الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: نيلوفوبيا: وثيقة تاريخية ضد النسيان

قراءات: نيلوفوبيا: وثيقة تاريخية ضد النسيان

خالد

     تمتاز رواية نيلوفوبيا بأنها تعد كوثيقة مكانية، حيث أنها إتخذت عين السارد لمرافقته منذ الصغر، منذ لحظة غرق صديقه صلاح إلى لحظة موته وهو أستاذ مع طلابه. فهذه الرحلة السردية الطويلة تخللها إبراز عادات أهل العيلفون من واقع أنها مركز السرد المكاني، وتناولت الرواية بتقريرها غير الممل كل شيء عن العيلفون: التاريخ، الشيخ إدريس ود أرباب، إنطلقت منها الدولة الأسلامية مرتان، وغيره من المعالم البارزة.

    ثم إتخذت الرواية حدث الرحلة المدرسية إلى مصر كآلية مناسبة جداً لعدة أهداف، منها: الوصف للقرى والمدن التي يمرون بها، والحكايات حولها، وحول القطار والباخرة، وما بين زمان ماضٍ وحاضر في واقع سوداني يفتقر صوت القطار، ومتعة الرحلة بالبحر.

     فاتحة الرواية وهو الفل المُسمى بـ صلاح، أعتبره ذو مركز لتفسير كل أحداث الرواية بمنطقها النفسي المُلقى على بطل الرواية وساردها بسبب غرق صديقه صلاح، فقد شكلت منعطف غير حياته، وجعلت عنوان الرواية “نيلوفوبيا” هي وصف لما أصيب به من أثر نفسي، بل وتعدى إلى خلق طفل غاضب لم يربت عليه أحد، طفل لم يمارس الحزن على صديقه كما ينبغي، فتحول إلى وحش، طفل متمرد وعنيف، يضرب زملاء المدرسة، يعصي أوامر مدرسيه، حتى أمه، حيث نرى ذلك في ص42 بقوله: “الجميع يعتقد أنني شيطان ولعنة على المدرسة والبلد كلها، الأمهات غاضبات، وأمى غير راضية، وكل ما سمعته حوارات حتى الآن تقول إنني ولد شقي ملعون. العجيب هو أن الناس كانوا يذكرون كل شيء عني في تلك الحوارات إلا موت صلاح الذي أشعل في نفسي كل هذا الغضب، وتركني بلا صديق، وكان تجاهل ذلك عمداً أو جهلاً يزيدني غضباً وإصراراً على العنف وضرب الأطفال وإتلاف المزروعات،” فتمثل هذه القطعة السردية شرحاً واضحاً لما يعتمل في نفسه والسبب الأساسي، حيث المعالجة تكمن في أن يعامل المجتمع الطفل كإنسان له مشاعره في الفقد والفرح، فمراعاتها يجنب كثير من الغضب الذي ينشأ عليه. ولا أنسى أن هناك إشارات كثيرة في هذه الأحداث التي تروى سوء تعامله مع زملاء المدرسة منها هذه الإشارة في ص 35 بأن بعض الاطفال كانوا يلقون بالشنطة بينهم وبينه ويقولون: “عليك الله ما تعفص شنطتي فيها كتاب دين!” وهي إشارة ساخرة تبين ما كنا عليه من الصغر، بحيث تصلح كأول بدايات إستخدام الدين وأثره على الناس للمرواغة من شيء ما.

    ويمكن أن نعد الأحداث المتعلقة برجوعه إلى الخلوة، فقد كانت خير مُطفي لغضبه المشتعل، حيث هي دلالة على تأثير الخلوة والقرآن في تهذيب نفوس الأطفال الغاضبة خاصة وغيرهم، وهذه الأحداث كما غيرها من أحداث الرواية تظهر معرفة كبيرة للكاتب بتفاصيلها، وعلى سبيل المثال تقسيم اليوم بمسميات المسيد “الرمية صباحاً/ صحة القلم في الضحى/ صحة الخشم ظهراً/ صحة المطالعة عصراً/ العرضة وقت المغرب” وغيرها من التفاصيل التي تضيف لمن لا يعرف العيلفون، ولم يمر بمرحلة الخلاوي وغيرها معرفة لا بأس بها.

     يمر بنا الكاتب عبر المرحلة الزمنية من المدرسة حيث وصوله إلى المدرسة الوسطى، ثم إلى الجامعة، ويطل بها كنافذة على مرحلة سياسية بعهد نميري وتاريخية في آن واحد، ويمثل عنوان أحد الفصول “تشيزوفرينيا سياسية” وصماً جيداً لحالة بطل الرواية لما غرق صديقه المفضل من أثر في السياسية، فهو مع كل الأحزاب، ومنضم إلى عضويتها جميعاً، ويرجع في ذلك كل ما يجري له من عزلة وقلة كلام وتشتته إلى هذا الغرق، فمرحلة الجامعة كانت تتمثل مرحلة عنف موائمة لنفسياته وغضبه حتى بعد دخوله الخلوة.

     أما آخر مرحلة سردية في هذه الرواية، وهي ثانوية الجريف، كانت منطلقاً جيداً لنهايات الرواية، فقد كانت كسابقاتها تؤسس لوثيقة لهذه المدرسة، والمدارس في ذاك العهد، لكن أهم الإشارات التي أتوقف عندها هي التي أستخلصها من الأحداث التي جرت بين بطل الرواية “عبد العزيز” وزميلته الأستاذة “منال” حيث أصبحت زوجته، فقد كانت إشارة لها بعدان: بعد متصل بماضيه، وبعد متصل بواقع سوداني، يجعل عبد العزيز يفكر في نفسه لما لا يبادل زوجته رومانسية أو حتى شكر لما تفعله رغم عدم تقصيرها في واجباتها، أو حتى أدنى إهتمام لفظي. فيبرر عبد العزيز للإمتداد الواقعي الذي يؤثر عليه كمنتمي له بتبرير أنه يحب بأفعاله وليس أقواله. فهذه الإشارة تمثل زاوية مغايرة، ربما تكون نقطة تأويلية في تغيير طريقة التعامل مع الزوجة في السودان على مستوى اللفظ والإهتمام.

     كما أوردت سابقاً فهذه الرواية رحلة مكانية بمعنى الكلمة، فهي إتخذت من سردية إقتراح رحلة إلى مصر حتى يشاهد الطلاب آثار مصر، ويكون لهم شوفٌ جديد منذ الصغر، وهذه دلالة على قوة التعليم في ذاك الزمن، بل قوة الأساتذة ومدى بعد نظرهم في أمور كهذه. فقد كانت الرحلة تحمل معها حكايا كثيرة، حكايات تتمحور حول الأساتذة المرافقين، حكايا حول الناقل البحري والقطار وعطبرة، حكايات حول المدن التي يمر بها القطار، حكايات حول النيل ومصر والآثار المصرية، فهي تمثل كنزاً معرفياً تاريخياً ليس من السهل وجوده في نص أدبي.

    آخر الأحداث المأساوية عند العودة وعبر منطقية الحرب بين القذافي وحسني مبارك إتخذ الحريق نقطة إشتعال مؤلمة للعبارة التي فيها هؤلاء الطلبة وأسر سودانية، فقد كان الوصف الذي فيها دقيقاً، كأن القارئ يرى الحريق، يرى تلك المدافعات، وهذا الهلع والفزع الذي يقفز إلى الناس في العبارة، تلك التي تدفع بإبنها الرضيع ليعيش، ذاك الذي يدفع بزوجته ويضحي بنفسه ليعيش، تلك المجاهدات التي مورست في إنقاذ الطالبات من قبل المدير والأساتذة، ولم يكتفي الألم بغرق العبارة فقد أطبقت عليهم العقارب بسميتها والتماسيح  لمن نجى من الحريق. فهذا وصف يصيب بالقشعريرة من شدة الحزن الذي فيه. وتنتهي الرواية بفانتازيا ما بعد الموت لبطلها عبد العزيز، حيث يتخيل أنه حي فتطير روحه من مكان الغرق إلى العيلفون، ولا يفاجأ إلا عندما يقرأ شاهده في القبر وهي إشارة تاريخية (24/ مايو/ 1983)، فقد كان الموت إطمئنان لروحه الهائمة ذاك الغضب المشتعل، وذاك الخوف من النيل القاسي الذي يفقد الأحباء.

    في نهاية القول هذه الرواية تمتاز بمعرفة تاريخية ووصفية وبثقافات ذاك الزمن وتلك الأمكنة المذكورة فيها، وقد إستخدمت سحر الكلمة في ترسيخ حدث ومكان، في ذهنية القارئ، وإستخدمت منهج نفسي لتربية الأطفال، وكيف أن على المجتمع معاملة الأطفال بمشاعرهم حتى تكون نشأتهم سليمة ومعافاة من غضب وإشتعال وصرخات في هذه الحياة.

عن خالد أبو بكر

mm
كاتب من السودان