تَنَزُّح*

IMG-20181001-WA0001

 

جمع وتحرير: مجاهد الدومة

عَلى مَسْرحَ الطُّفولَة

      في ظهيرة بعيدة، مدفوعاً بفضوله المحض، مُحَرّكه الأول للتنقيب عن المنسي، القديم، الموشى بغبار الذاكرة. كان الطفل ينقب ببصره في مكب النفايات –الكوشة – قرب المنزل. هنالك مع المرمي من الفائض من حوائج الناس. ولبرهةٍ، تنطلق النظرة من قوس العين، تطيل التحديق إلى كومة من الورق الأصفر – إلى تاريخها الشجري – الأغبر، المهترئ، تستجيبُ اليد، بتقويسه خاطفة لتلتقط الكتاب وترفعه إلى الصدر، ثم تهرول الأرجل إلى المخبأ في البيت. ليصير الكتاب منزوع الأغلفة؛ وهو إلى ذلك بلا عنوان، ولا إشارة لاسم مؤلفه؛ رفيقاً للطفل، يتفحصه، يتصفحه، يقرأه بنهم على امتداد القادم من الأيام. وبعد سنوات لاحقة، ينكشف للذي كان طفلاً، أن الكتاب هو “موسم الهجرة إلى الشمال” أما ذاك الطفل فنعرف اسمه، إنه عادل، عادل القصاص.

      “بهذه الطريقة فقط، عانقتُ الطيب صالح لأول مرة”، يقول القصاص. فأي أثر خلَّفته هذه القراءة في تكوين عادل، هذا النوع من القراءة المنشغل على النص وحده، دون أي نوعٍ من التمييز، إيجاباً كان أم سلباً، دون الاعتبارات المسبقة، أتحدث عن الاكتشاف المحض، هذا التحقق لحلم “خوان خمينيث” بإنشاء مجلة “مَجهولُ المُؤلّف”، تنشر نصوصاً دون أسماء مؤلفيها، تضع القيمة في النص وتنطلق من بنيته.

      يستدعي القصاص هذه القصة وهو يشتغل على أطروحته – وهي سيرةٌ منتقاة من حياته – عن الشرط الإنساني وكيفية تكون وعينا بذواتنا، عبر أحداث عابرة، ما يضفي عليها قيمة هي طرائق الاستجابة لها “والتي تجعلكَ تفكر في الآخرين بمنظور مختلف”، لذلك حملت أطروحته مسمى Displace or be displaced، وهي ليست استعارة مجازية من شكسبير، بل وفاءاً لفلم Cow boys  شاهده في طفولته البعيدة، عن لعبة الاحتمالات، حيث رصاصة واحدة في مسدس، لتدخل مصير: “Kill or be killed”

أَجْنِحَةٌ تَعلوُ سَماء الممكن

     صمتٌ يسود فضاء الغرفة إلا من الـ“تك، تك، تك” وهو يقدح زناده لثلاث مرات، قبل اشتعال السيجارة أخيراً، يأخذ منها نفساً، يزفره وكأنه يشكل من السحب الدخانية ممرات لأحداث في الذاكرة ليقول:

     “سافرتُ كثيراً، ارتبطت بعلاقات عشق بنساء من جنسيات متباينة، كما صادقت أناس من جنسيات مختلفة كذلك، ومن الملفت أن بعضهم يُعتبر من أقرب أصدقائي؛ كصديقي الإيطالي برونو ليتيري، الذي يعتني بأسرتي الآن هناك في أستراليا – هذا الوعي بالآخرين قادر على كسر كل الأطر، على الخروج من كل محاولة تضييق، فالإنسان هو كائن عالمي؛ كوني، هو خالق الكون. لذا ينبغي على الفرد أن يكون واعياً لفكره، تلك المساحة النقدية التي تمنحه امتياز النظر إلى الأشياء بصورة مغايرة، وألا ينساق وراء المؤسسة أيّاً كانت، فالمؤسسات تُدَجِّن الأفراد”.

      وهنا تهبُ سير كل الأصدقاء المتجاوزين لهذا الشرط؛ قصص الليالي العامرة، التسكع الجميل، النقاشات والخلافات “الشكلات المعرفية” – كما سماها القصاص. ينفتح الباب واسعاً، يطل منه يحيى فضل الله، السماني لووال، عاطف خيري، عثمان حامد، السر السيد، أشول – وهي بائعة عرق غير مغشوش في القاهرة- حسن موسى، عبد اللطيف علي الفكي، محمد خلف الله عبد الله، محمد خلف الله سليمان، بشار الكتبي، أحمد الطيب عبد المكرم، أحمد المصطفی الحاج، أحمد شريف، محمد سعيد بازرعة، محمد المهدي بشری، محمد مصطفی الأمين، ورهطٌ غير يسير من الناس.

      وبالطبع تأتي سيرة عاطف جمال، وعاطف هو صديقنا المشترك المقيم في أستراليا، وقد رتب لنا هذا اللقاء، فيطلبُ منا القصاص محادثته، وبعد دقائق انخرطنا معه في حديث أثيري لقرابة ربع الساعة.

مَعَارج التَجْربة         

      يَنْرمي السؤال الحارق أخيراً، يدوِّي في ذاكرة القصاص البعيدة عن ثنائية المسؤولية الاجتماعية والمنفى؟ “المنفى أخذ الكثير جداً، لكن ثمة منفى أكثر إيلاماً هو المنفى الداخلي. لذلك يجب التوثيق لكل شيء نكاية به، في رجعتي بعد كل هذه السنين، أنا متشوق جداً لمقابلة كل الشباب المهمومين بالفكر والمعرفة، يجب على هذا التواصل أن يستمر، ليس من منطلق تلاقح الأجيال السابقة/ القادمة، بالمعني السطحي المستهلك للكلمة – فتوصيف “جيل” غالباً ما يكون غير دقيق  وملتبس، وليس من فكرة “الأستاذية” بالمعنى المهيمن الذي تحدث عنه أنطونيو غرامشي، ويجب تفكيك هذه الهيمنة، وأجد نفسي منحازاً لفكرة “التلمذة” التي تؤسسها الصحبة، وهي ضرورة في عملية التعلم، تتضمن الوعي النقدي تجاه معلمك – والموضوع يتجاوز فهارس العمر بالتأكيد – تسائله بالنقد والتقصي وبهذا المعنى أنا تلميذُ كثيرٍ من المعلمين. ومن جهة مغايرة أشعر بهذا الدور الأبوي – ليس بالمعني التسلطي – تجاه الأطفال، فأنا أحياناً أكون تلميذاً للأطفال.

     وبمعنى التلمذة أعلاه فأنا کنت تلميذاً لبشار الكُتُبي، عبد الله محمد إبراهيم، عبد الوهاب حسن الخليفة، محمد سعيد بازرعة، عبد الله بولا، عبد اللطيف علي الفكي، محمد خلف الله عبد الله، وأحمد عبد المكرم. هذه التلمذة التي بلغت أعلى درجاتها بالصحبة.

     “وفي سياق التوثيق، فقد حاولتُ في أطروحتي رصد مراحل التحولات الكبرى Turning points، ابتداءً من الذي عايشته في طفولتي المبكرة، كل الزخم الذي أحاط بي؛ على سبيل المثال موضوع اسم جدي “القصاص” والذي كان خبيراً في اقتصاص الأثر، استقيتُ سيرته والأساطير التي دارت حوله، وأعظمها هي قدرته على إيجاد الأثر حتى في الماء”.

مُخْتَبراتِ اللغة

     يسود الصمت مجدداً، يرافقنا باخوس متلبساً تمر “أشول” المتلألئ في كؤوس تدور بين المتحلقين، يُصْلِي الشاربين، ويمتنع البعض، برفق، بينما الأفكار تتصاعد هناك في فضاء الغرفة، عن هذا الوعي المحتشد بصور وأخيلة جامحة عن التقصي الدؤوب المتأني وانضاج التجارب الكتابية على مهل، هذه “الكتابة بالشرايين” كما قال القصاص نفسه في ثنايا الحديث، لتقدم تجربة مغايرة في شاعرية المسرود، والتي يقول عنها الراوي: “القصاص يشتغل على الحفر في أرض المجهول”.

     تَجدُ الأسئلة المتعلّقة بالقراءة والكتابة منفذاً للخروج والتشكل المضرج بالمكاشفة الجميلة، ينبعث الصوتُ مُعبِّراً عن انتفاء قدرته على إتمام نصٍّ للقصاص، لخوفه من الجمال الذي يصلبه على هياكل الخوف، يَخِزهُ بحرقة”.

     يلوّح كائنٌ ابتساميٌّ على شفاه القصاص، يوافقه أن: “كلنا نخافُ الجمال، لحظات التلقي المشرقة، والكتابة أيضاً، هذه المهابة المرتبطة بكل الذي يدور. وعلى النقد أن يؤسس على المعرفة، أن ينطلق من تشرب الناقد للطاقة المعرفية”.

     يبادر مغيرة بالكلام إلى يدجوك – الناقد الشاب – أن: سامع؟!!.

     فيعلو مرح الضحك في الجو، يضرب الحاضرون كفاً بكف، يبتسم الراوي على هذا المشهد الممتلئ بالمحبة، يسمع إيقاع أبيات ريلكه تفيضُ من ذاكرته:

“فلترمين الفضاء من بين ذراعيك

أضفه للفضاء الذي نتنفس

لعل الطيور تحس بطيرانٍ أكثر حميمية“.

     يطرح الرواي سؤالاً على القصاص، سؤال ينبعث من قراءة نافذة، عن التوظيف اللغوي في السرد، شعرية المسرود، وأخيراً السؤال الرئيس عن ثنائية العامية/ الفصحى؟.

     أواجه صعوبة حقّة، ليس في وضع حدود فاصلة والتفريق بينهما، بل مع المصطلح نفسه، لأنه يهينني في المقام الأول، واللغة هي منتوج إنساني، فهنالك عدد لا نهائي من نصوص اللغة الدارجة هي كتابات فصيحة، خذ مثلاً:

“زولاً سَرَب سربة

خلا الجبال غربا

أدوني لي شربة

خلوني النقص دربا”.

دا فصيح ولا ما فصيح؟!

تلاويح المواقيت

     هنالك نوع من الفعل الاجتماعي الذي أفخر به جداً، هذا التنوع الثري هذي الأيام هي مفضلة بالنسبة لي، فأنا أشعر بجو الأسرة الحقيقي، “أنا مُطمئن”، وأفكر في ترتيب رحلة على شاطئ النيل، يجتمع فيها الشباب والشابات، الأطفال والنساء، رحلة منذورة للحب والجمال “أها اتفقنا”؟.

      كان الليل قد ألقى بستائره على مسرح الكون، تثائب الزمن بكسل، لننتبه أننا على تخوم فاصلة بين يومين، وهنا تلسعنا ذكرى المسافات التي يجب قطعها وصولاً إلى منازل موزعة على بقاع متفرقة، نودع القصاص على مرة أخرى، وداع تعجز اللغة عن الوفاء به، فتكون دموع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*  هذا العنوان تمت استعارته من ترجمة محمد خلف لعنوان أطروحة عادل القصاص displace or be Displaced  لتأتي دلالة الترجمة كمخاطبة المؤلف لنفسه بمعنى أما أن تستجيب للشروط الاجتماعية، الثقافية، السياسية والأيديولوجية السائدة فتساهم في تغريب الآخرين أو أن تكون أنت “مُغَرّب”.

**هذه الكتابة هي تحرير لمؤانسة جمعتنا رفقة الكاتب والباحث عادل القصاص في الثامن والعشرين من مارس من هذا العام، وقد وضعت في هذا الشكل في محاولة للتجريب وتكسير قوالب الحوار المعتادة. وكان حضوراً فيها كل من: سانديوس كودي، مغيرة حسين حربية، يدجوك أقويت، محمد الطيب، مجاهد الدومة بالإضافة لأبناء شقيقات القصاص، والذين هم أصدقاؤه قبل كل شيء: مهند، المعز، الصادق ومحمود، والأخير طَّلاَّء “نقاش” بارع، فنان لأنه يشتغل بنزعة مغايرة، تنشد إظهار التنوع والقدرة على خلق أشكال جديدة، وهو وأول من أدخل ألوان مختلفة وغير معتادة استفزت الذائقة الجمالية لساكني حي الثورة الحارة السابعة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة