الرئيسية / احدث التدوينات / هكذا أحب نفسي

هكذا أحب نفسي

12f8677035a7c5e769d74f6242f08079

 

بقلم: نوف عائض

قالت المدربة: انظري إلى المرآة وقولي لنفسك” أنا فخورة بك!، أنا أحبّك! أنا أسامحك! ” ..ثم أكّدت للحاضرات: كرريها كل يوم..قوليها، اكتبيها أمامك.. من المهم أن تقوليها كل يوم..

بعد ساعة أخرى من الكلمات التي تقرع أجراسها في رأسي أعلنت المدربة أنها تنتظرنا غدًا ونحن الأفضل من الآن..  تركتُ مقعدي في الخلف واتجهت نحو الباب الذي لم يسابقني عليه أحد.. وتلفتُ حولي أبحث عن زاوية أتخلّص فيها من الكلمات التي تضرب طبولها في أذني فوجدتُ بابًا مواربًا في أقصى أحد الممرات فاتجهتُ إليه.. وجدتني في فناء خلفي ضيق لهذه البناية المتطاولة.. تفترش الأشواك أرضها المليئة بالحصى وبقايا الأسمنت.. استأذنتُها أن أختبئ مني بينها.. جلستُ القرفصاء وخلعت حذائي وأخذتُ أحملق في الجدار المتسخ أمامي أرسم عليه بالنظر بعضًا من الكلمات التي لا تزال تركض في رأسي ككرة مجنونة ألقتها تلك المدربة لتستقر في دمي طوفانًا لا أعرف كيف أنجو منه..

رنّت كلمة المرآة قاسية كحطام مرايا تدوسه أقدام عاجزة عن اقتفاء طريق جديد فتنزف حتى الموت..فتحتُ حقيبتي وأخرجتُ مرآتي الصغيرة.. نظرتُ إليّ لأكتشفني للمرة الألف وأنا أعرف أنّي عاجزة عن رؤية المدى الممتد خلف ركام الضباب الأبدي.. حملقتُ طويلاً في عينّي..سألتني والدموع تحجبني عنّي: لِمَ قبلت كل هذا ؟! أجبتني: لا أعرف ! فعدتُ أسألني والضباب يتشكل كثيفًا باردًا مهيمنًا على السماء والأرض: لِمَ وقفت بعيدًا كأن الأمر لا يعنيكِ وأنتِ من اجتمع الأكلة عليها لتمزيقها ؟! ألم يكن لكِ روح ؟! ألم توقظكِ من المنام أحلامكِ الكبيرة التي كنتِ تسعين لها ؟!  وهنا مزّق الضباب صوتي الصغير وأنا أقول للمعلمة في الصف سأكون طبيبة إذا كبرتُ وأُعالج زميلتي المتعبة..وأتذكر صوتها وهي تقول: سأراكِ يوما هناك..أنا أثق بك!..

 اختنقتُ بدموعي و وجوه زميلاتي تتطاير أمامي وكل منهن تسعى في طريق حلمها أما أنا فأرى فراري المذّل من أمام أمي وأبي اللذان قررا أن أتزوج بعد الثانوية بدلاً من دخول الكلية التي أحبها.. ثم هروبي ألف مرة من الوقوف في وجه ذاك الزوج الذي أعلن غيرته عليّ كحب ثم انقلبت الحياة إلى سجن قضبانه الشك..الجامعة  غادرتها طوعًا بعد أن التحقتُ بها لعام واحد لأن التخصص الذي أعجب زوجي لم يعجبني.. ثم غادرتُ لقاءات أسرتي الأسبوعية لأن بعضًا من قريباتي لسن على مزاجه..تلفتُ حولي وأنا أخشى أن يسمع أحد كلمات أمي وأبي المسمومة كلما أخبرتهما عنه: ” رضا الله من رضا زوجك”..

 والآن…

 دفنتُ وجهي الذي اختلط به الكحل والدموع وآثار الأقنعة المزيفة التي أرتديها في كبد شجيرة الشوك التي بجانبي..أنا الآن مطلقة ..بعد عشر سنين لم يرض الزوج..ولم ترض أمي أو يقبل أبي..أغرس وجهي حتى أتنفس التراب..وينحدر الدم من وجهي حتى أتذوقه كذينك اليومان اللذان تذوقتُ فيهما الدم..قبل طلاقي بيوم..وبعد أن دخلتُ بيت أبي أحمل ورقة الطلاق..صفعة أبي كانت أشدها وقعًا..صفعته وأدتْ روحي التي تكابد الموت منذ الأزل..

 دفنتُ كفيّ في الشوك..مزّقتُ أوصالهُ بأظافري وأخذتُ بعضه وحشوتُ به فمي..وأخذتُ ألوكهُ بصبر تلك الأيام المظلمة.. حتى خانتني صرختي فشقتْ صمت المكان…

كنتُ أريد أن أقتص منّي.. من كل ذرة في أعماقي.. من كل صمت وضعف.. من الأيام كلها قديمها وجديدها.. كنت أريد أن أقتص من سقم الحياة، وشرها الذي ألبسني ثوبه لأنّي خذلتُ دروب الشجاعة طويلاً..

بالكاد أتذكر ما حدث.. أسمع أصواتًا تسأل..وأيدي تمسح على وجهي.. مَنْ هذه ؟!! كيف جاءت هنا ؟! أطلبوا لها الإسعاف..بل وأطلبوا لها الشرطة..نحن لا نعرفها..ولا نعرف نواياها.. هي لا تعمل معنا.. وميّزتُ صوتي واهنًا يحتج: “دعوني..أنا أحب نفسي..هكذا أحب نفسي..”

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة