الرئيسية / احدث التدوينات / إحنا بالفعل إتخدعنا (1): الانتماء

إحنا بالفعل إتخدعنا (1): الانتماء

محمد شطا

بقلم: محمد شطا

    “يستيقظ صباحاً، ثم يذهب لشراء الإفطار، يشتري بقرش فول، وبقرش فلافل، كمية كافية جداً للأسرة. يذهب إلى نفس المدرسة التي يرتادها إبن وزير التموين، فهو من أبناء محافظته. بعد أن تخرج من كليته لم ينتظر طويلاً حتى وصله جواب تعينه من وزارة القوى العاملة، ليأخذه ويتوجه به إلى الوزارة التي سيعمل بها بناء على ما درسه في كليته. بعد أن تم تعينه بقليل توجه هو وأسرته ليتقدم لإبنة الجيران التي أحبها منذ زمن، لم تكن طلبات أهلها صعبة، فمتطلبات الحياة لم تكن تتطلب أي مغالاة.”

    تلك كانت الخطوط العريضة لقصة حياة شخص في جيل الخمسينيات والستينيات وأوائل السبعينيات، ذلك الجيل الذي لا يفوت أي فرصة ليتهم جيل الشباب الحالي بعدم الإنتماء إلى البلد، بل ويتخطى بعضهم تلك المرحلة ليتهم الشباب بما هو أفظع (الخيانة)!

    “يستيقظ صباحاً ثم يذهب لشراء الإفطار بنصف جنيه فول، ونصف جنيه فلافل، كمية سوف تكون كافية عندما تضع الأم كمية لا بأس بها من الطماطم. يذهب إلى تلك المدرسة الحكومية التي تقع على ناصية الشارع، تلك المدرسة التي لا يرتادها جاره محمد، لأن والده الذي يركب المرسيدس يخشى عليه من تدني مستوى التعليم بها. بعد أن تخرج من كليته بتقدير ليس بسيء، على الرغم من أنه كان يعمل ليصرف على دراسته، لم ينتظر في المنزل طويلاً، فهو يعلم بأن القوى العاملة لن ترسل له أي جواب تعيين، لذلك نزل إلى الشركات التي لها علاقة بمجال عمله، ولكنه لم يجد فرصة للعمل، لذلك رضي أن يعمل بائعاً في محل هو نفسه لن يتذكر إسمه إن سألته عنه، ولكنه يجب أن يعمل، فمعاش ولده لن يتحمله أبداً، هو الآن يجلس على المقهى منتظراً، آملاً أن تتصل به إحدى الشركات التي راسلها طالباً وظيفة. إنتظر طويلاً ولكنه لم يتلقى أي شيء لكنه سيظل منظراً.”

    لا أظن أنني أحتاج إلى توضيح بأن هذه هي الخطوط العريضة لقصة حياة شاب من شباب اليوم،  ولعلني أتسائل، ما الذي يجب أن يشعر به أي شخص حينما يكون هذا هو ملخص الخمسة وعشرين عاماً الأولى من حياته؟ ألا يستحق أن يغضب؟ ألا يستحق أن يشعر بالحنق على سنين عمره التي تضيع؟ ما أطلبه من أجيال الشعر الأبيض أن يقارنوا بين ملخص حياتهم وملخص حياة من يتهمونهم بعدم الإنتماء، ثم يجيبوا عن هذا السؤال: “ما الذي كانوا سيشعرون به لو إستبدلوا الخمسة وعشرين عاماً الأولى من حياتهم مع شباب اليوم؟

    أما عن تهمة عدم الإنتماء للبلد، فأنا أتسائل: كيف لنا أن نتهم شاباً مر بتلك الظروف الصعبة ثم أصر على تلبية نداء الخدمة الوطنية بأنه غير منتمي للبلد؟ كيف لنا أن نتهم شاباً مر بكل تلك الظروف الصعبة ثم أصر على عدم الإنحراف بأنه غير منتمي؟ أظن أننا يجب أن نحاول إيجاد تعريف مجرد لكلمة الإنتماء، فالإنتماء ليس فقط حب المواطن لبلده دون أي شرط، بل أيضاً إحترام الوطن لذلك الحب وتقديره، فلم نسمع قبلاً في تاريخ العلاقات أن هناك علاقة حب إستمرت وأحد طرفيها يقابل حب الآخر بجفاء، أما فيما يخص ذلك المقابل فيكفي أن يكون عبارة عن محاولات صادقة لإحترام آدمية وأماني المستقبل لشباب يستحق السعادة حتى ولو كانت تلك السعادة معنوية. أظن أننا نحتاج أن نعيد تعريف تهمة عدم الإنتماء قبل أن نلقيها جزافاً على أكثر المخلوقات إنتماء لهذا البلد (الشباب)، كما أنني أظن أن الحكومات يجب أن تشعر الشباب بأنهم منتمين إلي البلد قبل أن تطلب منهم إظهار ذلك الإنتماء عن طريق عدم التأفف على سنين حياتهم الضائعة.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة