الرئيسية / احدث التدوينات / أكذِب أيها السياسي، ولكن كذبك لن يغطي ضخامة الحقيقة

أكذِب أيها السياسي، ولكن كذبك لن يغطي ضخامة الحقيقة

علي زين

بقلم: حنة أرنت

ترجمة: علي زين

لقراء الموضوع الأصلي (هنا)

“مهما كان حجم الأكاذيب التي يروجها الكاذب الخبير فلن تكفي مطلقًا…لتغطية ضخامة الحقيقة”

     كتبت الشاعرة الأمريكية أدريان ريتش في عام 1975 كلمتها الرائعة عن الكذب، والمعنى الحقيقي للحقيقة: “إن الفرص بين شخصين، أو بين مجموعة من الأشخاص، تمثل نوعًا من الكيمياء القديمة، فهي الأكثر تشويقًا في الحياة، والكاذب هو من لا يرى تلك الفرص.” ومجال السياسة هو أكثر المجالات التي يكون فيها فقدان المنظور الأكثر دمارًا للحياة العامة والفرص بين البشر والتقدم الجماعي، ففي السياسة نجد أن القوى الاجتماعية والثقافية والإقتصادية والنفسية المعقدة تتآمر حتى تتحول الهجمة على الحقيقة إلى صدمة واسعة النطاق.

    هذا ما تبحثه حنة آرنت (14 أكتوبر 1906 – 04 ديسمبر 1975) إحدى أكثر المفكرين حداثة وتميزًا في القرن الماضي، في مقالها الرائع لعام 1971 بعنوان: “الكذب في السياسة” الذي كتبته مباشرةً بعد الكشف عن وثائق البنتاغون، وأُدرج ذلك المقال فيما بعد في كتاب أزمات الجمهورية، وهو مجموع تلك المقالات الخالدة والثاقبة التي أصبحت ثابتة ومستعصية الزمن، وكتبتها آرنت عن السياسة والعنف والعصيان المدني وركائز المجتمع العاقل والمستقر.

    وإنطلاقًا من تلك الخيانة بعينها التي كشفت عنها وثائق البنتاغون تتأمل آرنت الخيانة التي نشعر بها في كل مرة نعرف فيها أن قادتنا السياسيين الذين انتخبناهم لكي يكونوا موظفين عموميين في خدمتنا قاموا بخداعنا وخذلاننا، فهي ترى أنه بالكشف المفاجئ عن وثائق البنتاغون “قد اتسعت فجوة المصداقية الشهيرة…وتحولت فجأة إلى هاوية”، وهي هاوية مليئة بفراغ مؤلم من كل أنواع خيبة الأمل السياسية التي كانت والتي ستكون، وتكتب في إطار بحثها الذي كشف عن مختلف “جوانب الخداع، وخداع الذات، وتشكيل الصورة الذاتية، والتفكير الأيديولوجي، وطمس الحقائق” : “لم يكن الصدق مطلقًا من بين الفضائل السياسية، فالكذب دائمًا من الأدوات التي لها ما يبررها، وتستخدم في التعاملات السياسية، وكل من يتأمل هذه الأمور لا يسعه سوى الدهشة بسبب الإهتمام الضئيل بهذه الأمور بسبب عاداتنا في الفكر الفلسفي والسياسي التي ترجع إلى طبيعة الفعل من ناحية، ومن ناحية أخرى إلى طبيعة قدرتنا على نفي الحقيقة عن كل ما يحدث، سواء بطريق الإنكار الفكري أو بالكلمة، وهذه القدرة النشطة والعدوانية تختلف بوضوح عن قابليتنا السلبية للوقوع فريسة للخطأ والوهم وتحريفات الذاكرة، وأي شيء آخر، مما يمكن إلقاء لائمته على أخطاء الحواس والعقل.”

    وتدافع آرنت عن التعقيد المتناقض للخبرة الإنسانية، وما يصاحبه بالضرورة من فارق طفيف، فتذكرنا بأن النزعة البشرية للخداع لا يمكن تصنيفها بسهولة في الثنائيات الأخلاقية، فبعد مرور ألفي عام على ما قاله الكاتب الروماني القديم “شيشرون” من أن الحسد والتعاطف لدى البشر ينبعان من المصدر ذاته، نجد آرنت تقول إن عيوبنا الأخلاقية وموهبة الخيال لدينا ينبعان من المصدر ذاته فتقول: “من بين سمات الفعل البشري أنه دائمًا يشرع في شيء جديد، ولا يعني ذلك أنه قد حدث من قبل أن أصبح بمقدور البشر القيام بشيء من البداية لإيجاد شيء من العدم، فلكي تكون ثمة مساحة لفعل شيء ما يجب التخلص من شيء موجود بالفعل أو تدميره، فيتغير الحال الذي كانت عليه الأشياء من قبل، فكان من المستحيل إحداث ذلك التغيير إذا لم نتمكن من الناحية العقلية من زحزحة أنفسنا من الموضع المادي الذي نحن فيه، وأن نتخيل أن الأشياء قد تتغير هي الأخرى عما هي عليه بالفعل، أي أن الإنكار المتعمد للحقائق الواقعية – أي القدرة على الكذب – والقدرة على تغيير الحقائق – القدرة على التحرك – متصلتان، ويرجع وجودهما إلى مصدر واحد: التخيل، وليس من الطبيعي على الإطلاق أن نقول: “الشمس مشرقة” بينما السماء في الحقيقة ممطرة (وتؤدي بعض الإصابات المحددة في المخ إلى فقدان تلك القدرة)، بل إن ذلك يشير إلى أنه رغم جاهزيتنا التامة للتعامل مع العالم بالحواس والعقل فإننا لسنا جزءًا لا يتجزأ منه، إننا أحرار في تغيير العالم والبدء في شيء جديد فيه، فبدون الحرية العقلية لإنكار الوجود أو تأكيده “والقبول” أو “الرفض” ــ ليس فقط للمقولات، أو المقترحات، للتعبير عن الإتفاق أو الإختلاف، ولكن للأشياء وفق ما تتبدى لأعضاء الإدراك والمعرفة فينا، بعيدًا عن الإتفاق أو الاختلاف – لا يمكن القيام بأي فعل، والفعل هو بطبيعة الحال أساس السياسة بعينها.

   وبالتالي عندما نتحدث عن الكذب علينا أن نعي بأن الكذب لم يتسلل إلى السياسة بسبب أثم بشري عارض، ولهذا السبب وحده نجد أنه من غير المحتمل أن يؤدي الغضب الأخلاقي إلى القضاء على ذلك الكذب. فعندما كان التاريخ هو نوع من الذكرى الجماعية المكونة من الحقيقة التي يجمع عليها الناس، سيكون من غير المدهش مطلقًا أن تكون ذاكرتنا الجماعية بهذا النقص والعرضة للخطأ إذا أخذنا بعين الإعتبار مدى عرضة الذاكرة الفردية لدينا للخطأ. تعبر آرنت عن تلك الفكرة بأسلوب رائع: “إن الكذب المتعمد يتعامل مع الحقائق المحتملة، أي أنه يستخدم تلك الأمور التي ليس لها حقيقة متأصلة فيها، فلا ضرورة لكي تكون على الحال التي هي عليه، فالحقائق الواقعية لا تكون حقيقية على نحوٍ شديد الإقناع، فالمؤرخ يعرف مدى ضعف مجمل نسيج الحقائق التي نقضي فيها حياتنا اليومية، فهذا النسيج دائمًا عرضة لخطر الإختراق من الأكاذيب الفردية، أو أن يتمزق إربًا إربًا بسبب الكذب المنظم الذي تقوم به المجموعات، أو الدول، أو الطبقات، أو أن يتم إنكاره أو تحريفه بعناية، أو أن يتم تغطيته بالكثير من الأكاذيب، أو أن يُترك ليذهب في طي النسيان، إن الحقائق في حاجة إلى من يشهد عليها حتى نتذكرها، وتحتاج إلى شهود موثوقين حتى يصبح لها مكان آمن تستقر فيه في حقل الشئون البشرية، ونستنتج من ذلك أنه لا توجد حقيقة غير قابلة للشك فيها.”

    وتعبر آرنت عن وجهة نظر تذكرنا بالكاتبة الأمريكية من أصل روسي “ماريا كونيكوفا” وبحثها الرائع في العوامل النفسية التي تمكن المحتالين من النصب علينا حتى أكثرنا تعقلاً، فتضيف: “إن هذا الضعف هو ما يجعل الخداع سهل إلى هذا الحد، وشديد الإغراء على هذا النحو، فهو لا يتعارض مطلقًا مع العقل، لأن ما يقوله الشخص الكاذب شيء محتمل، فالكذب يكون أكثر إقناعًا بكثير، وأكثر جاذبية بكثير للعقل من الواقع، لأن الشخص الكاذب يتمتع بميزة، وهي أنه يعرف مقدمًا ما يرغب فيه الجمهور، أو يتوقعون سماعه، لقد أعدّ قصته وجهزها ليخدع بها العامة وحرص على أن تكون مقنعة، أما الواقع فمن عيوبه أنه يضعنا في مواجهة أشياء لا نتوقعها ولسنا مستعدين لها. وفي الظروف العادية يتغلب الواقع على الشخص الكاذب، فلا بديل للواقع في تلك الحالة، فمهما كان حجم الكذب من جانب الكاذب الخبير فإنه لا يكفي مطلقًا حتى وإن استخدم الحواسيب للتغلب على القوة الهائلة للواقع، فالكاذب الذي قد يفلت من العقاب بعد نشر عددٍ من الأكاذيب الفردية سيجد من المستحيل الإفلات من العقاب إذا كان الكذب عادة عنده.”

   وتتطرق آرنت إلى نوع شديد الخبث من الكذابين، وهم: مديرو العلاقات العامة في الحكومة الذين تعلموا مهنتهم عبر صناعة الإعلانات التي تتميز بالإبداع والابتكار”، وتعبر آرنت عن وجهة نظر يضحدها الواقع على الأرجح، وهو واقع نجد فيه شخص مثل (دونالد ترامب) يوقد الحماس عند الجماهير تجاه أكاذيب، بما يكفي ليتمكن من الفوز بكرسي الرئاسة على نحوٍ لا يمكن تصديقه، فتكتب: “القصور الوحيد لما يقوم به رجال العلاقات العامة هو عندما يكتشفون أن البشر ذاتهم الذين يمكن (التلاعب بهم) على الأرجح لشراء نوع محدد من الصابون لا يمكن التلاعب بهم (لتصديق) الآراء ووجهات النظر السياسية، وإن كان بالإمكان إجبارهم على ذلك بإرهابهم، ولهذا أصبحت المقدمة النفسية للتلاعب بالبشر إحدى السلع الرئيسية التي تُباع في سوق الرأي العام.” وتضيف آرنت في واحدة من أفضل الفقرات التي كُتبت في تاريخ البشرية مجسدة أوضح تحذير على وجه الخصوص في يومنا هذا: “من الغريب حقًا أن الشخص الوحيد المحتمل أن يصبح الضحية المثالية للتلاعب التام هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية نفسه، فنظرًا للوظيفة شديدة الأهمية التي يقوم بها، يجب عليه أن يحيط نفسه بالمستشارين، الذين يمارسون سلطتهم أساسًا عن طريق إنتقاء المعلومات التي تصل إلى الرئيس، وعن طريق تفسير العالم الخارجي له. فأنا أميل إلى القول بأن الرئيس الذي يُعد على الأرجح أقوى رجل في أقوى دولة في العالم هو الشخص الوحيد في هذا البلد الذي يمكن تحديد نطاق خياراته مسبقًا، ولكن لا يمكن أن يحدث ذلك بطبيعة الحال إلا إذا عزلت السلطة التنفيذية نفسها عن السلطات التشريعية للكونغرس، فهذه هي النتيجة المنطقية في نظام الحكم لدينا عند حرمان مجلس الشيوخ من سلطاته للمشاركة في إدارة الشئون الخارجية للبلاد، وتقديم المشورة حيالها، أو عندما يكون كارهًا لممارسة تلك السلطات، فمن بين وظائف مجلس الشيوخ، كما نعرف الآن حماية عملية صنع القرار من النزعات، أو الآراء العابرة للمجتمع بصفة عامة، وفي هذه الحالة نجد أن تلك النزعات تتمثل في تلك السلوكيات الغريبة للمجتمع الاستهلاكي الذي نعيش فيه، ومديرو العلاقات العامة الذين يعملون على إرضاء هذا المجتمع.”

   وتنتقل آرنت إلى دور الكذب سواء كان متعمدًا، أو منقادًا في حرفة صناعة التاريخ كما نسميها: “وخلافاً للعالم الطبيعي الذي يتعامل مع الأمور التي – أيا كان أصلها – ليست من صنع الإنسان ولا يضع قوانينها الإنسان مهما كان أصلها، فيمكنه ملاحظتها وفهمها بل وتغييرها في النهاية فقط عن طريق الولاء شديد التدقيق للواقع الحقيقي الموجود، نجد هناك المؤرخ وكذلك السياسي، فيتعاملان مع أمور بشرية يعود الفضل في وجودها إلى قدرة الإنسان على الفعل، وتتوقف على حرية الإنسان النسبية في تغيير الأشياء القائمة، فالبشر الفاعلون يميلون دومًا إلى جعل أنفسهم أسيادًا على الماضي بقدر شعورهم بأنهم أسيادٌ على مستقبلهم كذلك، وبقدر ما يتمتعون به من رغبة في الفعل وحبهم للنظريات من المستبعد أن يتمتعوا بصبر العالم الطبيعي الذي ينتظر حتى يتم التحقق من النظريات والتفسيرات الإفتراضية، أو نفيها بواسطة الحقائق، فهم بدلاً من ذلك سيميلون إلى إقحام الواقع الخاص بهم – البشري على أية حال كبداية، وبالتالي كان يمكن أن يختلف عن ذلك – في نظرياتهم وبالتالي يتخلصون من الناحية العقلية من الإحتمالات المزعجة لتلك النظرية.”

   وتحذر آرنت من ذلك الضغط والإقحام للواقع داخل النظرية، بوصفه أيضًا محور النظام السياسي، إذ يتم تبسيط التعقيد المتأصل في الواقع تبسيطًا مفرطًا وسطحيًا: “إذ نجد أن الكثير من الترسانة الحديثة من النظريات السياسية تنبع من هذه الفكرة الراسخة والكريهة، ومن الأمثلة على تلك النظريات نظرية الإستراتيجية المثلى وتحليل الأنظمة والتصورات الموضوعة “للجماهير” الإفتراضية، والتعداد الدقيق لثلاثة خيارات عادةً (أ) و(ب) و(ج)، إذا تمثل (أ) و(ج) الخيارين المتناقضين وتمثل (ب) “الحل” “المنطقي” والوسط للمشكلة، ويبدأ الوهم في هذا التفكير بتحويل الخيارات بالقوة إلى معضلات متنافرة، ولكن الواقع لا يقدم لنا مطلقًا مثل هذه المقدمات المنطقية المتقنة للاستنتاجات المنطقية، فنجد بالتالي أن ذلك النوع من التفكير الذي يقدم الخيارين (أ) و(ج) على أنهما غير مرغوب فيهما يستقر بالتالي على الخيار (ب)، ويصعب أن يؤدي هذا النوع من التفكير إلى تحقيق أي غرض آخر سوى تشتيت العقل ووضع غشاوة على البصيرة حتى لا ترى العدد الهائل من الاحتمالات الواقعية.”

   ولكن ما هو أكثر إزعاجًا كما تنبهّ آرنت هي تلك الغشاوة على بصيرة الحكام ذاتهم الناتجة عن هذا التبسيط للواقع، ولا نجد تلك الظاهرة على نحو أكثر عدوانية منه في ذلك التصنيف المبالغ فيه للمستندات، ما يجعل المعلومات متوفرة فقط لحفنة من الأشخاص الذين يملكون السلطة، ومن المفارقة ألا تكون متوفرة للنواب الذين هم في أشد الحاجة لتلك المعلومات لاتخاذ قرارات في صالح الجمهور الذي انتخبهم، فتكتب آرنت: “لا يتم فقط حرمان الشعب والنواب الذين انتخبوهم من الإطلاع على ما يجب عليهم معرفته لتشكيل الرأي وإتخاذ القرارات ولكن أيضًا نجد أن الأشخاص الفاعلين أنفسهم الذين يحصلون على أعلى التصاريح للاطلاع على جميع المعلومات ذات الصلة لا يدركون تلك المعلومات، وهم راضون عن ذلك، ولا يرجع ذلك إلى أن هناك يد خفية تضللهم عن عمد، ولكن لأنهم يعملون في ظل ظروف وعادات عقلية لا تتيح لهم الوقت ولا الرغبة في البحث عن الحقائق ذات الصلة في تلال من المستندات، وهي مستندات أغلبها لا يستلزم تصنيفه، ومعظمها غير ذي أهمية لجميع الأغراض العملية.

     فإذا كانت ألغاز الحكم قد أربكت على هذا النحو عقول الأشخاص الفاعلين أنفسهم، حتى أنهم لم يعودوا يعرفون، أو يتذكرون الحقيقة وراء ما يخفونه، والأكاذيب التي يروجونها، فإن عملية الخداع ذاتها مهما كان التنظيم الذي تتمتع به (بحملاتها المعلوماتية الماراثونية) كما يقول وزير الخارجية الأمريكي الأسبق دين رسك، ومهما كان التعقيد الذي تتمتع به الحيل الإعلانية التي تستخدمها فسوف تفشل أو تأتي بنتائج عكسية، أي أنها ستؤدي إلى إرباك الناس دون إقناعهم، فالمشكلة في الكذب والخداع هي أن فاعليتهما تتوقف بالكامل على الحصول على فكرة واضحة للحقيقة التي يحاول الكاذب أو المخادع إخفائها، وبهذا المعنى نجد أن الحقيقة حتى وإن لم تكن سائدة بين الجمهور فإنها تتمتع بأسبقية على الكذب لا يمكن محوها.”

    وتستقرئ آرنت أخيراً الضعف الإنساني الأشمل تجاه الكذب وتضيف: “لقد بدأ المخادعون بخداع الذات. والمخادع الذي خدع ذاته ينفصل بالكامل ليس فقط عن الجمهور، ولكن أيضًا عن العالم الواقعي الذي لن يكف عن ملاحقته رغم ذلك، لأنه يمكنه إبعاد عقله عن ذلك العالم، ولكن لا يمكنه إبعاد جسده”.

عن علي زين

mm
كاتب ومترجم من اليمن