصفه الدقيق لتباين الأدوار والمسؤوليات بقوله 

وحوله حشد من الأنضاء
من شاحذ للحربة السمراء

وقارئ يحبو على الأجزاء
وهائم في عالم الدعاء

 

ومع الأخذ في الاعتبار أن الإمام المهدي لم يرد أن يتخذ من قصبة الترك عاصمة له  ولا أن يتخذ عاصمة ثابتة  ولكن الظروف التاريخية  أفضت لقيام  أم درمان كمركزية سودانية  الغرس  والنمو عاصمة للهجرة والدولة والدعوة  .

ولما  كان المقصد هو الإعداد لأدوار أكبر وتجهيز وتربية للكيان الاجتماعي الجديد  فقد قسمت أم درمان وفق تنظيم عمراني  كان أول استحداث  لتمدن  يجمع المكون المختلف  للأمة السودانوية   وفقاً لإرادة غالبة، حيث لا يمكننا طبعاً أن نضفي صفة الإجماع  كون الحركة في كل  مراحلها  واجهت  مقاومة  في طورها الفكري  حيث اشتجر الخلاف  مع  طائفة العلماء حول  مسألة المهدية  والمنتظرية ،  والحقيقة أن  مصادر التلقي لدى الإمام المهدي  كانت متعددة  بتعدد العلوم التي تلقاها والتي لابد أنها أرست المهمة المنتظرة من فكرة المهدية في مخياله واستصحبها في باله،  بورودها المتكرر في الموروث الإسلامي،  وقد عرض المهدي  لذلك في رسالته لأهل المغرب  بقوله  ” إذ طوقني الله بالخلافة المهدية وأمرني بدعاية الخلق إلى إحياء السنة المرضية  ”  وشدد على التكليف الذي وقع على عاتقه بقوله :”هجمت على الخلافة الكبرى من الله ورسوله وأعلمت بأني المهدي المنتظر”، وظلت الحضرة النبوية واسطة  التكليف بالقيام بأمور المهدية  عند ورود صيغة “أخبرني سيد الوجود ”  بطريقة مشابهة لأنماط العرفان المباشر القائمة على  الكشف والذوق الصوفي مسلكًاً لإدراك الحقائق المستترة  .

حيث اختص المهدي بكونه صاحب التكليف بواسطة الحضرة  النبوية  بعد رياضة بدنية وروحية ،   كل تلك الأمور قادت لأن يكون نمط مدينة المهدية  مقاربًاً لأن يكون دار رباط  مركزاً أعد ليتحرر الوافدين إليه  من ولاءاتهم  التي أبطلتها تعاليم المهدية  وليندرجوا  في  نهج المهدية  في قهر دواعي الفرقة الجهوية والقبلية وضبطها لتجهيز الكيان الذي يحمل فكر المهدية وتعاليمها  مفارقاً أسلوب الثقافة الصوفية  الغالبة في السودان في ذلك الوقت القائمة على اعتزال المجتمع  والهرب من مواجهة الحياة ، للفكر الجديد القائم  على التمسك بمعاني الزهد لتكون رافعة  للترقي بالوجدان المجتمعي أخلاقيا  والتزود بقيم روحية  تساعد  على الضرب في زحمة الحياة  .

بعد انتهاء الدولة المهدية  في أعقاب معركة كرري.. وتسلط الاحتلال الانجليزي المسنود  بالموظفين المصريين  انحسرت  مدينة أم درمان  بفعل رغبة  الإنجليز في  إخماد جذوة المهدية وما تركته من عروق المقاومة  .. وبالتالي فإن المدينة تعرضت لإهمال ممنهج  تمهيداً لهيكلة وإعادة بناء مدينة الخرطوم  لتكون مقراً للحكم ، وقد ظُن أن ساكني أم درمان أو من عاد إليها عقب نشأة الخرطوم  وتمركز الإنجليز فيها  سينتقلون إلى الخرطوم تبعاً لانتقال النشاط إليها .

 و بحسب الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم  ” إن الذين خططوا الخرطوم لم يضعوا في اعتبارهم مكاناً لهؤلاء، لأن التخطيط سار على أساس إسكان الأوروبيين والحكام ومن والاهم وأولئك السودانيون الذين يقومون بخدمتهم  .

ومع كل ما تعرضت له المدينة إلا أنها حطمت محاولة التطبيع الاستعماري الذي درج الكولونيالي على إضفائه على مستعمراتها  بحيث  تخلق  نمط حداثي  يمثل  المنتوج الاستعماري والثقافة الوافدة  ونمط  أهلي  تجتهد في إبقائه بدائياً  وتقليديا  حيث  صارعت المدينة لإبقاء فضاء السودانوية مواكباً للتطلعات  بل وحتى  أن تكون أم درمان حاضنة لأنماط الإبداع مثل النوادي الثقافية والأحزاب السياسية  والأندية الرياضية  .. لذلك  نحن  نذكرها  لأنها أيقونة سودانوية  صمدت باجتهادات الآباء  بعد  نكسة كرري أمام محاولات تهميشها  وقولبة الوجدان السوداني  ثقافياً ليماشي  أنماط الحياة في قصبة الترك وبنيان الانجليز  وكانت كما المعاني التي أرساها بيت المتنبي  :

كم قد قتلت وكم قد مت عندكم *** ثم انتفضت فزال القبر والكفن .

عن الصادق يوسف حسن

mm
قاص من السودان ، أكتب وأقرأ وأمشي في الأسواق ، وأقص درب الكلمات ، أبحث عن الحقيقة في كل طور لها وكل عهد لي ، لا اتجاهات كلنا في نطاق مستدير لنستوي ، الحياة لغز كبير ومتاريس متمددة في الطريق وإلى آخره " انسان على طول المسافة بيبتسم " .